رفض الشيطان الذي تليه مباشرةً موافقةُ المسيح،
كانا يحصلان عادةً قبيل المعمودية نفسها، أي يوم
الجمعة العظيمة أو سبت النور
(9)، لأنهما نهاية
فترة التعليم التحضيري وتمامُها، وهما يقامان، حسب
الترتيب الحالي، بعد الاستقسامات:
ثم يأمر الكاهنُ الموعوظَ أنْ يتحوّل نحو الغرب، وهو
عارٍ وحافي القدمين ورافعاً يديه إلى فوق.
|
(... أنْ يتحوّل جهة الغرب...). الغرب هنا يرمز
إلى الظلمة، إنه (جهة) الشيطان
(10) الذي يواجهه
الموعوظ فعلياً، لأنّ الاستقسامات جعلتْه حراً لكي
يرتدّ عنه ويتحدّاه ويرفضه. وهذا التحوّل نحو الغرب هو
فعل حرية، بل أوَّل عمل حرّ للإنسان الذي تحرَّر من
عبودية الشيطان.
(... وهو عارٍ وحافي القدمين ورافعاً يديه إلى فوق...).
يجرَّد الموعوظ من كل ما أخفى عنه مرتبته كعبد وجعله
يظهر وكأنه إنسانٌ حر، فلم يعرف عبوديته وشقاءه وسجنه.
ولكنه يعرف الآن أنه كان أسيراً، (والأسرى
يسيرون عراةً وحفاةَ القدمين)
(11). لقد نحّى
جانباً كلَّ ما أخفى عبوديته للشيطان وستر ملكيَّته
له، وصار (يعرف من أي شر يُخَلَّص وإلى أي صلاح
يُسرع...)
(12). ويداه
المرتفعتان تشيران إلى أنه يستسلم للمسيح، ويريد أن
يصبح عبداً له، ويسعى نحو العبودية التي يقول عنها
الذهبي الفم إنها (تحوِّل العبودية إلى حرية...
وتُخْرِجُ الإنسان من أرضٍ غريبة وتقودُه إلى وطنه:
أورشليم السماوية...)
(13)
ويسأله الكاهن ثلاث مرات:
- أترفض الشيطان وكل أعماله وجميع ملائكته وكل عبادته
وسائر أباطيله (كبريائه)؟
فيجيب الموعوظ (أو العرّاب) ثلاثاً:
- نعم، أرفض الشيطان.
ثم يعيد الكاهن سؤال الموعوظ ثلاث مرات أيضاً:
- أرفضتَ الشيطان؟
وبعد أنْ يجيب الموعوظ (أو عرّابه) ثلاثاً:
- نعم قد رفضتُ الشيطان،
يقول له الكاهن:
- أنفثْ وابصقْ على الشيطان.
|
|
عندما ظهر طقس رفض الشيطان إلى الوجود، كان معناه
واضحاً كل الوضوح بالنسبة إلى الموعوظ وإلى كامل
الجماعة المسيحية على السواء. فقد كانوا يعيشون في
عالم وثني يملأ حياتَه ما يسمى:
Pompa diaboli
أي عبادة الأصنام، والاشتراك في عبادة الإمبراطور،
وعبادة المادة، الخ...
(14). ولم يكن
الموعوظ مدركاً ماهية ما يرفضه وحسب، بل كان واعياً
أيضاً أنّ هذا الرفض يُلْزِمُه بأنْ يسير في (طريق
ضيّق) وأنْ يعيش حياةً صعبة، غير (ممتثلة) لـ(طريقة
حياة) البشر الذين حوله ومتعارضةً معها جذرياً.
