|
||
|
||
|
[ها أنا معكم وليس احد عليكم]
إن جبل صهيون أحرز في العهد الجديد أهمية عظمى كما
تنبأ ميخا النبي قائلاً: (لأنه من صهيون تخرج الشريعة
ومن أورشليم كلمة الرب ) (2:4). وفي الواقع أن كنيسة
المسيح الأولى إنما ظهرت هناك في تلك العلية المجيدة.
وعلى قرب منها كان بيت يوحنا المعمدان اللاهوتي الذي
أقامت فيه بمشورة الرب أمه الفائقة النقاء التي كانت
السحاب المنير الذي ارشد بخطواته الأولى تلك الكنيسة
الطفلة كما كانت عزاء الرسل وجميع المؤمنين وبهجتهم إذ
كانت تردد على مسامعهم جميع الكلمات التي جمعتها في
قلبها عن حوادث المعجزات قبل ولادة المخلص وبعد ولادته
فيجد التلاميذ بإصغائهم إليها تعزية وقوة وشجاعة
وتأييداً بالإيمان فيباركون مع جميع المؤمنين اسم مريم
الفائقة البركات. ولم يكن حدّ لاحترامهم العام لها
لأنها أعلم الناس بتلك المعجزات واصدق شاهد لها.
وفي اليوم الخمسين يوم عيد العنصرة العظيم كانت والدة
الإله مع التلاميذ كلهم في علية صهيون وتهيأت بصلوات
حارة لقبول المعزي الموعود به. وفي الساعة الثالثة من
النهار ُسمعت في الهواء ضجة شديدة فجائية كأنها عاصفة
وملأت البيت الذي كانوا فيه وظهرت لهم شهب كأنها ألسنة
نارية واستقرت على كل واحد من الحاضرين فامتلئوا كلهم
روحاً قدوساً. وكان حدوث ذلك في اليوم العاشر بعد صعود
الرب يسوع إلى السماء. وقد قبلت العذراء مريم الروح
القدس بغزارة أكثر من الرسل لأنها كانت الإناء المصطفى
الأعظم من الجميع والأسمى من الرسل والأنبياء وجميع
القديسين.
وبعد إن قبل الرسل الروح القدس ظلوا في أورشليم عشر
سنين كما يعلم هذا الكتاب أعمالهم ولم يتفرقوا لساعتهم
في المسكونة حتى اندفع هيرودس اغريبا يطارد المسيحيين
ويشدد عليهم الخناق. أما والدة الإله فكانت تقيم في
بيت يوحنا اللاهوتي الوقت كله. وباهتمام الرسل بتنظيم
خلاص اليهود كانوا يتفرقون من وقت إلى آخر في المدن
والقرى كما ذهب بطرس ويوحنا إلى السامرة وبطرس إلى
اللدّ وايوبيّة وقيصرية وإنطاكية ويوحنا اخو الرب إلى
اسبانيا.إلا أنهم كانوا يسرعون في العودة إلى أورشليم
إما لينظموا خلاص إسرائيل ويثبتوا كنيستها وإما ليروا
أم الرب ويسمعوا منها الأقوال الإلهية الملهم بها من
الله. وقد مكثت في بيت يوحنا اللاهوتي على جبل صهيون
مذ قال لها الرب وهو على الصليب: ( يا امرأة ها ابنك )
وله ( ها أمك ) وأخذها ذاك التلميذ إلى خاصته (يو
27:19 ) وكان يخدمها كأم له بإخلاص وورع ولم يرسل إلا
مرة واحدة مع الرسول بطرس إلى السامرة لاستدعاء الروح
القدس على المسيحيين المستنيرين حديثاً. وبعد رجوعه من
هذه المهمة إلى أورشليم لم يفارق أبدا أم الرب الكلية
القداسة حتى نهاية حياتها المغبوطة.
وفي التقاليد المسيحية حفظت ذكرى لحوادث كثيرة وقعت في
تالي حياة والدة الإله. فقد تمت في حياتها نبؤتها في
ترنيمة تعظيمها الموحى بها من الله: (فها من ألان
تبارك لي جميع الأجيال ) ( لو 48:2 ). وذاع مجد الرب
يسوع بيم الأقوام كلهم ودوى اسم أمه الفائقة النقاء
فغبطها الأجيال كلهم أجمعون .
فكان يؤمُّ أورشليم من البلدان النائية مسيحيون
مستنيرون حديثاً ليشاهدوا أم الرب ويسمعوا أقوالها.
