بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الأول: التهيئة للمعمودية
ب- فترة الموعوظية

قبل الصلوات الخاصة باستقبال الموعوظين تنفَّذ التعليمات التالية:

يحل الكاهن زنَّار الشخص المقبل على الاستنارة، وينزعه ويضعه جانباً، ثم يوقف الشخص باتجاه الشرق لابساً ثوباً واحداً فقط، حافيَ القدمين، مكشوفَ الرأس، خافضاً يديه إلى أسفل؛ وينفخ في وجهه ثلاث مرات؛ ويضع يده على رأسه...

هذه التعليمات بحاجة إلى تفسير، كما أنّ الطقوس النابعة منها يجب أن توضع في إطار التهيئة التي تسبق المعمودية.

ففي الكنيسة الأولى، كان العرّابون (الكفلاء) (4) هم الذين يقدِّمون المزمع على أنْ يصير مسيحياً إلى أسقف الكنيسة المحلّية. والعرّابون هم أعضاء في الجماعة المسيحية يمكنهم الشهادة على جدّية نوايا المرشح، وأصالةِ اهتدائه إلى الإيمان المسيحي.

لا شك أنّ الاهتداء نفسَه يبقى خارج كلّ تفسير. فنحن لا نعرف ما الذي يهدي الإنسان إلى المسيح، ولا ما يدفعه إلى الإيمان به. وعلى رغم كل المحاولات الهادفة إلى تصنيف (نماذج) متعدّدة للاهتداء أو وصفها، فإنّ العلاقة الفريدة بين الله وبين أيّ إنسان من البشر الذين خلقهم الله نفسه، تبقى سراً كبيراً. وتالياً، فإنّ تفسيرنا لا يبدأ إلاّ من اللحظة التي تفضي فيها تلك العملية السرّية إلى اتخاذ قرار علنيّ وموضوعيّ بالسعي إلى المعمودية والدخول في الكنيسة.

وهنا بالذات، كان يؤتى بالمهتدي إلى الأسقف، وهو في الكنيسة الأولى كاهنُ الجماعة المحلّية وراعيها ومعلّمها. وما أنْ يتأكّد من جدّية نواياه، حتى يكتُبَ اسمَه في سجلّ الموعوظين  (5)، ثم يرسم على وجهه إشارة الصليب ثلاثاً، ويضع يده على رأسه. وهذه الطقوس الأولى تسمّى تسجيلاً، وتدل على أن المسيح قد صار مالكاً له، وسجَّله في سفر الحياة. وكان هذا التسجيل يتم، أيّام القديس الذهبي الفم، في بداية الصوم الكبير (6). أمّا اليوم فهو الخطوة الأولى في ليتورجيا المعمودية نفسها، ويعبِّر عنه الإفشين التالي:

أيها الرب الإله الحق، إني باسمك واسم ابنك الوحيد وروحك القدوس، أضع يدي على عبدك هذا الذي استحقّ أنْ يلتجئ إلى اسمكَ القدوس ويُحفظ تحت ستر جناحيك. أبعدْ منه تلك الضلالة القديمة، واملأه من الإيمان بك والرجاء عليك والمحبة إليك. لكي يعلم أنك أنت هو الإله الحقيقي وحدك، وابنك الوحيد ربنا يسوع المسيح وروحك القدوس. أعطِه أنْ يسلك في جميع وصاياك ويحفظ أوامرك التي تحيي كل إنسان يعمل بها. أكتبْه في سفر الحياة واجعْله متّحداً في رعية ميراثك ليمجّد به اسمك القدوس واسم ابنك الحبيب، ربنا يسوع المسيح، واسم روحك المحيي. ولتكنْ عيناك ناظرتين إليه بالرحمة كل حين، وأذناك سامعتين صوت تضرعه. وأبهجْه في أعمال يديه، وفي كل جنسه، لكي يعترف ساجداً لك وممجّداً اسمك العظيم المتعالي ويسبّحك كل حين، جميع أيام حياته. فإنّ لك تسبّح كل قوات السموات، ولك هو المجد أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.

