|
||||||||
|
||||||||
|
ملاحظة: هذه الترجمة من أعمال الكنيسة القبطية |
||||||||
|
رحلة إلى مكان أفضل وحياة أرقى الذي يمتلك حقيقةً تفكيرًا حكيمًا، ويوجه دفة حياته على رجاء الخيرات العتيدة، فإنه عندما يرى أمامه شخصًا مائتًا، فهو لن يعتبر الموت أنه موت حقًا (أي نهاية كل شيء)، ولن يحزن على مَنْ يموتون في ظروفٍ مشابهة؛ لأنه يفكر في الأكاليل التي يمنحها الله. وإذا كان الزارع لا يأسف ولا يتجهم إذا ما رأى القمح منتشرًا في حقله، هكذا أيضًا البار الذي ينجح في تحقيق مفاخر الفضيلة ويحيا يوميًا متطلعًا باشتياق إلى ملكوت الله، لن يُصَب بالضيق مثل معظم البشر إذا ما أتاه الموت، ولن ينزعج أو يضطرب لأنه يعرف أن الموت بالنسبة لأولئك الذين عاشوا حياة الفضيلة هو انتقالٌ ورحلة إلى مكان أفضل وحياة أرقى، وطريقٌ يقود إلى الأكاليل التي يمنحها الله. القديس يوحنا ذهبي الفم
مقدمة الناشر: والمجد والتسبيح والسجود للثالوث القدوس الواحد فى الجوهر، الآب والابن والروح القدس الآن وإلى الأبد . آمين.
إنَّ حادثة الموت ـ بحد ذاتها ـ تسبب اضطراباً للإنسان كما أنها تعرّفه ـ أكثر من أي شئ آخر ـ كم هو تافهٌ وضعيف. لأجل هذا السبب تُبنى القبور أمام المدن، وأمام الحقول. توجد القبور دائماً أمام أعيننا من أجل تذكيرنا بضعفنا البشري باستمرار. فعندما يزور شخصٌ مدينةً فخمةً تفتخر بغناها وقادتها وبملكٍ يجلس على عرشه، فإنه يري ما يوجد حقيقةً (أي القبور التي تشير إلى حقيقة الموت) قبل أن يرى ما كان يتوقعه وينتظره، وبهذه الطريقة، إذ نتعلم أولاً إلى أي شئ ننتهي، عندئذِ نستطيع أن نرى الغنى الفائق. وليس هذا فقط، فعندما يريد رجل أن يتخذ امرأةً زوجةٍ له، فإنه يخضع للقانون، فيلتزم بالمهر، ولكن قبل أن تتحقق وحدة الزوجين، بل قبل أن يرى الرجلُ المرأةَ التي سوف يتخذها زوجة له، يأتي ذكر الموت فيشتمل عقد الاتفاق على ترتيبات ما بعد الموت: ما الذي يحدث لو مات الزوج قبل الزوجة؟ ماذا لو ماتت المرأة قبل الرجل؟ ولا يقتصر الأمر على أولئك الذين يعيشون ثم يدركهم الموت، بل يتعداهم إلى الذين لم يُولدوا بعد، فيجب أن يُذكر في العقد ما الذي يترتب على موت الولد الذي سوف يولد. وهكذا نرى أن قرار الموت قد صدر قبل أن يتم الزواج وقبل ظهور ثمرته ولا شك أنه أمر حسن أن نثبت تعهداتنا بشأن المهر وكافة الترتيبات الأُخرى المتعلقة بالزواج أمام مكاتب العقود، إلاَّ أنه بالرغم من أن كل واحد فينا يعرف وهن الطبيعة البشرية، فإنه ينسى ذلك الذي كتبه والتزم به إذا ما عانى شيئاً مما يعانيه البشر أو لو ماتت المرأة، عندئذ ـ وفي وسط الكارثة ـ يتفوه بغير ما تعهد به، فيقول: هل لابد أن أُعاني مثل هذه الأمور؟ هل هذا هو ما انتظرته، أن يحدث لي ما حدث وأفقد زوجتي؟ ماذا تقول أيها الإنسان؟ عندما كنت بعيداً عن هذه الأحداث عرفت جيداً قوانين الطبيعة، أفعندما تُبتلى بمصيبةٍ تنسى؟ إذن عندما ترى واحداً من أهلك يرحل عن هذا العالم، لا تستسلم للضيق، بل اهتم بنفسك وامتحن ضميرك، فكِّر أنه بعد قليل تنتظرك نفس النهاية. لكن سيقول لي شخصٌ: إن من يموت سيفسد وسيصير تراباً ورماداً. نعم هذا هو ما يحدث بالضبط، لهذا ينبغي أن نفرح بالأكثر؛ لأنه عندما يشرع شخصٌ ما في إعادة بناء منزل قد تداعى وأصبح على وشك الانهيار، فمادام قد أخرج خارجاً سكان هذا المنزل أولاً، عندئذٍ يقدر أن ينقضه ويبنيه بناء أكثر جمالاً. وهذا الأمر لا يسبب أي حزنٍ لأولئك الذين يخرجون خارج البيت، بل بالحري يسعدهم؛ لأنهم لا يعطون أهميةً لما يشاهدونه بأعينهم من هدمٍ، بل للبناء الذي سوف يقوم، وإن لم يروه بعد. نفس الأمر يفعله الله، عندما ينوي أن يُحلَّل جسدنا، يُخرِج مسبقاً النفس التي تسكن هذا الجسد، ومن ثم يقيمها مرةً أُخرى فيه بمجدٍ عظيم بعد أن يعيد بناء هذا البيت ثانيةً. ولأن الله عندما خلق آدم، خلق النفس والجسد معاً، فإن آدم لم يرَ أن الجسد قد خُلِقَ من تراب، بمعنى أن الله لم يخلق النفس قبل الجسد حتى لا ترى النفسُ خلقة الجسد، لذلك فإن النفس لا تعرف مدى تفاهة وضعف الجسد، لكن عندما يقوم الجسد في القيامة العامة، عندئذٍ تعرف النفس أنها قامت إذ تكون قد سبقت فلبست ملبسها الأرضي. لأنه بالرغم من أن المائت لا يرى ذاته، إلاّ أنه سبق له عندما كان حياً أن رأى من مات، وعرف إن ذاك الذي مات تغيَّر إلى تراب، فإنه يرى هذه الأمور ويتعلم الكثير. ألم يتصادف أن رأيت أُناساً يبدون منتفخين وأنانيين، وبالرغم من ذلك تجدهم أمام رؤية الموت جبناء؟ إن قلوبهم ترتعب خوفاً من مجرد ذكر كلمة الموت. ونحن أيضاً عندما نقف أمام القبور فإننا نتأمل آسفين، وكأننا صرنا حكماء ـ إلاَّ أننا ننسى ما في طبيعتنا من ضعف ووهن بمجرد مغادرة تلك الأماكن. وعندما نتواجد أمام القبور، يقول كل واحد منا لقريبه (تقريباً الآتي): بالحق كم نحن مساكين! كم هي تافهةٌ حياتنا! إلاَّ أنه وعلى الرغم من هذا، وبدلاً من أن نفكر فيما سيؤول إليه مصيرنا بعد الموت، نعيش حياتنا في غضب وسرقة وعدم الصفح للآخرين، وكل واحد منا يكتفي بالتفلسف أمام حقيقة الموت كما لو كان في تلك اللحظة يستنكر تماماً ما حدث من شر بسبب خطايانا، وفي نفس الوقت نجده يحارب الله بأعماله.
