الرحمة

 

يجعل السيد المسيح من عمل الرحمة شرطا أساسيا لدخول ملكوت السموات. ففي الموعظة على الجبل، يعد الرحماء بأنهم "يرحمون" (متى 5: 7). أما الكمال الذي يريد أن يتحلى به أتباعه فيتجلى في الآية الكريمة:"كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم" (لوقا 6: 36). لذلك سيُدان الإنسان على مقدار الرحمة التي أظهرها لكل إنسان مقهور في لقمة عيشه ومسكنه وأسقامه:"كلما فعلتم ذلك بأحد أخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه " (متى 25: 40).

القول برحمة الله مؤسَّس على الخبرة التي عاشها الشعب مع الإله الذي حرّرهم من أرض العبودية، وحين يظهر الله مدافعا عن المساكين والأرامل والأيتام والمنبوذين. ومع أن كلمة رحمة لا ترد في قصة الخروج، إلا أن هذا الحدث قد اعتُبر بأنه عمل من أعمال الرحمة الإلهية، وهذا ما يبدو واضحا في الكلام التالي الذي قاله الله لموسى: "إني قد نظرت إلى مذلة شعبي الذين بمصر وسمعت صراخهم من قِبَل مسخِّريهم وعلمت بكربهم فنزلت لأُنقذهم " (خروج 3: 7-8). مع ذلك لم يمتنع الشعب من ارتكاب الخطيئة والابتعاد عن الله. غير أن الله يرغب دائما في خلاص الخاطئ وتوبته" قد انقلب فيَّ فؤادي، واضطرمَتْ مراحمي" (هوشع 11: 8). والله يريد أن يعترف الإنسان بالشر الذي صنع فينال الرحمة: "ليترك المنافق طريقه والأثيم أفكاره وليتُب إلى الرب فيرحمه وإلى إلهنا فإنه يكثر العفو" (إشعياء 55: 8).

لقد ظن شعب العهد القديم لحقبة طويلة أن رحمة الله حق حصريّ لهم وحدهم. وما قصة يونان النبي إلا لتلقين الشعب درسا بأن الله إنما هو إله كل البشر ورحمته تسع كل الناس. وفي هذا السياق أيضا، نورد الآية في سفر يشوع بن سيراخ: "رحمة الإنسان لقريبه، أما رحمة الرب فلكل ذي جسد" (18: 12). يطلب الله من خليقته أن ترحم بعضها بعضا، وقد أدرك داود النبي ذلك حين فضَّل أن "يقع في يد الرب لأن مراحمه كثيرة، من أن يقع في أيدي الناس" (2 صموئيل 24:14).

مشيئة الله هي أن يتمّم الإنسان فريضة الرحمة مفضلا إياها على تقديم الذبائح والمحرقات: "فإني أردت رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من المحرقات" (هوشع 6: 6). هذا الكلام ردّده السيد المسيح (متى 9: 13 و12: 7) حين أراد أن يوضح ماهية رسالته الحقيقية في هذا العالم.وقد أعطى يسوع أمثلة عديدة حول أهمية الرحمة في استحقاق الملكوت. ففي مثل السامري الصالح، يبين يسوع أن إتمام الوصية الإلهية القائلة بمحبة القريب لا يقوم إلا بصنع الرحمة مع كل ضعيف وبائس (لوقا 10: 30- 37). وفي مثل العبد الشرير، أبرز يسوع أن رحمة الله بالناس تفترض مسبقا رحمة الناس بعضهم ببعض:" أفما كان ينبغي لك أن ترحم رفيقك كما رحمتك أنا" (متى 18: 33). أن أكون رحيما، إذاً، يعني أن أكون قريبا من الشخص المحتاج الذي تجمعني به الصدفة، ورحيما بمن أعتقد أنه أساء إليّ".

السيد المسيح هو رئيس الأحبار "الرحيم الأمين في ما لله" الذي جاء يكفّر خطايا الشعب (عبرانين 2: 17)، ويتم التدبير الإلهي في خلاص البشر. لذا اتّسمت كل أعماله بالرحمة الإلهية، فنراه يتحنن على الفقراء والمساكين والخطأة، كما "تحنّن" على أرملة نائين فأقام ابنها الوحيد الميت (لوقا 7: 13)، وفي أماكن عديدة يقول الإنجيليون إن المسيح قد "تحنن" على الجموع "وأبرأ مرضاهم" (متى14: 14 مثلا). ولا عجب أن يقصده الكثير من البائسين طالبين الرحمة، كالمرأة الكنعانية التي صاحت إليه:"ارحمني أيها الرب ابن داود" (متى 15: 22).

إن المثل الذي يُبرز حنان الله ورحمته إنما هو مثل الابن الشاطر، رمز الخاطئ الجاحد الذي فضّل الابتعاد عن أبيه، ثم عاد إليه تائبا "فتحنن عليه (أبوه) وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبَّلَه" (لوقا 15: 20)، وأكرمه وأعاد إليه مقامه الأول. هكذا الله ينتظر بصبر كل خاطئ حتى يعود إلى حيث كان، فيرحمه مجانا. في هذا الإطار يمكن التذكير بما ورد في نبوءة  ميخا عندما قال إن الله" غافر للإثم وصافحٌ عن المعصية لبقية ميراثه، لا يمسك إلى الأبد غضبه لأنه يحب الرحمة. سيرجع ويرأف بنا ويدوس آثامنا ويطرح في أعماق البحر جميع خطايانا" (7: 18-19). لقد أرسل الله ابنه الوحيد ليتم هذه النبوءة، وقد أتمها على الصليب وبقيامته من بين الأموات. فمَن قَبِلَ العودة إليه فقد قبل النجاة من كل ما يعرّضه للموت الأبدي.

بينما يمقت الله مَن "لا  فهم لهم ولا نظام ولا ودّ ولا عهد ولا رحمة" (رومية 1: 31)، يجب على المسيحي أن يتحلى بالمحبة والرحمة والرأفة والرفق. يتساءل القديس يوحنا في رسالته الأولى: "مَن كانت له المعيشة العالمية ورأى أخاه في فاقة فحبس عنه أحشاءه فكيف تحل محبة الله فيه؟" (3: 17). محبة الله لا تقيم إلا فيمن يصنع الرحمة، فكونوا رحماء.