ستعود بقوة أعظم
رسالة من القديس يوحنا الذهبي الفم إلى ساقط يائس
حث ثيؤدور (تادرس) بعد سقوطه

ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي

لماذا تستسلم؟!

لا تقف جامدًا

إن كل ما أسألك إياه، هو أن تطلق ذاتك من عبوديتك الشريرة، وأن تسترد الحرية القديمة، آخذًا في اعتبارك العقاب الناجم عن فجورك، والمجد الذي كان لك في حياتك الأولى. فإن غير المؤمنين لا يبالون بالقيامة ولا يخافون الدينونة، وهذا ليس بعجيب... أما نحن الذين سرنا بثبات وراء العالم الآتي أكثر من الأمور الزمنية، فإن قضينا حياتنا في طريق البؤس المُحزن ولا نتأثر قط بذكر الأمور السماوية، بل نسقط في جمود زائد، فإن هذا يكون أمرًا سخيفًا إلى أبعد الحدود. لأننا إن كنا نحن المؤمنون نصنع ما يفعله غير المؤمنين بل نكون أحيانًا أبأس منهم، لأن من بينهم من يسلك في الفضيلة، فأي تعزية تكون لنا، وأي عذر نقدمه؟

حقًا إن كثيرين من التجار الذين غرقت سفنهم، لم يستسلموا بل كملوا رحلاتهم. وهذا يحدث عندما تكون الخسارة ناجمة لا عن إهمال بل بسبب شدة الرياح، فهل يليق بنا نحن الذين لنا ما يدعونا إلى الثقة بخصوص نهايتنا، متأكدين أننا إن لم نشأ، لن يصيب سفينتنا أي هلاك، ولن يحدث لنا أي حادث ينجم عنه خسارة، ألاَّ نعود مرة أخرى إلى العمل ونستمر في الجهاد كما كنا في الماضي أم نتكاسل وتقف أيدينا؟!

وليت أيدينا تقف فقط بل نستخدمها ضد أنفسنا كمن هم في جنون مطبق! لأنه لو ترك أي ملاكم رأسه بين يديّ خصمه، أما يحسب هذا جنونًا؟!

فالشيطان أسقطنا وطرحنا، أما نحن فعلينا أن نقوم ولا نسقط مرة أخرى غير طارحين أنفسنا لنضيف إلى ضرباته لنا ضربات أخرى.

داود لم يستسلم

داود الطوباوي، كانت له سقطة كتلك التي أنت سقطتَّ فيها، بل وتلاها سقطات أخرى، أقصد بذلك أنه كان قاتلاً.

ماذا إذن؟ هل بقى منطرحًا؟

ألم يقم في الحال مرة أخرى بقوة ووقف يحارب العدو؟

حقًا أنه صارع معه بشجاعة، حتى صار حافظًا لنسله بعد وفاته. لأنه عندما أخطأ سليمان خطية عظيمة، كان يستحق ميتات كثيرة. لكن الله قال له أنه سيترك له المملكة بدون انقسام: "فإني أمزق المملكة عنك تمزيقًا وأعطيها لعبدك. إلاَّ أني لا أفعل ذلك في أيامك من أجل داود أبيك بل من يد ابنك أمزقها" (1 مل 11: 11-12).

ومرة أخرى، عندما أوشك حزقيا أن يسقط في خطر عظيم بالرغم من كونه إنسانًا بارًا،، أنقذه الله من أجل هذا القديس "وأُحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل نفسي ومن أجل داود عبدي" (2 مل 19: 34).

يا لعظمة قوة التوبة! ... فلو ردد داود في نفسه، كما تفعل أنت الآن، قائلاً في نفسه: الله أعطاني كرامة عظيمة، ووهبني مكانًا بين الأنبياء، وائتمنني على حكم المدينة، وخلصني من بلايا كثيرة، فكيف أقدر أن أحوز رضاه بعد ما عصيته مرتكبًا أشنع الجرائم، رغم نعمه الكثيرة علىّ؟! لو فكر داود هكذا، لما فعل ما صنعه بعد ذلك، بل كان قد أضاف إلى ثقل خطاياه أثقالاً أخرى.

لا تستسلم بسبب الجراحات الروحية

ليس فقط الجراح الجسدية، بل جراح الروح تؤدي إلى الموت إن أُهملت.

