|
||
|
||
|
التقوى لفظ له خصوصية في الأدب والحياة المسيحيين، وذلك أن معناها الصحيح يرتبط بالإيمان بالله وطاعة وصاياه وبعمل الرحمة مع الآخرين. الترجمة الاورشليمية للكتاب المقدس ذكرت، في إحدى حاشياتها، بأن كلمة "تقوى" ترد 15 مرة في العهد الجديد: مرة واحدة في أعمال الرسل (3: 12)، واربع مرات في رسالة بطرس الثانية (1: 3 و 6 و 7، 3: 11)، وعشر مرات في الرسائل الرعائية (1تيموثاوس 2: 2، 3 :16، 4: 7-8، 6: 3 و 5 و 6 و 11؛ 2تيموثاوس 3 :5؛ 1تيطس 1: 11). اول ما نلاحظه من خلال هذه الآيات جملة هو أن الرسائل الرعائية استعملت اللفظة بشكل متواتر حتى يمكن القول انها احتلت فيها مكان الصدارة الذي للإيمان نفسه، او كما يقول بعض المفسرين انها تُعادل ما يسميه بولس الرسول "الحياة في المسيح". ترتبط التقوى الصحيحة ارتباطا وثيقا بحياة المؤمن "المستترة مع المسيح" فهي، كما قال الرسول، "نافعة لكل شيء" لأن "لها موعد الحياة الحاضرة والعتيدة"، وفيها -اذا اقترنت بالطاعة- "كَسْبٌ عظيم"، وذلك لأنها تستطيع أن تحمي أصحابها من السقوط في محبة المال الذي هو "اصل كل شر". كما انه في ظروف الكنيسة الصعبة تعطي التقوى القوّة على احتمال الاضطهادات. يقول بولس لتلميذه تيموثاوس: "وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" (2تيموثاوس 3: 12)، وهذا يدركه فقط الأتقياء الذين باتت طبيعتُهم، بسبب إخلاصهم للسيد، مختلفة عن طبيعة العالم الساقط الذي يريد أن يسحقهم.حقهم. بيد أن التقوى كثيرا ما تتعرض للانحراف، لأن الكثيرين يهتمّون بمجد أنفسهم اكثر من اهتمامهم بمجد الله، ولذلك فإن محبتهم لله تضعف وتقواهم تتشوه. يقول المغبوط اغسطينوس: "قوة الخلاص في أن تتأصل المحبة فينا الى جانب التقوى وأَلا تقتصر حياتنا المسيحية على المظاهر الخارجية. صالحٌ هو مظهر القداسة، ولكن ما قيمة المظهر من دون أصول؟". وهذا ما اعتنى أن يؤكده الرسول بولس عندما تكلم عن الأزمنة العسيرة حين يصبح الناس يحبون أنفسهم والمال ويعادون الصلاح مفضلين "اللذة اكثر من الله"، اذ قال: "يُظهرون التقوى ولكنهم ينكرون قوتها" (2تيموثاوس 3: 1-5). ماذا يقصد الرسول بقوله: "يُظهرون التقوى ولكنهم ينكرون قوتها"؟ ما هي قوة التقوى؟ لا شكّ أن الذين يسعون الى معرفة الحق والاتحاد به لا يصطنعون مظاهر القداسة في الخارج وهم من داخل في ظلمة مرعبة. نكران قوة التقوى هو أن يفصل المؤمن، في التزامه الروحي، ما بين داخله وخارجه، اي أن يتظاهر بأنه يحيا بما يوافق مشيئة الله وهو في سره في غربة عنها وجهل كبير. ولا ريب أن هذا ضد التقوى الصحيحة وضد محبة الله على السواء، وتاليا، هو تشكيك لا بل نكران لقوة التقوى التي هي قوة الله وعمله المقدس. يقول رسول الأمم: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يُقوّيني" (فيلبي 4: 31)، وهذا يتنافى والتمظهر، ويتطلب معرفة للنفس البشرية على حقيقتها ومعرفة إمكانياتها، والاستسلام الحقيقي غير المصطنَع الى الله الذي يقوّي. التقوى التي "من دون أصول" قناع يُخفي التهرب من حق الانجيل والالتزام الكامل، وذلك أن المراءاة، التي وبّخ عليها الانجيل طويلا، لا تنفع احدا. الشيء الوحيد الذي ينفع في ديانة الروح هو أن نحيا مع المسيح وفق مشيئته مهما كانت -برأينا- صعبة او متطلبة. ما قيمة التصنع او التهرب، والعقلاء يفقهون أن احدا لا يستطيع أن يُخفي نفسه عن عيني الله اللتين تريان وتفحصان كل شيء. هذا يُفضي بنا الى الانتباه الى أن التقوى الحقيقية، التي تفترض عدم الاهتمام بوجوه الناس او ارضائهم، تتطلب عدم تفضيل امرٍ لله وإهمال آخر، وهذا يعني أن نَقْبَلَ الله على فرادته وبكليته. ولذلك فإن التقوى التي تتشوّه اذا صنعنا أمورنا او ما يُرضي الناس، تُثمر اذا أقبلنا على التزامٍ كامل ليس فيه اي انتقاص لوجه من وجوه الله الحي، او تفريق بين الوسائل التي كشفها لنا الوحي والتي تفضي بنا الى الاتحاد به. فلا نمارس الصلاة -مثلا- ونهمل الفهم الروحي، او العكس، ولا نقبل على الصلوات الجماعية ونترك الصلاة الفردية والصوم، او نعمل هذه او تلك وننسى محبة الإخوة الصغار. اي التزام باحدى هذه الأمور يؤسسه او يرافقه إهمالل للباقيات هو بَترٌ او تشويه لوجه المسيح الواحد المعبَّر عنه في كل هذه الوسائل، وخروجٌ عن التراث الحي. قد يكون أخطر وجوه التقوى الكاذبة أن نطلب من غيرنا ما لا نطلبه من انفسنا، هذا دليل قاطع على اننا فقدنا أن نكون حساسين لإصلاح انفسنا. فالتقوى الحقيقية هي أن نحب الله اكثر من انفسنا وأن نقبله مربينا ونرتضي جواره في دعاء موصول، وأن لا تضعفنا وجوه الناس حتى لا نسقط في حبائل الشرير، وأن نحب الآخرين ونكون بالنسبة اليهم صورة لله حقيقية، لا هم عندنا إِلا أن يمجد الآب والابن والروح القدس وحده وأن يؤمن به في كل قلب ويعترف باسمه على كل لسان. |
||