ستعود بقوة أعظم
رسالة من القديس يوحنا الذهبي الفم إلى ساقط يائس
حث ثيؤدور (تادرس) بعد سقوطه

ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي

لا تيأس قائلاُ: هل تُقبل توبة مؤمن سقط؟!

الرجوع  أمر طبيعي

السقوط في ذاته ليس بالأمر الخطير، بل يكمن الخطر في البقاء منطرحًا بعد السقوط، وعدم القيام مرة أخرى. فالجُبن أي الخوف والكسل يخفيان نيّة الضعف الخلقي تحت حجة " اليأس".

لهؤلاء أيضًا ينطق النبي في حيرة قائلاً: "هل يسقطون ولا يقومون، أو يرتد أحد ولا يرجع" ؟! (إر 8: 4).

فان طلبت منيّ أمثلة عن أشخاص سقطوا بعد الإيمان، فإن كل ما كتب في الكتاب المقدس يخص هؤلاء الأشخاص، لأن الذي يسقط ينتسب سابقًا إلى الذين لازالوا قائمين، وليس إلى الذين مازالوا مطروحين، لأنه كيف يسقط أحد من المطروحين؟!

أمثلة

1. الخروف الذي انفصل عن التسعة والتسعين ورجع ثانيًا (لو 15: 4-5)، لا يمثل لنا سوى السقوط ثم العودة إلى الإيمان. لأنه لم يكن خروفًا من قطيع غريب بل ينتمي إلى نفس قطيع المؤمنين، وكان يرعاه نفس الراعي، ولم يضل في مكان عام، بل تاه بين الجبال في الوادي أي في رحلة طويلة، بعيدًا جدًا عن الطريق المستقيم...

لقد أعاده الراعي دون أن يطرده أو يضربه، بل حمله على كتفيه!

فكما يتعهد الأطباء بعناية من أزمنوا كثيرًا في المرض، غير مستخدمين قوانين وفنون الطب فحسب بل وأحيانًا يعطونهم هبات، هكذا يقود الله من سقطوا بعيدًا جدًا، لا بقسوة شديدة، بل بلطفٍ وبتدرج، ويعينهم من كل جانب، حتى لا يزداد انفصالهم أو تتكاثر أخطاؤهم.

2. ونفس الحقيقة تنصب على مثل الابن المسرف. فهو أيضًا لم يكن غريبًا، بل ابنًا وأخًا لابن يُسرّ أبوه به جدًا، وقد غرق في رذيلة شاذة، وذهب إلى أرض بعيدة جدًا أي أرض الخطية.

لقد سقط الابن الغنى، الحر، المهذب، في أشد درجات البؤس، أشد مما كان عليه العبيد والغرباء والأجراء! ومع ذلك فقد رجع إلى حالته الأصلية، وأُعيدت إليه كرامته السابقة. فلو تطرق إليه اليأس من هذه الحياة، واغتم بسبب ما سقط فيه، لبقى في الأرض الغريبة ولم يحظ بما ناله، ولهلك من الجوع، وسقط في الموت الذي يُرثى له. لكنه إذ تاب ولم ييأس، أنقذ ما هلك هلاكًا عظيمًا، ورجع حائزًا على نفس المقام الأول،  لابسًا الثوب الجميل، متمتعًا بالكرامات العظيمة التي لم ينلها أخوه الذي لم يسقط...

عظيمة هي قوة التوبة!

 3. الشاب الساقط: اسمع الآن بعضًا مما قد حدث في أمثلة واقعية. فقد ارتكب شخص معروف من أهل كورنثوس خطية، لا تُسمى (لا تحدث) بين الأمم. هذا الشخص كان مؤمنًا وينتمي إلى بيت السيد المسيح، ويقول البعض إنه كان في ذلك الوقت من رجال الكهنوت.