وهكذا تعطينا الكنيسة، منذ مطلع ليتورجيا المعمودية وفي الإفشين الأول، البعدَ الحقيقي لـ(الاهتداء) ومحتواه الحقّ. وأبرز ما فيه أنّه هروب من (هذا العالم) الذي سرقه العدو من يد الله فصار سجناً. الاهتداء ليس أمراً يدخل في نطاق الأفكار ويعمل على مستواها، كما يظن الكثيرون اليوم، وليس اختياراً لـ(إيديولوجية) معيّنة، أو جواباً على (مشكلات) محدّدة. فلفظة (مشكلة) لم تعرفها الكنيسة الأولى ولا الكتاب المقدّس. الاهتداء، في الحقيقة، نجاةٌ من الظلمة واليأس. فالإنسان يأتي إلى المسيح لكي يخلص، لأنّ لا خلاص بغيره. والعمل الأول في ليتورجيا المعمودية هو تقديم الحماية. فيد الأسقف – أي يد المسيح نفسه – تحمي وتظلِّل و(تستر بأجنحة...)، لأنّ ثمة صراعاً حتى الموت سيبدأ الآن، وهو صراع جدّي كما يدل الإفشين الأول.

لقد (تسجّل) الموعوظ الآن، وكُتب اسمه في سفر الحياة، وسيتّحد قريباً بـ(رعية ميراث الله)، بعد أنْ أُبلغ هدف المعمودية الأخير: أيْ استعادة الحياة الحقّة، تلك الحياة التي خسرها الإنسان بالخطيئة، وقوامها (الاعتراف والسجود والتمجيد والتسبيح للاسم العظيم المتعالي). لكننا نعلم أنّ هذا هو وصفُ (السماء) و(الأبدية) والكتاب المقدّس يذكر أنه العمل الأبدي الذي تقوم به القوات السماوية أمام عرش الله. فالخلاص، أي استعادة الحياة، هو إذاً عطية الحياة الأبدية. وهذا ما تعلنه المعمودية هدفاً لها في الخطوة الأولى من ليتورجيتها: فالحدث الحاسم قد بدأ.

 

 


 4- صار تعيين (العرّابين) اليوم تعييناً اسمياً. وفي رأيي أننا يجب أن نفهم معناه ووظيفته كما كانا في السابق، وأن نستعمله اليوم لأنه ممكن وضروري في آن. وقد ورد ذكر العرّابين في كتاب (التقليد الرسولي)، 15:

(فليمتحن المرشحون للمعمودية في سبب إقبالهم على الإيمان. وليشهد أولئك الذين يقدّمونهم عما إذا كانوا مستعدين لسماع الكلمة. وليُسأل عن سيرة حياتهم وطريقة سلوكهم...)

وقد كتب الأب Finn في كتابه (The Liturgy of Baptism in the Baptismal Instructions of St. john Chrysostom):

(اشتدت الحاجة إلى العرّابين، وخصوصاً منذ بداية القرن الرابع... بسبب ازدياد عدد المقبلين إلى الكنيسة ازدياداً كبيراً. ولم يكن في إمكان ممثلي الكنيسة، في المدن الكبرى مثل إنطاكية، أن يعرفوا خُلُق المرشحين العديدين الراغبين في المعمودية أو طباعهم. ولم يكن في إمكانهم توفير الاهتمام الخاص والضروري من أجل تربية مسيحية كاملة. وهكذا فإنّ العرّاب، إضافة إلى كونه كفيلاً، صار معلّماً ومرشداً أيضاً) (ص 54- 55).

وقال ثيوذوروس الموبسويستي:

(أمّا أنت أيها المقبل إلى المعمودية، فاعلم أنّ شخصاً يُعَيَّن في الوقت المناسب يُدَوِّن اسمك في سِفر الكنيسة، وإلى جانب اسم عرّابك الذي يُسأل عنك، ويصير مُرشِدَك في المدينة، ودليلَ مواطنيتك فيها. ويحصل هذا لتعرف قبل الأوان، وأنت ما زلتَ على الأرض، أنك مسجّل في المساء، وأنّ عرّابك المقيم فيها لديه الاهتمام الكافي ليعلّمك، أنتَ الغريب عن تلك المدينة والقادم إليها حديثاً، كل ما يختص بها وبالمواطنية فيها، لكي تصير ملمّاً بحياتها، دونما حرج أو قلق...) (في المعمودية، 12).

