ستعود بقوة أعظم
رسالة من القديس يوحنا الذهبي الفم إلى ساقط يائس
حث ثيؤدور (تادرس) بعد سقوطه

ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي

لا تيأس فإن الله محبُ في تأديبَاته

مفهوم غضب الله

غضب الله ليس انفعالاً، وإلاّ كان يحق للإنسان أن ييأس لعدم قدرته على إطفاء لهيب غضب الله المشتعل بسبب أعماله (أي الإنسان) الشريرة. لكن الله بطبيعته خالٍ من الانفعال حتى إن عاقب وإن انتقم، فإنه لا يصنع ذلك حنقًا، بل عن اهتمام بنا فيه حنان وعفو عظيم. وهذا يدفعنا إلى أن تكون لنا شجاعة عظيمة صالحة، وأن نثق في قوة التوبة.

لماذا يؤدب؟

الذين أخطأوا ولو في حقه، لا يرغب في معاقبتهم انتقامًا لنفسه، لأنه لا يصيب لاهوته ضرر، إنما يفعل ذلك لأجل نفعنا، لكي يمنع انحرافنا الذي يتزايد باستهتارنا وعدم مبالاتنا به.

فكما أن الذي يبقى خارجًا بعيدًا عن النور، لا يضر النور في شيء، بل تقع الخسارة العظمى عليه بكونه في الظلام، هكذا من اعتاد أن يحتقر القوة القادرة، لا يضر القوة بل يضر نفسه بأكبر ضرر ممكن.

لهذا السبب يهددنا الله بالعقوبات، بل وقد يصبها علينا، ليس انتقامًا لنفسه بل كوسيلة لجذبنا إليه.

مثال

أننَّي أسأل: مَنْ مِنَ الناس فسد أكثر من ملك بابل (نبوخذ نصّر)، هذا الذي اختبر قوة الله بغزارة، حتى خضع لنبي الله (دانيال)، وأمر بتقديم تقدمات وبخور لله، لكنه عاد مرة أخرى إلى كبريائه السابق ُملقيًا في الأتون (بالثلاثة فتية) الذين لم يمجدوه أكثر من الله؟!

ومع هذا كله، فقد دعا الله هذا الرجل القاسي، عديم التقوى، الذي هو بالأحرى حيوان مفترس أكثر منه مخلوق بشرى، دعاه إلى التوبة، معطيًا إياه فرصًا كثيرة لذلك (للتوبة).

فالفرصة الأولى هي تلك المعجزة التي تمت في أتون النار(أي ظهور ابن الله مع الثلاثة فتية في وسط النار - دا 3).

والفرصة الثانية هي تلك الرؤى التي ظهرت له، والتي فسرها له دانيال، هذه الرؤى الكفيلة بأن تسحق أي قلب حجري (دا 4).

وبعد ذلك نصائح النبي نفسه الذي قال له: "أيها الملك فلتكن مشورتي مقبولة لديك وفارق خطاياك بالبر وآثامك بالرحمة للمساكين لعله يطال اطمئنانك" (دا 4: 7...). ماذا تقول أيها الرجل الحكيم (دانيال) الطوباوي؟! هل يمكن أن تكون له فرصة للرجوع إلى الله بعد هذه السقطة العظيمة؟!

هل تعود إليه الصحة بعد مرض كهذا؟!

 وهل يمكن أن تعود إليه رزانة عقله بعد جنون مطبق كهذا؟!...

مع هذا كله لم يعاقبه الله بل استمر ُيطيل أناته عليه ناصحًا إيَّاه تارة بالرؤى وأخرى على لسان نبيّه. ولكن إذ لم يحدث له أي صلاح، بأي طريق من هذه الطرق، أخيرًا صب الله عليه العقاب، "طُرد من بين الناس وتساوى قلبه بالحيوان وكانت سكناه مع الحمير الوحشية فأطعموه العشب كالثيران وابتلَّ جسمه بندى السماء" (دا 5: 21). ولم يكن هذا العقاب للانتقام منه عما سبق أن فعله، بل لأجل قطع أسباب الخطية المقبلة، وليمنع تماديه في الشر.

ولم يصُّب الرب عليه العقاب إلى الأبد، بل بعد أن استمر تأديبه له سنوات قليلة، أعاده ثانية إلى مركزه الأول دون أن تصيبه خسارة بسبب العقاب، بل على العكس استفاد أكبر فائدة ممكنة إذ نال إيمانًا ثابتًا في الله، وتوبة عن أفعاله الشريرة.

منتظر توبتك

هذا هو حنو الله أنه لن يُدير وجهه عن توبة صادقة، فحتى إذا كان الإنسان قد اندفع إلى أقصى حدود الشر، فعندما يعود إلى طريق الفضيلة، يقبله الله ويرحب به، ويصنع معه كل شيءٍ إلى أن يعيده إلى حالته الأولى.

فالله يعمل إلى أقصى حدود الرحمة، حتى ولو لم يُظهر الإنسان توبة كاملة، فهو لا يتجاهل أمرًا صغيرًا أو زهيدًا، بل يعطى عن هذا جزاءً عظيمًا. ويظهر ذلك من قول النبي إشعياء: "من أجل إثم مكسبه غضب وضربته، استترت وغضبتُ، فذهب عاصيًا في طريق قلبه. رأيت طرقه وسأشفيه وأقوده وأرد تعزيات له ولنائحيه" (إش 57: 17-18).

وسنقتبس مثلاً آخر، وهو أشر الملوك كفرًا، الذي كان يخطئ بتأثير زوجته، لكنه ما أن تأسف ولبس المسوح، ودان أخطاءه حتى ربح لنفسه مراحم الله... فقد قال الله لإيليا: "هل رأيت كيف أتضع آخاب أمامي، فمن أجل أنه قد أتضع أمامي لا أجلب الشر في أيامه" (1 مل 21: 29).

ليس فقط ما حدث مع هؤلاء، بل كلمات النبي تشهد بإبادة الله لأفكار اليأس، إذ قال: "اليوم إن سمعتم صوته. فلا تقسُّوا قلوبكم كما في مريبة" (مز 95: 7-8). وكلمة "اليوم" هنا يقصد بها أي لحظة من لحظات الحياة، حتى ولو كنت في سن الشيخوخة، إن أردت. فالتوبة لا تُحسب بعدد الأيام بل بحالة الروح. فأهل نينوى لم يحتاجوا إلى أيام كثيرة لإزالة خطاياهم، بل جزء صغير من يوم كان  كافيًا لسحق شرورهم. واللص أيضًا لم يكن محتاجًا  إلى فترة طويلة للدخول إلى الفردوس، بل في تلك اللحظة القصيرة التي احتملت كلمة واحدة، غُسلت خطاياه التي ارتكبها كل أيام حياته. لقد نال المكافأة الموهوبة له من الله قبل أن ينالها الرسل. ونحن نرى الشهداء وقد نالوا أكاليل المجد لا بعد عدة سنوات، بل بعد أيام قليلة، وغالبًا ما كانت تتم في يوم واحد (أي كان بعضهم يقبل المسيحية ويستشهد في نفس اليوم).

لذلك فنحن في حاجة إلى غيرة في كل اتجاه، واستعداد عظيم للفكر، فإن هيأنا الضمير لكي يكره شرورنا الماضية ويختار الطريق الآخر بأكثر نشاط، بحسب إرادة الله ووصاياه، فسننال خيرًا كثيرًا في فترة زمنية وجيزة، فكثيرون كانوا آخرين لكنهم سبقوا الأولين.