لقد وصلنا إلى هذا الحد من الانحدار في الغباء، حتى أننا نعطي اهتمامًا للجراح الجسدية ونترك الأخرى. وبالرغم من أنه كثيرًا ما تكون بعض الجراح الجسدية صعبة الشفاء، ولكن رجاءنا في شفائها لن يزول، فحتى إن سمعنا الأطباء يشهدون باستحالة علاجها بالأدوية فإننا نصمم أن نطلب نصيحة ولو للتخفيف عنها. أما بالنسبة للروح، فحيث لا يوجد فيها مرض يستحيل شفاؤه، إذ لا تخضع لقانون الطبيعة، نهمل ونيأس كما لو كانت ضعفات لا تُعالج.

فحيث تقتضي طبيعة الفساد أن نيأس، نقبل الآلام كما لو كان هناك رجاء عظيم في العودة إلى الصحة، بينما حيث يوجد مجال للرجاء، لا ننقطع عن الجهاد ونتوانى!!...

فنحن نهتم بالجسد أكثر بكثير من الروح، وهذا هو السبب الذي يجعلنا غير قدرين حتى على خلاص الجسد. لأن من يزدرى بعنصر القيادة ويصب اهتمامه على الأمور الصغيرة، يُهلك الاثنين معًا... وأما من يهتم بالعنصر الذي يقوم بالقيادة، فإنه حتى إن أهمل العنصر الثانوي، فإن الأول يحفظه...

وان استسلمت... فأنا لي رجاء فيك

إن كنت تيأس من نفسك عشرة آلاف مرة، فأنا لن أيأس من خلاصك. إنني لن أخطئ هذه الخطية التي أنتهر الآخرين عنها. ومع ذلك فإن رجاء الإنسان في نفسه يختلف عن رجائه في آخر. لأن من يشك بخصوص آخر قد يكون له عذر، لكن من يشك في رجاء نفسه فهو بلا عذر.

لماذا أصلي؟... لأنه ليس لي سلطان للسيطرة على غيّرة الآخرين وتوبتهم، إذ لا يسيطر الإنسان إلاَّ على غيّرته وتوبته. ومع هذا فأنا لا أيأس من خلاصك، حتى وإن سلكت أنت في طريق اليأس دفعات كثيرة.

 

الأمميون لم يستسلموا !

عندما سمع أهل نينوى يونان النبي يعلن بلهجة قاسية ويهدد بشدة: "بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى" لم تضل قلوبهم، بالرغم من عدم وجود ثقة لديهم أنهم يقدرون على إزالة غضب الله.

لقد كان المتوقع هو العكس، لأن رسالة الله على فم يونان كانت واضحة ولم يذكر فيها شيء عن قبولهم إن رجعوا، لكنهم أعلنوا التوبة قائلين: "لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك. فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه" (يونان 3: 9-10).

فان كان الأمميون غير الفاهمين استطاعوا أن يدركوا هذا، فكم بالأكثر ينبغي علينا نحن الذين تدربنا في التعاليم الإلهية، ورأينا أمثلة كثيرة من هذا النوع في التاريخ وفي اختباراتنا الحالية؟!...

إن كنا نقبل في بيوتنا عبيدًا سبق أن أعلنوا عصيانهم علينا، بمجرد وعدهم أنهم سيصيرون أفضل مما كانوا، فنردهم إلى مراكزهم الأولى، وأحيانًا نهب لهم حرية في الكلام أكثر من الأول، فإن الله يفعل بنا أكثر من هذا. لأن الله لو كان قد خلقنا لكي يعاقبنا لكان يحق لك أن تيأس وأن تسأل عن إمكانيتك في الخلاص. لكن إن كان لم يخلقنا إلاَّ بحسب إرادته الصالحة، ويقصد أن يمتعنا بالبركات الأبدية، مدِّبرًا كل شيء لأجل تحقيق هذا الهدف، منذ اليوم الأول إلى وقتنا هذا، فكيف يتسرب إليك الشك؟!

استسلامك أشر من خطاياك

هل نحن أغظنا الله بقسوة لم يرتكبها أحد من قبل؟ إن هذا بالحري يجعلنا نكف عن أعمالنا الماضية، ونتوب عما سلف، ونُظهِر تحولاً عظيمًا. لأن الشرور التي ارتكبناها لا تغيظ الله قدر عدم رغبتنا في التغيير. لأن من يخطئ يكون قد سقط في ضعف بشرى، وأما من يستمر في نفس الخطية، فإنه يبطل إنسانيته ليصير شيطانًا.

أنظر كيف يلوم الله على فم نبيه العمل الثاني أكثر من الأول: "فقلت بعدما فعلت كل هذه أرجعي إلىّ فلم ترجع" (إر3: 7).