بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الأول: التهيئة للمعمودية
أ- معنى التهيئة

كادت المعمودية في الكنيسة، خلال القرون الماضية، تقتصر على معمودية الأطفال. والمهمّ هنا أنّ هذا السرّ قد حافظ من الناحية الليتورجية، على شكله وبنيته نفسيهما حين كان يُقام من أجل المعتمدين الراشدين. وهذا واضحٌ من الطقوس التحضيرية الواردة في كتبنا الليتورجية تحتَ عنوان: الصلوات الخاصة باستقبال الموعوظين  (1).

وهذه الخدمة، الموجزة نسبياً، هي العنصر الوحيد الباقي من تهيئة طويلة للمعمودية، كانت تستمر حسب تقاليد محلّية كثيرة، ما بين سنةٍ وثلاث سنوات. فكان المرشَّحون للمعمودية، الذين يُدْعَون موعوظين، يُدخَلون تدريجياً في حياة الكنيسة عَبْر طقوس خاصة تتضمّن إستقسامات لإخراج الأرواح الشريرة، وصلواتٍ، وشروحاتٍ للكتاب المقدّس، وسواها. وكانت الجماعة بكليّتها تشترك في هذه التهيئة، كونها تعدُّ نفسها لاستقبال الأعضاء الجدد. ومن هذه التهيئة المزدوجة – للموعوظين والكنيسة على السواء – نشأتْ الفترةُ الليتورجية السابقة لعيد الفصح، أي ما نسمّيه اليوم الصومَ الكبير  (2). وهي فترة التهيئة النهائية والمكثَّفة لـ(الليلة المقدّسة)، وذروتُها (استنارةُ) الآتين إلى المسيح، والساعين إلى الخلاص وإلى الحياة الجديدة فيه.

فما معنى هذه التهيئة؟

إنه سؤال هامّ. فمعمودية الأطفال، التي تمارَس غالباً اليوم، تجعل بعضَ هذه الطقوس التحضيرية وكأنها مفارقات لا معنى لها. غير أنّ الأهمية الواضحة التي كانت لهذه الطقوس في الكنيسة الأولى، والتي حافظ عليها التقليد الليتورجي بإبقاء بنية (معمودية الراشدين)، تشير بوضوح إلى أنَّ الكنيسة تعتبر التهيئة جزءاً لا يتجزأ من ليتورجيا المعمودية. وتالياً، فإنّ شرح خدمة المعمودية يجب أنْ يبدأ بالإجابة عن هذا السؤال.

ولا بد أنْ ندرك أولاً أنّ التهيئة أحد الثوابت الأساسية في عبادة الكنيسة عامةً. فمن المحال أنْ ندخل في روح الليتورجيا، وأنْ نفهم معناها، ونشترك فيها، ما لم نفهم أولاً أنّها مبنيّة بصورة أساسية على إيقاع ثنائي: التهيئة والتحقيق. وهذا الإيقاع جوهريٌ في ليتورجيا الكنيسة، لأنه يُظهر ويُحقّق فعلياً، طبيعةَ الكنيسة ودورَها الثنائيين  (3).

فالكنيسة تهيئة، لأنها (تعدّنا) للحياة الأبدية. ودورُها أنْ تحوِّل كاملَ حياتِنا إلى تهيئة، بأنْ تكشف لنا باستمرار، من خلال وعظها وعقيدتها وصلاتها، أنّ (القيمة) القصوى التي تمنح حياتنا معناها واتجاهها تكمن في (الأخير) و(الآتي)، وفي وضع رجائنا عليهما وانتظارهما وتوقّعهما. ومن دون هذا البعد الأساسي (للتهيئة)، يمكن القول ببساطة، إنه لا توجد مسيحية ولا كنيسة. وتالياً، فإنّ ليتورجيا الكنيسة هي في الدرجة الأولى ودائماً فعلُ تهيئة، من حيث أنّها تدل وتَنْزَع إلى ما يتجاوزها هي نفسها، وما يتجاوز الحاضر أيضاً. ودورها أن تدخلنا في تلك التهيئة، وأنْ تحوِّل حياتَنا وتقودَها إلى أنْ تتحقّق في ملكوت الله.

ولكنّ الكنيسة تحقيقٌ أيضاً. فالأحداث التي نشأتْ عنها الكنيسة وشكّلتْ مصدر إيمانها وحياتها، أحداث وقعتْ فعلاً. فالمسيح قد أتى – وبه تألّه الإنسان – ثم صعد إلى السماء. والروح القدس أتى أيضاً، ففتح لنا ملكوت الله. والنعمة أُعطيتْ، فصارت الكنيسة (سماءً على الأرض)، لأنها أدخلتْنا إلى مائدة الرب في ملكوته. وحصلنا على الروح القدس، فصار بإمكاننا أنْ نشارك منذ الآن في الحياة الجديدة والشركة مع الله.

