الملائكة ودرجاتهم

 

من هم الملائكة ؟:
كلمة ملاك هي يونانية وتعني مُرسل، واقتبلوه من ربنا بسبب خدمتهم من أجل خلاص جنس البشر. هكذا على سبيل المثال أرسل الله الملاك جبرائيل إلى مدينة الناصرة ليبشّر مريم العذراء بأنها المختارة ليولد منها المخلص. لا يذكر الكتاب المقدس بدقة زمان خلق الملائكة. ولكن الكنيسة المقدسة مع القديس  يوحنا الدمشقي والقديس يوحنا كاسيانوس والقديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتي وآباءٍ آخرين، تعترف بأنه قد حصل قبل خلق العالم المادي والبشر.

وكلمة الله هو من خلق الملائكة كما خلق بقية العالم المنظور، هكذا يقول بولس الرسول: "إذ فيه خلق جميع ما في السماوات وعلى الأرض ما يرى ولا يرى، عروشاً أم سيادات أم قوات به وإليه خلق كل شيء". 

ما هي تقسيمات الملائكة ؟:
حسب القديس
 يوحنا الدمشقي تقسم الملائكة إلى ثلاثة طبقات وكل طبقة أيضاً تقسم إلى ثلاثة طغمات فتكون الملائكة عبارة عن تسع طغمات فالطبقة الأولى تتكون من السيرافيم والشيروبيم والعروش والثانية من السيادات والقوات والسلاطين والثالثة من الرئاسات ورؤساء الملائكة والملائكة. وبحسب أشعياء النبي، يكون السيرافيم ذوو الستة أجنحة هم المقربين إلى عرش الله أكثر من سواهم: "رأيت الرب جالساً على عرشٍ عالٍ رفيعٍ وأطراف ثوب الهيكل. من فوقه السيرافيم قائمون ولكل واحدٍ ستة أجنحة، باثنين يستر وجهه وباثنين يستر رجليه وباثنين يطير" وخلف السيرافيم يوجد حول عرش الله الشيروبيم الحكماء ذوو الأعين الكثرة، يليهم العروش ثم الطغمات الملائكية الأخرى بحسب الترتيب المذكور آنفاً. ويُنعت الملائكة عموماً بالقوات السماوية أو بالجيش السماوي، ورئيسها هو ميخائيل زعيم الأجناد وأحد الأرواح السبعة القائمة أمام الله. وهؤلاء الملائكة السبعة هم ميخائيل أو ميصائيل (ذاك الذي يشبه الله)، وغفرائيل أو جبرائيل (قوة الله)، ورافائيل أو روفائيل (رأفة الله)، وصلافئيل أو صلأتئيل (الصلاة إلى الله)، وأُوريل أو أُورتئيل (نور الله)، ويحبوديل أو يفودئيل (مجد الله)، وبركييل أو بركئيل (بركة الله). وهم يُدعون تارة ملائكة وطوراً رؤساء ملائكة، وقد أدرجهم القديس ديمتري الروستوفي في مرتبة السيرافيم.

نؤمن:
بأن الملائكة قد ُ خلقت، والبشر من بعدهم، على صورة الله ومثاله. وصورة الله عند الملائكة كما عند الإنسان تقوم في العقل الذي يلد الفكر ويأويه، ومن هذا العقل ينبثق الذهن الذي يعمل مع الفكر ويحييه. وهذه الصورة غير المنظورة عند الملاك كما عند الإنسان هي سمة المثال وهي توجِّه الملاك بكليته كما تفعل ذلك للإنسان. وبأن الملائكة كائنات محدودة في الزمان والمكان، فلهم مظهر خارجي خاص بهم والتي لا تستطيع عيوننا الغليظة أن تميّزها عند الاقتضاء.

يقول القديس  يوحنا الدمشقي: "توصف الملائكة بعادمي الأجساد وعادمي المادة بالنسبة إلينا، وأما في الواقع، فكل شيء هو غليظ ومادّي إزاء الله الذي لا يمكن أن يقارن به أي شيء، إذ إنَّ الألوهية وحدها غير مادية وغير جسميّة بالحقيقة". فتسمى الملائكة بأنها كائنات غير هيولية (غير مادية) لا تعرف المستقبلات ولا يمكن أن تتواجد في أكثر من مكان في وقت واحد تخدم الله وتحمي البشر. 

لوسيفوروس:
ولكن، لم يحافظ جميع الملائكة على كرامتهم الأصلية، فالذين سقطوا منهم كثيرون، ونحن نعرفهم الآن بتلك الأسماء الشنيعة التي للشيطان، وإبليس، والجن، وملائكة الظلمات، والملائكة الساقطين.

وسقوط الملائكة الساقطين إنما هو سابق لسقوط الإنسان، وقد أذنب الملائكة الساقطون في السماء قديما حين ثاروا ضد الله وكان المحرِّض على هذا التمرد واحدٌ من أجمل الشيروبيم والذي كان أغنى من سواه بالمواهب الإلهية. وقد أوحى الروح القدس إلى إشعياء النبي بأن يبكي سقطته، فقال: "كيف سقطت من السماء يا نجمة الصبح الزاهرة! كيف هويت إلى الأرض أيها القاهر الأمم! كنت تقول في قلبك: سأصعد إلى السماء وأرفع كواكب الله عرشي. سأجلس على جبل جماعة (الآلهة) هناك في أقاصي الشمال، وأرتقي أعالي السحاب وأكون شبيهاً بالعليّ! لكنك انحدرت إلى عالم الأموات، إلى أعماق الأرض.