وقد حفظت شهادات تاريخية كثيرة عن والدة الإله في
مؤلفات معاصري حياتها على الأرض...منها ما كتبه من
إنطاكية القديس اغناطيوس حامل الإله إلى يوحنا
اللاهوتي وهو: ( إن كثيراً من النساء عندنا يرمن إن
يزرن أم يسوع ليشاهدنها. فقد ذاع عنها عندنا مجد. ألا
وهو أنها أم الإله الحقيقة المستمرة عذراء وإنها
مملوءة نعمة وكل فضيلة وإنها تثير في جميع الناس
التعجب منها والمحبة لها حتى إن الجميع يتلهبون رغبة
في رؤيتها ويُروى أنها تظل بشوشة في الاضطهادات
والملمات ولا تحزن في الفقر والعوز ولا تحنق على
مهينيها بل تحسن إليهم. وإنها لطيفة في الرغد وتحن على
المساكين وتساعدهم على ما في طاقتها وإنها فضلاً عن
ذلك تقف بكل تيقظ على حراسة الايمان وتستبين نعمة
حكيمة للتقوى. وقد اخبرنا اناس ثقة بان الطبيعة
البشرية فيها اتحدت على ما يظهر بالملائكية. وهذا كله
قد أثار فينا الرغبة الشديدة في أن نرى هذه الأعجوبة
السماوية المدهشة والمجيدة جداً).
وفي رسالة أخرى منه إلى يوحنا اللاهوتي قال: " إذا كان
في إمكاني فاني أجيء إليك لألتقي بالقديسين الأمناء
وأشاهد على الأخص أم يسوع التي يقال عنها أنها تبعث في
الجميع الدهش لها والمحبة والإكرام فيرغبون في رؤيتها.
ومن لا يرغب في مشاهدة العذراء الفائقة النقاء ؟ بل من
لا يتمنى إن يحادث التي ولدت الإله الحقيقي
إن سمو قداسة العذراء مريم وعظمتها أضاء محترقاً حجاب
اتضاعها. فالعلامة الاثينائي الشهير الذي هداه بولس
الرسول إلى الدين المسيحي ديونيسيوس الاريوباغي زار
مريم الدائمة البتولية في أورشليم ووصف للرسول القديس
بولس ذلك التأثير الذي أثاره فيه خطابه معها قائلاً:: اعترف أمام الله انه كان يظهر لي مستحيل التصديق أن
يكون احد غير الله وحده طافحاً بالقدرة الإلهية
والنعمة العجيبة. فلا أحد من الناس يقدر إن يعلم ما قد
رأيت وأدركت ليس بالعينين الروحيتين فقط بل بالجسديتين
أيضا. إنني عاينت بعينيّ أم يسوع ربنا ذات الصورة
الإلهية والأقدس من جميع الأرواح السماوية... إنني
أشهد بالله الذي عاش في جوف العذراء الفائق الطهر باني
لو لم أحفظ في ذاكرتي وعقلي المستنير حديثاً تعليمك
الإلهي لاعتبرت العذراء الإله الحقيقي وقدمت لها
السجود اللائق بالله الحقيقي وحده. لان العقل البشري
لا يستطيع إن يتصور شرفاً ومجداً للإنسان الممجد بالله
أسمى من تلك الغبطة التي استحققت أنا الغير المستحق أن
أتذوقها. فاشكر الهي وأشكر العذراء الإلهية وأشكر
الرسول يوحنا الفائق اللطف وأشكرك أنت الذي أبديت لي
عن تعطف هذا المقدار العظيم من الإحسان.
وبعد مرور أربع وأربعين سنة من ميلاد المسيح اندفع
هيرودس اغريبا يطارد المسيحيين وقطع رأس يعقوب الرسول
واعتقل بطرس في السجن ونوى قتله. فرأى الرسل القديسون
بموافقة والدة الإله الفائقة القداسة أن الابتعاد عن
أورشليم أولى وعزموا على الإقلاع لتعيين الجهات وتخصيص
كل منها بمن أصابته قرعتها منهم لتكون مجال تعليمه
الإنجيل فيها. وأرادت مريم الفائقة القداسة إن تشترك
في هذه القرعة فأصابتها جهة ايفيرية (ألان جورجيا جنوب
روسيا) نصيباً لها فتهيأت لزيارتها إلا إن ملاك الرب
أعلن لها بوجوب بقائها في أورشليم وبأنه قد سبق تعيين
جهة أخرى مجالاً لجهادها في التعليم والتهذيب وهو ما
ستسمع هي في وقته مشيئة الله فيه فقال: " لا تغادري
أورشليم فان البلاد التي أصابتك قرعتها ستستنير في
المستقبل. أما أنت فقد عُين لك إن تتعبي في هداية بلاد
أخرى في اقرب الأوقات والله نفسه هو الذي يسيرك
إليها".