إنّ التعبير اليوناني (άναδεχόμενος)، المقابل للفظة (عرّاب) يعني أيضاً (ضمانة المدين)، أو (أولئك الذين يكلفون المدينين). وقد شرح القديس يوحنا الذهبي الفم معنى هذه الكلمة للعرابين:

أترغبون في أن أوجّه كلمة إلى عرّابيكم، ليعرفوا هم أيضاً أية مكافأة يستحقون إن أظهروا عناية فائقة بكم، وأية إدانة ستلحق بهم إذا تهاونوا؟ فكّروا ملياً، أيها الأحباء، بأولئك الذي يكفلون شخصاً في مسألة مالية، كيف يكونون مسؤولين قانونياً عن كفالتهم. فإذا كان المدين خيّر الطبع، فإنه يخفّف الحمل على كفيله، أما إذا كان سيء الطبع فإنه يعرّضه للخطر. ولذا ينصحنا الحكيم قائلاً: (من يجعل نفسه ضمانة، فليفكّر وكأنّه سيدفعها) (سيراخ 13:8). وإذا كان الذين يكفلون غيرهم في ما يخص المال، يجعلون أنفسهم عرضةً لدفع قيمة الضمانة كلها، فإنّ الذين يكفلون غيرهم في ما يخص الروح وما يتعلّق بالفضيلة، يجب أن يكونوا أكثر تيقظاً. عليهم أن يُظهروا محبتهم الأبوية بتشجيع أولئك الذين يكفلونهم ونصحهم وتأديبهم، وألاّ يظنوا أنّ ما يحدث هو أمر بسيط، بل عيهم أن يعلموا أنهم مشاركون في الفصل، إذا حثوا المؤتمنين عليهم وقادوهم إلى طريق الفضيلة، وأنهم معرّضون لعقاب شديد إذا تهاون أولئك الذين يكفلونهم. ولذا درجت العادة أن يسمّى العرابون (آباء روحيين)، حتى يعلموا أيَّ تحنن عظيم يجب أن يُظهروه نحو الذين يتكفلون بتعليمهم الأمور الروحية. فإذا كان من النُبْل أن نقود إلى حماسة الفضيلة أولئك الذين لا يمتون إلينا بأية صلة، فبأيّ مقدار يجب أن نتمّم هذه الوصية نحو من يكون ابناً روحياً لنا. فاعلموا إذاً أيها العرّابون أنّ خطراً عظيماً ينتظركم إن تهاونتم (التعليم عن المعمودية، 2، 15- 16).

وقد علّق الأب Finn على هذا المقطع بقوله:

إن قبول العرّاب للمعتمد الجديد بوصفه ابناً له، كان يرمز بوضوح إلى مسؤوليته عن متابعة نمو (ابنه) في الفضيلة المسيحية، بعد المعمودية. ومن سوء الحظ أنّ الذهبي الفم لا يتكلّم بوضوح على مسؤولية العرّاب قبل المعمودية. ولكن يظهر من التعليمات أنّ العرّاب كان يشهد لخُلُق المرشح وأحواله وحياته، لدى تسجيل اسمه، وأنّ العرّابين والمرشحين للمعمودية كانوا يستمتعون إلى التعليم سوية. يضاف إلى ذلك أن العرّاب كان يقوم بدور مهم في البناء الروحي للمرشح خلال فترة موعوظيته، وربما كان له دور أيضاً في تثقيفه عقائدياً وليتورجياً (المرجع المشار إليه آنفاً، ص 57)