هذه الطبيعة الثنائية للكنيسة تُكشَف لنا وتُنقَل إلينا في الليتورجيا ومن خلالها. وعمل الليتورجيا المميَّز هو أنْ تجعل الكنيسة تهيئةً دائمة، وأن تُظهر أنّها تحقيقٌ أيضاً. وهكذا يتحوّل اليومُ والأسبوعُ والعامُ، وتصبح كلُّها حقيقةً ثنائية، تربط ما (قد تَمَّ) بما (سيأتي). فنحن لا يمكن أنْ نهيِّئ أنفسنا لملكوت الله الذي (سيأتي) لو لم يكن (قد أُعطي) لنا سلفاً. ولا يمكن أنْ ننظر إلى (النهاية) على أنّها موضع حب ورجاء وشوق، لو لم تكن قد أُعلنتْ لنا في (بدايةٍ) مجيدة ومشرقة. ولا يمكننا أنْ نصلِّي: (ليأتِ ملكوتُك)، لو لم نَذُقْ مسبقاً طعم الملكوت، فلو لم تكن ليتورجيا الكنيسة (تحقيقاً)، لما أضحتْ حياتُنا (تهيئة). وهذا الإيقاع الثنائي، من التهيئة والتحقيق، ليس أمراً عَرَضيّاً، بل هو جوهر حياة الكنيسة الليتورجيّة. وهو ليس جوهرَ الحياة الليتورجيّة بمجملها وحسب، بل في كافة تفاصيلها أيضاً: أي في كل موسم، وكل خدمة، وكل سر. فكيف يكون ثمة فصح من دون السكون الأبيض في السبت المقدّس المبارك؟ وكيف يكون ثمة ظلام مهيب في الجمعة العظيمة من غير التهيئة الطويلة في الصوم الكبير؟ أوَ ليس الحزن في موسم الصوم هو الذي يتحوَّل إلى (حزن مشرق) بنور الفصح الآتي؟

إذا كانت ليتورجيا الكنيسة قد ابتعدتْ عن أنْ تكون اليوم حاجةً وفرحاً عميقين في حياة معظم الناس، فلأنهم نسوا، أو ربما لم يعرفوا أصلاً، القانونَ الليتورجي الجوهري القائمَ على التهيئة والتحقيق. فهم لا يعيشون التحقيق لأنهم يتجاهلون التهيئة. ويتجاهلون التهيئة لأنهم لا يتشوَّقون إلى التحقق. فلا عجب إذاً أن تظهر الليتورجيا وكأنها بقايا أشكال قديمة عقيمة، نسعى إلى بثّ الحياة فيها بواسطة (حفلة موسيقية) أو (احتفال كبير) مصطَنَع ولا طعم له.

والمعمودية ليست مستثناة من هذا المبدأ الأساسي. فهي تتطلّب تهيئة، ولو كان المقبِل على المعمودية لا يتجاوز الأيام القليلة من عمره، وغير قادر على فهم ما سيحصل له. فالكنيسة الأرثوذكسية لم تضع (الفهم) شرطاً للمعمودية. وهي بذلك تختلف جذرياً عن بعض الطوائف (المتعقلنة)، فتقول إنَّ (الفهم) الحقيقي يكون ممكناً بالمعمودية نفسها، أي إنه ليس شرطاً لها، بل هو ثمرتُها ونتيجتُها. فنحن بعيدون جداً عن الفكرة الجامدة القائلة بأنّ المعمودية تكون لمن (يفهمها) و(يقبلها) أي لـ(الراشدين). ولعل نعمة المعمودية الأساسية كامنة في كونها تجعلنا أولاداً، وتعيد إلينا (الطفولة) التي لا نستطيع من دونها أنْ نستقبل ملكوت الله، على حدِّ قول السيد نفسه. التهيئة إذاً فِعْلٌ نتكامل تجمع فيه الكنيسة كلَّ ما كان في البدء، وكلَّ ما يجعل التجدّد الحاصل بالمعمودية ممكناً. فالكنيسة كلّها تتغيّر وتغتني وتتحقّق كلَّما انضمَّ إلى حياتها ابن جديد لله وصار عضواً آخر في جسد المسيح.

المعموديةُ سرٌّ فصحيّ، كما ذكرنا. والفصح يعني (عبوراً) و(اجتيازاً). وهذا العبور يبدأ في طقوس التهيئة للمعمودية، ويجعل منها بدايةً حقيقيةً للسر، وتهيئةً لما سيتحقّق بالماء والروح.

 


 

 1- راجع (الصلاة على الموعوظ) في كتاب (الأفخولوجي الكبير) الذي عني بتعريبه الأسقف رفائيل هواويني، بيروت 1955، وفي كتاب (مختصر الأفخولوجي)، الذي أشرف على طبعه سرجيوس أسقف سلفكية، دمشق 1964.

 2- راجع كتاب المؤلف (الصوم الكبير)، ترجمة الأب ابراهيم سروج، طرابلس 1978. وعن (فترة الموعوظية)، راجع:

_H. Leclercq، (Cathéchèse، cathéchumène)، in Dictionnaire d'Archéologie Chrétienne et de Liturgie 2، 2 (1910) 25 30-79.

_J. Daniélou، (L'institution cathéchumenale aux premiers siècles)، in documentation cathéchistique (Commission nationale de l'enseignement religieux)، Dijon، 1957، pp. 27-36.

_La Maison Dieu 10 (1947): (L'initiation chrétienne); and 58 (1959): (Du cathécuménat à la confirmation).

 3- في موضوع الليتورجيا بوصفها (تهيئة وتحقيقاً)، راجع كتاب المؤلف (الصوم الكبير) المذكور آنفاً، ص 33- 46.