إن إقامة والدة الإله الفائقة القداسة في أورشليم كانت
في الحقيقة أعظم تعزية لها. لان جميع الأماكن التي
تقدست بحضور ابنها وإلهها وبتعليمه وآلامه وموته كانت
تخاطب نفسها عن أشياء كثيرة إذ كانت تقيم غالباً عند
قبره المحيي فيطفح قلبها بتعزية لا توصف لأنه دفن
هنالك كالإنسان وانبعث من الموتى كالإله الكلي القدرة
محطماً الموت بموته.
وجاء في التسليم إن بعض شانئي المسيحيين من اليهود
وشوا لرؤساء الكهنة بان مريم أم يسوع تزور الجلجلة كل
يوم وتركع أمام قبره وتبكي وتحرق البخور. فبسبب هذه
الوشاية بُلغ الحراس إن يترصدوا مريم بانتباه ويقتلوها
في الحال. ولكن قدرة الله حفظت والدة الإله لأنها
تابعت زيارتها اليومية للقبر ولم يوفق الحراس إلى
رؤيتها. وبعد زمان طويل بلغوا الرئاسات بقسم أنهم لم
يروا أحدا قط. إن العذراء الفائقة النقاء لم تعرف
الوجل أمام الأعادي المحاولين قتلها. فكانت أفعالها
كلها بشجاعة دائماً. وبعدم اختبائها عن الناس كانت
تعمل لمجد الله بلا خوف. ف
قد رفعت الصلوات إلى الرب من اجل الرسل المعتقلين في
السجن. فسمع الرب صلاتها وأرسل ملكه فحرر المعتقلين
(اع 5: 18-19 و12 :6-11). وقد تبعت أول الشهداء
استفانوس لما قيد إلى الموت وابتهلت إلى الله بحرارة
ليشدد بالصبر المعذب الشجاع (اع 58:7 ) ويقبله في
ملكوته! إن هيأه الشفيعة الحارة على الأرض كانت عزاءً
وتهذيباً.
وفي زمن أشد الاضطهادات على المسيحيين ابتعدت والدة
الإله الكلية القداسة بعد قتل الرسول يعقوب إلى افسس
إلى الجهة المعينة بالاقتراع ليوحنا اللاهوتي مجالاً
لتعليم الإنجيل على ما جاء في رسالة المجمع المسكوني
الثالث إلى اكليروس القسطنطينية وهو: " إن نسطوريوس
مختلق البدعة الرديئة قد استدعى به الآباء القديسون
ليحاكموه في افسس حيث أقامت والدة الإله ويوحنا
اللاهوتي ). وقد جاءت العذراء مريم أيضا إلى انطاكيه
لتواجه اغناطيوس حامل الإله لأنها كانت قد كتبت إليه:
" سأجيء مع يوحنا وأشاهدك إياك وخاصتك" وفي التقاليد
تفصيل لسفر والدة الإله ويوحنا إلى قبرص لتشاهد لعازر
الرباعي الأيام صديق الرب الذي صيره برنابا أسقفا لهذه
الجزيرة. إن لعازر كان يحزن كثيراً لحرمانه من زمن
طويل سعادة مشاهدته للعذراء أم سيده إذ لم يكن يجسر إن
يجيء إلى أورشليم لمعرفته شر اليهود الذين كانوا
يهددونه بالقتل. فكتب إليها يدعوها إلى زيارته فإجابته
معلنة موافقتها على زيارته وسائلة إياه إن يوجه إليها
سفينة. فلم يبطئ لعازر المنتعش فرحاً إن وجهها إليها
فأقلعت العذراء ويوحنا اللاهوتي وغيره من المبحرين إلى
جزيرة قبرص. ولما لم تبق إلا مسافة قليلة بينهم وبينها
عصفت فجأة ريح معاكسة هوجاء حملت السفينة غير مبالية
بالسكان إلى جهة أخرى من دون إن يميد بها البحر.
وبينما هي مقلعة بسرعة بين جزر الأرخبيل إذا بها ترسو
فجأة عند شواطئ جبل أثوس غير مصابة بضرر ألبتة.
إن العذراء الفائقة القداسة خرجت إلى الشاطئ المجهول
وتأملت في الحادث العجيب مشيئة الله التي دلتها على
قرعتها حسب نبوءة الملك. إن اليونانيين كانوا يعدّون
جبل أثوس وقتئذ قدساً خاصاً. فكان يضيق عن معابد
الأوثان التي كان في مقدمتها معبد أبولون. وكان
اليونانيين يذهبون إلى هناك بكثرة ليسجدوا للإله
ويلتمسوا أجوبتها عن حظوظهم.