ماذا إذن؟ هل قطعه بولس الرسول عن الشركة مع من هم في طريق الخلاص؟ كلا. فإن بولس الرسول الذي انتهر أهل كورنثوس مرات عديدة لأنهم لم يقدموا له فرصة للتوبة، كان يرغب في أن يبرهن لنا أنه ليست خطية بلا علاج، فقد قال عن ذلك الرجل الذي كانت خطيته أشنع من أن يفعلها الأمم: "إن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 5). لكنه بعد ما تاب قال: "مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين" (2 كو 2: 6)، موصيًا إيّاهم في رسالته الثانية أن يقبلوا ذلك الشخص مرة أخرى ويرحبوا بتوبته حتى لا يهلكه الشيطان...

جهنم لم تعد لنا

ليتنا نرجع إلى الله، أيها الحبيب، ونتمم مشيئته. فقد خلقنا وأوجدنا لنكون شركاء في الحياة الأبدية وليس لكي يطرحنا في جهنم أو يسلمنا للنار. لأن جهنم  للشيطان وليست لنا، وأما نحن فقد أعد لنا الملكوت منذ زمن بعيد.

وفي شرح هذه الحقائق، قال السيد للذين عن اليمين: "تعالوا يا مباركي أبى رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 40). وأما الذين عن اليسار فيقول لهم: "إذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية"، وهنا لم يقل: "المعدة لكم"، بل "المعدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41).

ليتنا لا نحرم أنفسنا من الدخول إلى حجرة العروس. فطالما نحن في هذا العالم، مهما كانت خطايانا بلا حصر، فيمكن غسلها بالتوبة الصادقة عما ارتكبناه.

أما عندما نرحل إلى العالم الآخر فلن تنفعنا أعمق توبة، ولو صررنا على أسناننا وقرعنا صدورنا ونطقنا بكل عبارات الاستغاثة. فإنه لن يبرد أجسادنا المحترقة بقطرة ماء ولا بطرف إصبعه، ولن نسمع سوى تلك الكلمات التي قيلت في مَثل الغني: "بيننا وبينكم هوَّة عظيمة" (لو 16: 26).

لذلك أطلب إليك أن تشفى حواسك حتى تعرف الله كما ينبغي أن يُعرف. لأن الرجاء لا يتبدد إلا في الهاوية، حيث يصير العلاج عديم الفائدة... أما هنا فمتى استخدمناه، ولو كنا مُسنِّين، فإنه يجلب لنا قوة عظيمة.

لهذا فإن الشيطان يستخدم كل الطرق حتى يبذر فينا بذور اليأس، لأنه يعلم أننا إن تُبنا، ولو قليلاُ، فسننال مكافأة. وكما أن الذي يقدم كوب ماء بارد لا يضيع أجره. هكذا مَنْ يقدم توبة عن شروره التي ارتكبها ولو لم تكن بقدر ما تستلزمه شروره، فإنه لا يضيع أجره. فالحاكم العادل لا يغفل عن أي شيء صالح، مهما كان صغيرًا. لأنه إن كان في يوم الدينونة يدقق في خطايانا، حتى أنه يحاسبنا عن كل كلمة وكل فكر، فبالأكثر جدًا يدقق في أعمالنا الصالحة، سواء أكانت كبيرة أو صغيرة...

عليك فقط أن تتقدم للعمل وتفتح باب الدخول إلى موضع الجهاد، وبقدر ما تتأخر في الخارج سيبدو لك العمل صعبًا وغير عملي.

فقبل القيام بالعمل تبدو لنا الأمور البسيطة والسهلة، بحسب مظهرها، أنها صعبة علينا جدًا. لكننا إذ بدئنا نعمل تزول المخاطرة، وتحتل الثقة مكان الريبة واليأس، ويقل الخوف، وتزداد سهولة العمل ويقوى رجاؤنا الصالح...

لو كنتُ بالحقيقة أطلب منك أن تصعد إلى حالتك الأولى دفعة واحدة، لكان من الطبيعي أن تشتكى بأن هذا صعب، لكن كل ما أطلبه منك هو أن تستعد وترتد إلى الاتجاه المضاد، فلماذا تتردد وترتجف وتتقهقر؟!