ستعود بقوة أعظم
رسالة من القديس يوحنا الذهبي الفم إلى ساقط يائس
حث ثيؤدور (تادرس) بعد سقوطه

ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي

تذكر يوم الدينونة

زُرْ المدافن

ألم تنظر أولئك الذين ماتوا وهم في ترفهم وسكرهم ولعبهم وغير ذلك من حماقات هذه الحياة؟!

أين هم الآن أولئك الذين اعتادوا أن يتبختروا زهوًا في الأسواق في أُبهة وقد تجمهر حولهم أتباعهم؟! الذين لبسوا الحرير وتعطروا بالروائح وامتلأَتْ موائدهم من الفراديس وشاهدوا المسارح بلا انقطاع؟! ماذا صار إليه كل ما استعرضوه؟!...

لتذهب إلى التابوت (نعش الميت) ولتتأمل التراب والرماد والدود، فكر في المكان الذي تعافه النفس؛ وتنهد بمرارة.

اذكر نهاية الأشرار

وليت الجزاء يقف عند حد الرماد! والآن فلتنقل أفكارك من التابوت، ومن ذلك الدود إلى الدود الذي لا يموت، والنار التي لا تُطفأ، وصرير الأسنان، والظلمة الخارجية والحزن والضنك، انتقل بأفكارك إلى مثل لعازر والغني. الذي بالرغم مما كان يملكه من الغنى ويلبسه من الأرجوان، لم يقدر أن ينال حتى قطرة من الماء.

عندما تسمع عن النار لا تظنها كنار هذا العالم. لأن نار هذا العالم تحرق وتبيد ما اشتعلت به، أما تلك فتحرق على الدوام أولئك الذين أمسكت بهم ولا تكف عن ذلك، لذلك دُعِيت "لا تُطفأ". لأن أولئك الذين أخطأوا سيبقون فيها على الدوام، لا للمجد بل ستصير لهم مادة دائمة لنوال العقاب الذي سيعمل فيهم إلى الأبد.

ياله من أمر مرعب! أن اللغات تعجز عن التعبير عنه! ستصرُّ أسناننا بسبب أعمالنا وآلامنا التي لا تطاق، وليس هناك من ينقذنا!

نعم. سوف نتنهد بقوة حيث تصيبنا النيران بقسوة، وليس من منقذ من أولئك الذين يعاقبون معنا وهم في خراب عظيم!

كيف يمكن لأحد أن يصف رعب النفوس من الظلام؟! فكما أن النار ليس لها سلطان أن تبيد، كذلك ليست لها قدرة على الإضاءة، وإلاّ ما كان هناك ظلام...

أي ترف (في هذا العالم) وكم من الزمن تظن أنه يعادل هذه العقوبة وذلك الانتقام؟ أتظن أن مائة عام أو مائتين تعادل ذلك؟ وماذا يساوى هذا الزمن بجوار الزمن غير المحدود؟!فالتمتع بالأمور الزمنية عند مقارنتها بحالنا في العالم الآتي ليس إلاّ حلمًا في يوم واحد وسط كل الحياة. فمن منّا يقبل أن ينال عقابًا أبديًا لأجل رؤية حلم طيب؟!

 

اذكر سعادة الأبرار

أطلب إليك أن تتأمل الحياة الأخرى، ما أصعب أن تتـأملها!

فإنه لا تستطيع لغة أن تُعبر عنها، لكننا نحاول أن نأخذ لها صورة ولو غير واضحة، مستعينين بما أُخبرنا به، كما لو كان خلال ثقوب...

أي حياة مباركة هذه؟ لا يمكن أن يوجد فيها خوف ولا فقر ولا مرض. ويستحيل أن نجد إنسانًا يضره أحد أو يضر أحدًا، ينتهر أو يُنتهر، غضوب أو حاسد، أو محترق بأية شهوة مشينة، أو يقلق لأجل نوال ضروريات الحياة أو يتحسر على فقدان كرامة أو سلطان، لأن كل الآلام تُقمع وتزول، ويصير الكل في سلام وسرور وفرح، وتسير كل الأمور في هدوء، وتكون في نهارٍ دائمٍ وضياءٍ ونورٍ ليس مثل هذا النور الذي في العالم... فلا يكون ليل غروب، لا برد ولا حر، ولا تعاقب مواسم...

وأما ما هو أعظم من هذا كله، فهو الفرح الدائم في الشركة مع السيد المسيح، في صُحبة الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات السمائية...

حقًا إن أغلب الذين ليس لهم هدف سليم معقول، يصارعون من أجل الهروب من جهنم، لكنني أقول بإن العقاب الأشد من الجحيم هو حرماننا من أمجاد العالم الآتي. وأظن أن من يفشل في بلوغها ينبغي ألاّ يحزن بسبب ما يعانيه في جهنم بقدر ما يحزن على طرده من السماء. لأن هذا في ذاته أقسى عقوبة...