وما إن اقتربت السفينة إلى شواطئ أثوس حتى صلقت
الأرواح الشريرة المتوطنة في الأوثان مطيعة للقدرة
العليا: ( يا أيها الناس الذين استغواهم أبولون أسرعوا
في الخروج من الجبل واذهبوا إلى مرفأ كليمنتوس لتلاقوا
مريم أم يسوع الإله العظيم وتستقبلوها ). فتراكض
الوثنيون إلى المرسى من كل جهة ولدى مشاهدتهم العذراء
ذات البهاء الإلهي سجدوا لها بورع. وشرعوا يسألون: أي
اله ولدت؟ وأين هو؟ وماذا يسمى؟ فكشفت لهم والدة الإله
الفائقة القداسة عن قوة تعليم الإنجيل وكانت في كلامها
قدرة منعمة عظيمة. فمجد الوثنيون الله في الحال ورغبوا
في قبول المعمودية المقدسة بلا إمهال. وعينت العذراء
واحداً من الآتين معها على السفينة معلماً ورئيساً
لهؤلاء المستنيرين حديثاً وفعلت أعاجيب عديدة تقوية
لإيمانهم. ولما منحتهم بركة الوداع الأخير قالت:
(فليكن هذا المكان نصيبي الذي اعطانيه ابني والهي.
ولتحل نعمة الله على هذا المكان وعلى العائشين ههنا
بإيمان وورع والحافظين وصايا ابني والهي. فإنهم
سينالون كل ما هو ضروري لحياتهم على الأرض بغزارة وتعب
قليل وستعدّ لهم الحياة السماوية ولا تقل عليهم رحمة
ابني مدى الدهر. واني سأكون المحامية عن هذا المكان
والشفيعة الحارة له قدام الله ). وبعد هذا أقلعت والدة
الإله الفائقة النقاء مع تلاميذها إلى قبرص.
ولما مضى وقت طويل على لعازر ولم يأخذ خبراً عن والدة
الإله ابتأس جداً وقلق من وقوع جائحة في البحر. إلا إن
حزنه تحول بسرعة فرحاً عظيماً إذ شاهد أخيرا الزائرة
المنعم عليها وأهدته بطرشيلاً وكمّين من عمل يديها
النقيتين. وبعد إن عزّت لعازر وكنيسة قبرص وباركت على
مؤمنيها عادت إلى أورشليم. وفي ذلك الوقت أي بعد ثلاث
عشرة سنة من صعود الرب زار ديونيسيوس الاريوباغي
العذراء الفائقة البركات رغبة منه في نيل بركتها
وإرشاداتها. فتعزى بها تعزية روحية عظيمة وكتب إلى
الرسول هاديه ما اثبت آنفاً. إن العذراء الفائقة
القداسة كانت تقبل الجميع وتعزي الجميع وتبرئ المرضى
وتصلح الخاطئين وتولى المبتئسين الرجاء. وزبدة القول: إن التي أفرحها الله أفرحت الناس كلهم أجمعين.
إن القديس امبروسيوس يصف شخص العذراء في حياتها على
الأرض هكذا: (أنها لم تكن عذراء بالجسد فقط بل بالروح
أيضا. وكانت متواضعة في القلب وحكيمة بالله في الكلام
ومتأنية في المحادثات وكانت مشتعلة دائماً بالقراءة
ونشيطة في الأتعاب وعفيفة في المخاطبة كأني بها كانت
تخاطب الله دائماً لا الناس. ولم تكن تهين أحدا. بل
العكس كانت تتمنى الخير للجميع. وما كانت تزدري أحداً
ولا تضحك من احد. ولم يكن يخرج من فمها إلا كلام
النعمة. إما في الأعمال فالحشمة والبكارة كانتا
تشاهدان جلياً في تصرفاتها ). وزاد ابيفانيوس ونيكيفوروس عليه ما يلي: ( كانت في جميع أعمالها صالحة الضمير ثابتة وتتكلم قليلاً جداً عن الواجب وعن الخير وكانت محادثتها عذبة. وكانت تستمع بانتباه للجميع وتعطي كل واحد الإكرام الواجب وكان سلوكها لطيفاً وبلا استهزاء ولا سخط. وقامتها متوسطة ولون وجهها لون حبة الحنطة وشعرها ذهبياً ونظرها حاداً وحاجباها مائلين قائمين وانفها غير قصير ولون فمها كلون الورد وكلامها عذباً ووجهها مائلاً إلى الطول كيديها وأصابعها وثيابها بسيطة غير مزينة كما يدل غطاء رأسها المحفوظ حتى ألان. وفي ذاتها كلها كانت تسطع بنوع الهي النعمة الغزيرة الفائضة ). |
||