وبانخداعه وتحجّره من جرّاء كبريائه واعتداده، أغوى الكروبُ الساقط جمهرة من الملائكة وجرّهم وراءه، ومن بينهم ملائكة ُ كُثر كانوا من الرتب العليا في المراتب السماوية. وفي الحال قاوم ميخائيل رئيس الأجناد الشيطان المتمرّد الذي صار باختياره أبا الشر وزعيمه. " حينئذٍ نشب قتال في السماء: ميخائيل وملائكته قاتلوا التنين. والتنين وملائكته أنشبوا القتال، ولكنهم لم يقووا، ولا وُجد لهم موضع في السماء". (رؤيا ١٢:٧-٨).

ومنذئذٍ لم يتوقف القتال بين ملائكة النور وملائكة الظلمات؛ لأن هؤلاء الأخيرين لا يكّفون عن التسلح ضد الله في تصلبهم العنيد. وكانت سقطة الشيطان فورية وسريعة، فالكلمة الأزلي يقول: "لقد رأيت الشيطان ساقطاً من السماء كالبرق". بيد أن هذه السقطة العاجلة لم تجعله يعي عجزه ولا قدرة الله الكلية حتى أن استغراقه في الظلام وسقوطه كانا عميقين. وإذا حُرم من نعمة الله فقدَ استقامة طبيعته الخاصة وفسد تماماً إلى حد أن الأسفار المقدسة تقارنه بالبهائم لا بل بالأخبث والأحيل في ما بينها، أي الحيّة. فهكذا يُنعت في العهدين القديم والجديد. وبعد سقوطه، أصبح الملاك الساقط الأصلي زعيماً للأرواح الذين جرّهم إلى الهلاك. ويعّلم الآباء أن

ما بين الشياطين يميّز السيد الأعلى ثم رؤساء ومرؤوسون، شياطين أكثر أو أقل قدرة، أكثر أو هي كلمة (Satan) أقل خبثاً. وكلمة شيطان عبرية تعني عدواً أو خصماً، وتوازيها كلمة(Diable) "إبليس" اليونانية، أما كلمة (Demon) اليونانية فتعني روحاً أو جنياً، إلا أنها لا تستعمل إلا للإشارة إلى الملاك الساقط.

وقد استقرّ ملائكة الظلمات المطرودون من السماء تحت السماوات، في مكان يسمّيه الكتاب المقدس والآباء فضاء. ولأجل ذلك يُدعى القاطنون في هذا الحيّز أيضاً أرواح الفضاء وقواته ورؤساءه.

رسم الملائكة المعروف في رسم الأيقونة:
• ميخائيل:
الكنيسة منذ أقدم الأزمنة تصوره رئيساً يحمل في يمينه رمحاً يهاجم به لوسيفوروس الشيطان، وفي يساره غصناً من النخيل وفوق الرمح ضفيرة وصليب أحمر. وهو من يرسله الله لبني البشر ليعلن لهم مراسم عدله. وظهر لإبراهيم عندما أمره الله أن يقدم له ابنه اسحاق ذبيحة ليجرّبه، كان ميخائيل من تدخل في اللحظة الأخيرة ليمنعه من أن يمس ولده يسوع. وأعماله في العهدين لا ُتحصى، في العهد الجديد نجّى الرسل من السجن، ضرب هيرودوس بالدود لأنه لم يعطِ المجد لله، وهو من فسّر ليوحنا الإنجيلي أسرار الله بشأن نهاية الأزمنة في كتاب الرؤيا.

• جبرائيل:
الله يرسل رئيس ملائكته جبرائيل ليذيع على الناس عجائب محبّته وحرصه على خلاصهم. حيث ظهر لدانيال في العهد القديم وأنبأه بمجيء المسيح بعد سنوات كذا عددها.

ويصور حاملاً بيمينه فانوساً له شمعة مضاءة وفي يساره مرآة من حجر كريم أخضر اللون. والمرآة تشير إلى حكمة الله،سراً مخيفاً وقد بشّر أيضاً والدة الإله بولادة المسيح المخلص. وقاد الرعاة إلى مغارة بيت لحم وهو من نزل من السماوات يوم القيامة ورفع حجر القبر وجلس فوقه.

عادة يذكران الملاكان جبرائيل وميخائيل معاً في الكنيسة حتى في الأيقونة يصوَّران معاً.

• روفائيل:
ورد ذكره في سفر طوبيا هكذا: "فأرسل روفائيل ليشفي كلا الاثنين ليزيل البقع البيضاء عن عيني طوبيت فيرى بعينيه نور الله وليعطي سارة ابنة رعوئيل زوجة لطوبيا بن طوبيت ويطرد عنها أزموداوس الشيطان الخبيث". قال لهما بعد تمام العرس: "أنا روفائيل، أحد الملائكة السبعة الواقفين والداخلين في حضرة مجد الرب. لا تخافا! عليكما سلام باركا الله للأبد. لما كنت معكما، لم أكن بفضلي أنا، بل بمشيئة الله" (طوبيا ١٢).

يصوّر روفائيل يقود طوبيا بيمينه وطوبيا حاملاً سمكة التقطها من نهر دجلة وفي يساره إناء طبّي.