الصليب
عظتان للقديس يوحنا الذهبي الفم

العظة الثانية: عن صليب ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وعن تسمية المرقد
الموت هو رقاد ”نوم”

1 ـ سُئلت مرات كثيرة عن السبب الذي لأجله ترك أجدادنا الكنائس الموجودة في المدن، وأوصونا أن نجتمع اليوم[1] هنا في كنائس خارج المدينة. ولا أعتقد أنهم فعلوا هذا بدون سبب، لذلك اجتهدت في التفتيش عن السبب واكتشفت بنعمة الله أن هذا الترتيب هو سليم ومُحِق ويتمشى مع هذا العيد[2].

          حسنًا، فما هو السبب؟

إننا نُعيّد للصليب، فالرب قد صُلب خارج المدينة، لذلك ذهبوا بنا خارج المدينة. لأنه يقول: الخراف تتبع الراعي، وحيث يوجد الملك هناك القادة والجنود. لأجل هذا السبب نجتمع الآن خارج المدينة. لكن من الأفضل أن نرى هذا الأمر من الكتب المقدسة. وحتى لا تظنوا أن هذا الفكر هو خاص بي، أقدم لكم بولس الرسول كشاهد. حسنًا، ماذا يقول بولس عن الذبائح؟    " فإن الحيوانات التي يُدخل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تحرق أجسامها خارج المحلة" (عب11:13)، لذا لكي يطهر المسيح العالم بدمه، صُلب خارج أبواب المدينة. إذن، ليتنا نأتي إلى المسيح، ونقابله خارج المدينة، حاملين العار الذي قَبِله. لقد حثنا بولس بأن نخضع له ونأتي إليه خارج المحلة. لذلك نجتمع في الخارج. لكن لأي سبب نجتمع في هذا المكان "نصب الشهادة[3]"، وليس في مكان آخر، إذ أن مدينتنا بنعمة الله هي محاطة من كل ناحية بعظام القديسين؟. وبالتالي لماذا حدد أجدادنا هذا المكان بالذات لنأتي إليه وليس إلى مكان آخر؟ لأنه يوجد هنا أموات كثيرون يستريحون وأيضًا لأن المسيح نزل إلى الموت في هذا اليوم، لذا نجتمع في هذا المكان ولأجل هذا السبب أيضًا دُعي هذا المكان الذي يدفن فيه الأموات مرقدًا، لكي تعلم أن الذين ماتوا ودُفنوا هنا، لم يموتوا في الحقيقة بل رقدوا واستراحوا. لأن الموت دُعي موتاً قبل مجيء المسيح:    " لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك7:2)، وفي موضع آخر " النفس التي تخطئ تموت" (مز20:18). وأيضًا " الشر الذي يُميت الشرير" (مز34: 21)، و"عزيز في عيني الرب موت أتقيائه" (مز116: 15). وقيل عنه ليس فقط موتاً لكن أيضاً هاوية. اسمعوا ماذا قال داود: " الله سوف يفدي نفسي من قبضة الهاوية عندما خطفتني" (مز49: 16)، ويعقوب أيضاً قال:        " تنزلون شيبتي بحزن إلى الهاوية" (تك42: 38).

هكذا كانت توصف نهاية حياتنا بمثل هذه الأوصاف، وذلك قبل مجيء المسيح. لكن عندما أتى المسيح ومات لكي يحيى العالم توقف الموت عن أن يدعي موتًا، وصار يُدعى نومًا ورقاداً. وهذا ما قاله المسيح: " لعازر حبيبنا قد نام" (يو11:11). ولم يقل مات، بالرغم من أنه قد مات. ولكي تدرك كيف أن هذه التسمية "رقاد" كانت تسمية لها مفهوم آخر غير معروف آنذاك، فإن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح وقالوا: " أن كان قد نام فهو يشفي" (يو11: 12)، وأيضًا يقول بولس: " إذاً الذين رقدوا في المسيح أيضًا هلكوا. إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس" (1كو15: 18ـ19). وأيضا يقول عن الأموات: " نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين" (اتس4: 15).

وأيضًا: " استيقظ أيها النائم" (أف5: 14). ولكي نعرف أن ما يقوله عن المائت، يضيف: " قم من الأموات". لاحظ أن الموت يُدعى دائمًا نومًا. لذلك هذا المكان الذي يُدفن فيه الشهداء يُدعى "مرقد".

إذن، هذه الكلمة "مرقد"، هي تعليمية وتشير إلى عمق معرفتنا وإيماننا. لذلك عندما تُشيّع شخصًا مائتًا محبوبًا لك إلى هذا المكان، لا تحزن لأنك لا تُشيعه إلى الموت بل إلى "المرقد". هذه الكلمة كافية لتعزيتك في فراق محبوبك.

فإلى أين تشيعه؟!          

إلى المرقد!

ومتى تشيعه؟

بعد "موت" المسيح حيث انكسرت أشواك الموت.

هكذا تستطيعون أن تتعزوا كثيرًا في هذا المكان. وهذه الأقوال هي مناسبة جدًا للنساء إذ يتأثرن ويشعرن بالحزن أكثر. إذن لديك دواء جيد لحزنك، أقصد تسمية هذا المكان " المرقد "، لذا نجتمع هنا اليوم.

 

 


[1]  يقصد يوم الجمعة العظيمة.

[2]  يقصد الاحتفال بصلب المسيح يوم الجمعة العظيمة، وكان يتم في زمن ذهبي الفم خارج المدينة.

[3] كانت تبنى الكنائس فوق قبور الشهداء.