موقفنا من
موت أحبائنا: ألا ترى أن أجسادنا تخدمها الأيدي، وإن الفم يمضغ الطعام والمعدة تقبله؟ أفهل يحق للمعدة أن تحتفظ بالطعام لنفسها طالما هي تقبله؟ أَوَ يحق للعين ـ إذ تقبل النور ـ أن تحتفظ به لذاتها فلا تنير كل الجسد؟ هل يحق للأرجل ـ إذ هي فقط التي تمشي ـ أن تنتقل بمفردها من مكان إلى آخر دون باقي الجسد؟ إن أولئك الذين يمارسون مهنةً معينةً لو لم يقدم كل منهم الفائدة الناتجة من مهنته إلى الآخرين، فإن الضرر الناتج عن ذلك لن يقتصر على الآخرين، بل يشملهم هم أيضاً. ولو كان الفقراء على درجة عالية من الشر، فإذ تغلقون أحشائكم عنهم وتنكبون على الشراهة والغنى غير مفتكرين في أي أحد آخر، فإنكم سرعان ما تتحولون إلى فقراء.
ألم الوالدين
بسبب موت ابنهم، وما الذي نتعلمه من قصة إبراهيم وإسحق:
إن موقف ابرام
هو مثال عظيم للوالدين اللذين
يفقدان
ابنهما
الوحيد: آه كم هي مغبوطة يد إبراهيم، يا لشرف السكين الذي أمسكته هذه اليد! إنها سكينٌ تستحق كل إعجاب! لأي استخدامٍ جُعلت؟ أيةُ خدمةٍ قدَّمت؟ ولأي نموذجٍ أو مثالٍ رمزت ودلَّت؟ كيف صُبغت في الدم دون أن تُصبَغ؟ لماذا؟ لا أعرف ما أقوله. لقد كان هذا السر مرعباً جداً: لم تقترب السكين من عنق الولد، ولا طعنت رقبته، ولم تصِر حمراءَ مصبوغةً بدم إسحق البار، لا بل بالحري اقتربت إلى عنقه، وثقبت رقبته، واحمرَّت، وصُبِغت في الدم ولم تُصبَغ. ربما يبدو لكم أنني أهذي قائلاً أموراً متناقضةً. لا أنا لا أقول كلاماً متناقضاً، لكني ـ بالتأكيد ـ مترعُ بالدهشةِ إذ أننى أتأمل في عظمة إبراهيم البار؛ لأن يد ذلك الإنسان البار غرزت السكين في رقبة الولد، لكن يد الله لم تتركها تتلوَّث بدمه؛ لأن السكين لم تكن فقط في يد إبراهيم، بل في يد الله أيضاً، ولأن إبراهيم غرس السكين بالنية، أمَّا الله فأعاقها بصوته. لكن لاحظ أمراً آخراً: قال الله قدِّم ابنك ذبيحةً، وللتو تسلح ابراهيم بسكين الذبيحة. بعد ذلك قال الله له لا تُقدَّم ابنك ذبيحةً، فللحال ترك إبراهيم السلاح. لأنه فضَّل أن يبدو عبداً معترفاً بالجميل عن أن يُدعَى أباً بواسطة ولده، ولأنه قَبِل أن يُحرم ممن ينتمي إليه لأجل الله، لذلك منحه الله ما هو إلهيٌ إلى جوار ما هو له، وأوقف تنفيذ أمره عندما أظهر إبراهيم طاعةً واستعداداً لإنجازه. وليس هناك ما يدعو أن تقول لي: إنه فقط بنى المذبح، ووضع الحطب فوقه، ولكنه عندما سَمِعَ صوت ولده يسأله: أبي أين الخروف للمحرقة؟ طغته أمواج الأفكار من كل جهة وزعزعت فكره ومزقت قلبه كأنها سهام نارية. أقول إنه ليس هناك ما يدعو أن تقول لي ذلك؛ لأنه بالرغم من أن كثيرين ـ حتى من هؤلاء الذين لم يصيروا آباء بعد ـ يتأثرون من هذا الموقف، لكن دعونا نرى هل تسببت مثل هذه الأفكار في معاناة لإبراهيم: صحيحٌ أنه ولد إسحق ورباه، وكان إسحق تعزيةً له في شيخوخته، كما أنه وحيده الذي له في العالم، الذي يسمعه ويراه، والآن ينوي أن يذبحه! ولكني أؤكد أن أياً من هذه الأفكار لم تُخِف ذلك الذي يشبه الماس في معدنه، ولا زعزعته، فلم يقل لابنه: لا تَدْعُني أباً لأني بعد قليل لن أكون أبيك، لكن ماذا قال؟ " الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني" (تك22: 8). ولعلنا نلاحظ أن كلاً منهما يخاطب الآخر بالألفاظ التي تدل على القرابة الطبيعية: إسحق يدعو إبراهيم أباً، وإبراهيم يدعو إسحق ابناً. حربُ أفكارٍ رهيبة، وريحٌ عاتية تهب من الجانبين، ولكن لا غرق! لأنه عندما سَمِع إسحق أن الله سوف يتكفل بهذا الأمر، لم يقل شيئاً، ولا فحص عن الأمر بالتفصيل، كم كان ابناً مطيعاً مؤدباً وهو في ريعان الشباب! ألم يباغتكم غليان الدماء في رؤوسكم؟ ألم يعانق كل منكم ـ في فكره ـ اسحق الشاب؟ ألم يُثِركم تفهمه للموقف، فتحترمون تقواه؟ لماذا لم يُصَب بالذهول عندما قُيِّد ووُضِع فوق الحطب؟ ولمَ لم يشرع في الهروب، أو يتهم أباه بالجنون؟ لقد قَبِل أن يقيد ويوضع على المذبح، بل وتحمَّل كل شيء دون أن يتفوه بكلمة، كما لو كان حملاً وديعاً، أو بالحرى مثل رب الكل تشبَّه بصلاحه، إذ رمز بذلك إليه كذبيح، لأن ربنا " ظُلِم أمَّا هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاةٍ تُساق إلى الذبح وكنعجةٍ صامتةٍ أمام جازيها، فلم يفتح فاه" (إش53: 7). إذن لا يسألني أحدكم كيف لم يعاني إبراهيم ولم يتألم مثلما يتألم الآباء الطبيعيون، وفي نفس الوقت لا يحاول أحدكم البرهنة على أن إبراهيم لم يكن يبالي حتى يسلبه حقه في مديح يستحقه. لأننا عندما يتصادف أن نرى ـ في السوق ـ أُناساً منَّا كانوا غارقين في الاستمتاع بملذات الحياة الحاضرة، يساقون لتنفيذ حكم الإعدام جزاءً وفاقاً على أعمالهم السيئة، فإننا نتألم لأجلهم متضايقين، رغم أنهم غير معروفين لدينا ولم نرهم من قبل، بل ونبكي بحرقةٍ شفقةً عليهم. إذا كان الأمر كذلك، فكم وكم ما يجول بخاطر مَن أُمِر أن يذبح ابنه ويُصعده محرقةً كذبيح مُقدَّس فوق نار المذبح؟ ابنه المنحدر من صلبه، ابنه الوحيد الذي وُلِد بعد مرور سنين كثيرة وكان عزيز المنال، ابنه الذي كان في ريعان شبابه في الوقت الذي كان فيه أبيه شيخاً طاعناً في السن! لو كان إبراهيم قد قُدَ من حجرٍ، أو كان من الحديد، أو حتى من الماس، ألم يكن يتأثر بضياع زهرة شباب ابنه، ألا يؤثر فيه كلامه المتعقل، أو تقوى نفسه؟ لقد سمع إسحق أبيه يقول "إن الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني"، ولكنه لم يسأل عن شيء آخر. رأى أبيه يقيده، فلم تصدر عنه ردةُ فعلٍ. وُضِع فوق الحطب، فلم يحاول القفز أو الهرب. رأى السكين جاهزاً لذبحه، فلم يرتعب. أي نفسٍ تستطيع أن تكون أكثر تقوى من نفس إسحق؟ مَن سيجرؤ بعد ذلك على القول بأن إبراهيم ـ بعد كل ذلك ـ لم يعانى أي اضطراب؟ لو فُرِض أن عدواً كان ينوي أن يذبحه، أو لو وحشاً افترسه، ألم تكن تتألم نفسه؟ بالطبع هذا غير ممكن، لا يمكن أن تصير الأمور هكذا. لذلك أتوسل إليك أيها الإنسان، إذا فقدت ابناً لك أو ابنةً، ألا تبكي بإفراطٍ، أو ترشم نفسك بإشارة الصليب باستهتار، لكن تأمَّل في أن إبراهيم ذبح ابنه دون أن يُسِل دمعةً ولا تفوه بكلمةٍ مُرة. وأيوب أيضاً تألم بالتأكيد، بقدر ما هو طبيعيٌ أن يتألم أبٌ يحب أولاده، لكن ما نفعله نحن ـ في مثل هذه المواقف ـ يتناسب فقط مع ما يفعله الأعداء. فلو بكيت وانتحبت على شخصٍ دُعي إلى البلاط الملكي لكي يكرَّم من الملك، فلن يقول الناس أنك صديقٌ لهذا الشخص، بل عدوٌ.
الصلاة والإحسان من أجل نفوس الآخرين، فلتحزن على هؤلاء الذين
يموتون غير تائبين:
لماذا نخاف الموت؟
وبهذه المناسبة اسمحوا لي يا إخوتي أن أعطي لكم بعض النصائح: لا يكن تفكيركم مثل الأطفال، لكن كونوا أطفالاً في الشر، لأنهم لا يخافون النار المشتعلة، بقدر ما يخافون من الخيالات، فهم يخافون الأقنعة، لكن إذا أجلسهم أحد بجوار المصباح فسرعان ما يحاولون إمساك اللهب. أتريد أن أقول لك سبباً آخر يجعلنا نخاف الموت؟ نحن لا نعيش حياةً فاضلةً، وليس لدينا ضمير طاهر، فلو كنا نعيش حياةً فاضلةً، ولدينا ضمير نقي، فليس من سبب يجعلنا نخاف الموت. قد تقول: برهن لي على أنني سوف أرث ملكوت السموات، ومن ثم اذبحني لو أردت، عندئذٍ سوف أكون لك مديوناً، إذ ترسلني إلى تلك الخيرات سريعاً. ولكني أخاف أن أموت ظلماً، أي بلا فائدة! ما هذا الذي تقوله؟ أخبرني، أتخاف أن تموت ظلماً، ولذلك تريد أن تموت لأجل الحق؟! كيف لمن هو ضائعٌ ومعذب بهذا القدر أن يعتقد أنه يموت ظلماً، وليس للحق؟ إذا كان ينبغي أن تخاف الموت، فكان يجب عليك أن تخاف الله، ذاك الذي يأتي بالحق. إن من يموت ظلماً هو من تشبَّه بالقديسين؛ لأن أكثر الذين أرضوا الرب خضعوا للموت ظلماً. والأول هابيل الذي لم يُذبح بسبب وقوعه في خطأ تجاه أخيه قايين، أو أنه أحزنه، لكن لأنه قد كرَّم الله. وإذا كان الله قد سمح بهذا، فهل لأنه كان يحب هابيل أم لأنه كان يكرهه؟ من الواضح جداً أنه فعل هذا لأنه كان يحبه وأراد أن يصنع له تاجاً أكثر بهاءً بسبب هذا الذبح الظالم. أرأيت أنه لا ينبغي أن تخاف الموت ظلماً، بل خَف أن تموت مثقلاً بخطايا كثيرة. وبينما مات هابيل ظلماً، عاش قايين هائماً مرعوباً. مَن مِن الاثنين كان مغبوطاً، أخبرني؟ أذاك الذي كسب البر إذ توقفت حياته، أم ذاك الذي ما يزال عائشاً في الخطية؟ أذاك الذي مات ظلماً، أم من يعيش مرتعباً عن حق؟ وأية جريمة هي أسوء من القتل، أخبرني؟ لكن ليس كل قتل يُعتَبر جريمة، لأن الفاعل قد يكون لديه مبررات قوية، كيف ذلك؟ إسمعني: المديانيون[4] أرادوا أن يجعلوا الله عدواً لليهود، لأنهم إذ يحرمونهم من معونة الرب، يُحيون الأمل في الانتصار عليهم، فزينوا بعض الفتيات أخرجوهن أمام جيش اليهود، وبهذه الطريقة أغروهم وجذبوهم إلى الزنا، فعندما رأى فينحاس ذلك استل سيفه وقتل اثنان من اليهود أثناء اللحظة التي كانا يفعلان فيها الخطية، ليس لأنه يكره القتيلين لكن لكي ينقذ الباقين. لا شك أن هذا العمل يُعتبر قتلاً، لكن النتيجة أنه صار سبب خلاص أولئك الذين وُجدوا في خطر الانزلاق في الخطية. لقد قتل اثنين، ولكنه أنقذ آلافاً كثيرة. فمثل الأطباء الذين إذ يبترون العضو الفاسد ينقذون كل الجسد، هكذا فعل فينحاس، لذلك فعمله يعتبر مبرراً. دعونا لا نبكِ – إذن – بغير تمييز على من يموتون، لكن على أولئك الذين يموتون مثقلين بخطاياهم الكثيرة. هؤلاء هم المستحقون للنحيب والحزن. لأن أي رجاء يوجد لمن يرحلون مثقلين بخطاياهم الكثيرة، بينما التطهر من الخطايا هناك مستحيلٌ. لن أعيقكم إذ تبكون على من يرحلون عن هذا العالم وهم ينوؤون تحت وطأة خطاياهم، لكن ليكن بكائنا بطريقةٍ لائقة، لا شاذة، أي ليس بأن نرخي شعورنا ونمزق ملابسنا، ونغير هيئة وجوهنا، لكن فلنترك دموعنا تنساب بهدوء من عمق نفوسنا، هذا يفيدنا نحن؛ لأن من يحزن بهذه الطريقة على من مات، سيحاول ألا يسقط هو في ذات الخطايا. عندما ترى شخصاً ميتاً يُحمل إلى مسكنه الأخير، يتبعه أولاده الأيتام وأرملته وهم حزانى، ويبكيه عبيده وأصدقاؤه، فكِّر كيف أن أمور هذا العالم الحاضر لا قيمة لها وأنها لا تختلف في شيء عن الظلال والأوهام والأحلام. أُنظر المباني العظيمة والمشهورة التي صارت أنقاضاً بعد أن انهارت، لذلك يقول الكتاب" كثير من الطغاة جلسوا على التراب والخامل الذكر لبس التاج" (حكمة بن سيراخ11: 5) ألا يكفيك كل هذا؟ تفكر إذن ـ قبل الموت ـ عندما تنام أية قيمة لك. ربما تفتك بك حشرة ضعيفة جداً، كم من مرةٍ حدث لكثيرين أن سقط أحدهم من سقف الحجرة فخُلعت عينه أو تسببت في شرٍ أعظم.