أما اليوم فإنّ وظيفة العرّابين تقتصر على الخدمة الليتورجية وحسب. فهم يحملون الطفل خلال الطقوس السابقة للمعمودية، ويجيبون عنه، ويقرأون دستور الإيمان، ويتسلَّمون الطفل من جرن المعمودية. وقد صار اختيار العرّابين أمراً عائلياً بحتاً، وغالباً ما يتم لأسباب لا علاقة لها بالكنيسة، ولا بإيمانها، ولا بالمسؤولية الروحية عن المعتمِد. ولذلك لا يُطلب منهم أيّ شيء ولا يطالبهم أحدٌ بأية فروض أو مسؤوليات، حتى صار اشتراط كونهم مستقيمي الإيمان مطلباً شكلياً ولا أهميّة له. ولكنني مقتنع أننا الآن في حاجة إلى تعيين العرّابين أكثر من أي وقت مضى. فإننا لا نعيش اليوم في مجتمع أرثوذكسي، ولا في حضارة أرثوذكسية. وإذا كنا ما نزال نعمِّد أولادنا بوجه عام، فإنّ مشكلة إبقائهم في الكنيسة، وتربيتهم وتنشئتهم دينياً، باتت أمراً ملحاً بالفعل. فثمة حاجة إلى أن نُعنى بالأطفال، وخصوصاً عندما (يختفون) من حياة الكنيسة بعد اعتمادهم، بسبب لامبالاة الأهل وإهمالهم. وثمة حاجة إلى تعليم المتحولين إلى الأرثوذكسية تعليماً منظَّماً. وأخيراً هناك حاجة إلى تمتين العلاقة بين المؤسسات التعليمية في الرعية (المدرسة الكنسية، تعليم الراشدين، الخ...) وبين الحياة الأسرارية والليتورجية في الرعية نفسها. وسأعرض هنا بعض الاقتراحات، وهي تحتاج طبعاً إلى مناقشة ودراسة. فإذا وُجد أنها ذات فائدة، وقابلة للتطبيق، فلترفع إلى السلطة الكنسية للموافقة عليها:

أ- يُعَيِّن الكاهنُ واحداً من العرّابين على الأقل، ويختاره من أبناء الرعية العالمين والمهتمين والمثقفين. وتحدّد الكنيسة المؤهلات المطلوبة منه للقيام بهذه المسؤولية الروحية.

ب- تناط بالعراب الذي تعيّنه الكنيسة، مهمةُ العناية بالطفل الذي أوكِل إليه. وعليه إبلاغُ الكاهن بكل المشاكل التي يمكن أن تحصل (إهمال الإتيان به للمشاركة في الأسرار، التخلّف عن تسجيله في المدرسة الكنسية، انتقال عائلته إلى مكان آخر، الخ...).

ج- يُنَظَّم كتابٌ خاص بالمعمودية، ويُضاف إلى سجلات الرعية، وتدوَّن فيه السيرة الدينية لكل معتمد. وهكذا يكون الكاهن الجديد، أو المجموعة الجديدة من المربين الكنسيين، على علم تام بها.

د- تعيّن إحدى العائلات في الرعية كعرّابة لكل متحوّل إلى الكنيسة، لتساعده على الاندماج في حياة الرعية. بالإضافة إلى برنامج منظّم لتعليم المتحوّلين الجدد.

والنقطة الأساسية في كل هذا، أنّ وظيفة العرابين هي وظيفة روحية ذات أهمية كبيرة في الكنيسة. وبالتالي فعلى الكنيسة نفسها، لا العائلة، أن تتحكم بها.

 5- إنَّ (سفر الحياة) هذا كما يسمى في طقسنا الحالي، أو (السفر السماوي) كما دعاه يوحنا الذهبي الفم، أو (سفر الكنيسة) على حد تعبير ثيودوروس الموبسويستي (راجع: J.Daniélou، the Bible and the Liturgy، pp. 19-23) هو بالتحديد ما دعوت، الملاحظة السابقة (الفقرة ج)، إلى إعادة استعماله.

 6- أنظر: فين (Finn) في المرجع المشار إليه سابقاً ص50-51.