إنَّ
الموت يكشف عبث الأمور البشرية: وما الحاجة إلى كل تلك النفقات الكبيرة التي تُنفَق على الجنازة، وبينما يتسبب ذلك في ضرر مادي كبير للمشيعين، فإن الميت لا يربح شيئاً. عندما تسمع أن المسيح قام من الموت عرياناً، كف عن محبة المظاهر ولا تتعلل بالموت. وعندما تسمع قول المسيح: "رأيتموني جوعاناً فأطعمتموني، وعطشاناً فسقيتموني، وعرياناً فكسوتموني"، أضِف "وميتاً فدفنتموني"؛ لأنه إذا كان قد أخبرنا – ونحن أحياء – ألاَّ يكون لدينا أكثر من ثوب، فكم بالحري عندما نموت. وأي مبررٍ نعطي إذا كنا نُزيَّن الجسد الذي يتحلل ويصبح مأكلاً للسوس، بينما نحتقر المسيح جائعاً وعطشاناً، أو عندما يتجول عارياً وكغريب؟ وإذا كنا نُقدَّم رموز التفاخر والغنى للميت، فنغطيه بالملابس الفاخرة، وتُشيَّع جنازته في مشهدٍ مهيب، والأغنياء والفقراء يمدحونه، فاعلم أن هذا المشهد سرعان ما يختفي، وكأنه يشبه وردة تذبل، يظهر ذلك عندما نمر على عتبات أبواب المدينة راجعين عقب تسليمنا الجسد إلى السوس. وإلاَّ فدعني أسألك: أين ذهب هذا الجمع كله؟ ما الذي أسكت أصوات النحيب والضجة؟ أين المصابيح، وأين فرق النساء اللاتي كن يندبنَ؟ أَوَ هل كان ذلك حلماً؟ أين الضجيج، أين تلك الأصوات التي كانت تنادي وتحثنا على ألاَّ نفقد شجاعتنا لأنه ليس أحد خالداً؟ لماذا تخاطب تلك الأفواه الآن من لا يسمع؟ كان واجباً أن تحثه على أن يكون لديه قناعة عندما خطف وطمع، وأن تنبهه إلى أنه ليس أحدٌ خالداً. ألا تعتقد أنك تتضايق لو أن أحداً يبني بيوتاً لحسابك وأنت لن تسكن فيها؟ فلماذا إذن تريد أن تغتني في هذا العالم الذي قد تخرج منه قبل أن يحل الليل؟ اضبط إذن هوسك، سكِّن شهوتك العنيفة، ولا تكتفي بأن تقول لمن ظُلِم: لا تفقد شجاعتك. وبالرغم من أن هذا الكلام غير مفيد لمن خرج من إستاد مسابقات الحياة الحاضرة، فعلى الأقل دعونا نُسمِع أولئك الذين يصاحبونه إلى القبر ولهم نفس الأخطاء، لأنهم لا يفكرون في شيء من مثل هذا إذ أنهم سكارى من شهوة الغنى، ولكن في ساعة الجنازة هذه، تؤكد مواجهة الموت صحة ما قلته. دعونا نتعفف، دعونا نتعلم أنه بعد وقت قليل سوف يأخذهم الذين يقودونهم إلى المحكمة المخيفة ليعطوا حساباً عما ارتكبوه من شرور في هذه الحياة. وحتى لا نشترك مع أولئك في معاناتهم، دعونا نبذل محاولة لكي نتغير لنصير أفضل، بقدر ما تسمح به قوانا، لكي نفوز بالخيرات العتيدة بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة مع الآب والروح القدس المحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.
نشر
[1] يقصد القديس يوحنا أنه ليس بالضرورة أن يكون كل الناس أحياء عند حدوث القيامة العامة، فقد يموت الكثيرون قبل حدوثها. [2] يقصد ذهبي الفم أن الذين ينالون رُتباً سامية في وظائفهم يُوَّدعون بثناء عندما يتقاعدون من مناصبهم. [3] يقصد بأسلحة الطبيعة ـ بحسب ذهبي الفم ـ المحبة والحنان. [4] عد: 25. |
||||||||