|
غير أنّ معنى هذا الرفض أخذ يغيب تدريجياً منذ أنْ صار
العالم (مسيحياً) فاعتبر أنَّه قد توحّد مع الإيمان
المسيحي والعبادة المسيحية. وهكذا أصبح الناس ينظرون
إلى هذا الرفض، وكأنه طقسٌ عفاه الزمن لأنه ينطوي على
مفارقة تاريخية، أو كأنه أمرٌ غريب يجب عدم أخْذِه
بالجدّية اللازمة. فقد اعتاد المسيحيون على النظر إلى
المسيحية كجزء متمِّم للعالم، إلى حدّ أنّ مجرّد
التفكير في وجود توتّر أو خلاف بين إيمانهم المسيحي
والعالم، غائبٌ تماماً عن حياتهم. وعلى رغم انهيار
العوالم والإمبراطوريات والأمم والدولة المسيحية
انهياراً تاعساً، فإنّ الكثيرين من المسيحيين مستمرون
في اعتقادهم بعدم وجود أي خطأ أساسيّ في هذا العالم،
وأنّ بإمكان الإنسان أنْ يقبل بسرور (طريقة حياة)
العالم، وكلّ قيمه و(أولوياته)، وأنْ يتمّم في الوقت
نفسه (مسؤولياته الدينية). وقد ينظر بعضهم إلى الكنيسة
نفسِها وإلى المسيحية ذاتها، على أنهما من الوسائل
التي تساعد في إحراز حياةٍ دنيوية ناجحة وسليمة، وفي
معالجةٍ (روحيةٍ) تزيلُ كلّ توتر وخلاف وتمنح (سلام
الفكر) الذي يضمن النجاح والاستقرار والسعادة. أمّا
مجرد التفكير في أنّ على المسيحي رفضَ شيءٍ ما، وأنّ
هذا الشيء ليس بضعة أفعالٍ يعلم الجميع أنها شريرة
وغيرُ أخلاقية، بل هو قبل كل شيء رؤيةٌ معيّنة للحياة،
ومجموعةُ (أولويات)، وموقفٌ أساسيّ من العالم، وأنّ
الحياة المسيحية هي دائماً (طريق ضيق)، أمّا هذه
الأمور كلُّها فقد تخلينا عنها عملياً، ولم تعدْ من
صلب نظرتنا المسيحية إلى العالم.
والحقيقة الفظيعة، أنَّ معظم المسيحيين لم يعدْ
بإمكانهم أنْ يُعاينوا وجودَ الشيطان وعملَه في هذا
العالم، وفقدوا شهورهم بالحاجة إلى رفض (أعماله
وعبادته). إنهم لا يتبيّون الوثنيةَ الواضحة
(المعشّشة) في أفكار البشر وقيمهم، وهي تقولب حياتهم
وتوجّهها وتستعبدها بشكل يفوق عبادة الأصنام في
الوثنية القديمة. إنهم لا يُبصرون أنّ (الشيطاني) يكمن
بالحقيقة في التزييف والتزوير، وفي جعل كل شيء ينحرف
عن معناه الحقيقي حتى القيم الإيجابية نفسها، وفي
تقديم الأسود على أنّه أبيض أو العكس، وفي الكذب
الماكر الأثيم وفي اللغط. إنهم لا يدركون أنّ المفاهيم
ذات الإيجابية الواضحة، حتى المسيحيةَ منها، كـ(الحرية)
و(التحرير) و(المحبة) و(السعادة) و(النجاح) و(التحصيل)
و(النمو) و(تحقيق الذات)، وهي المفاهيم التي تقولب
الإنسان والمجتمع المعاصرين وتحدّد حوافزهما
وإيديولوجيتهما. لا يدركون أنّ من الممكن أن تنحرف عن
مغزاها الحقيقي لتصبح أداةً لنقل (الشيطاني).
جوهرُ (الشيطاني) هو دائماً الكبرياء
Pompa diadoli
وحقيقة (الإنسان المعاصر)، سواءٌ أكان ممتثلاً للقانون
والأعراف أم ثائراً عليها ورافضاً إياها، تكمن في أنه
أولاً وقبل كل شيء كائنٌ مملوءٌ بالكبرياء وعابدٌ لها
ومسيَّرٌ بواسطتها، لذلك يضعها في أول لائحة قيمه.
|
|
وهكذا يظهر أنّ رفض الشيطان ليس رفضاً لكائن خرافي، قد
لا نعتقد حتى بوجوده، بل هو رفضٌ كاملٌ لـ(نظرة إلى
العالم) مكوَّنةٍ من الكبرياء وإثبات الذات، ورفضٌ
للكبرياء نفسها، لأنها أخذت الحياة البشرية الحقيقية
من الله وحوّلتْها إلى ظلمة وموت وجحيم.
والأمر المؤكَّد أنّ الشيطان لن ينسى الرفض والارتداد
والتحدّي، الكامنة كلها في عبارة: (أنفثْ وابصقْ على
الشيطان). فثمة حربٌ أُعلنتْ، وصراعٌ قد بدأ، وستكون
النتيجة إمّا حياةً أبديةً أو موتاً أبدياً. وهذا هو
مغزى المسيحية! وهذا هو، في النهاية، معنى اختيارنا!
9-
أنظر (التعليم عن المعمودية)، للقديس يوحنا الذهبي
الفم، وفيه:
غداً الجمعة، وفي الساعة التاسعة ستوجّه إليكم أسئلة
معينة وعليكم أن تقدِّموا عهودكم (الرفض والموافقة)
إلى السيد. ولا أذكر ذلك اليوم وتلك الساعة عبثاً،
فإنّ درساً روحياً يمكن أخذه منها. ففي يوم الجمعة
وعند الساعة التاسعة دخل اللص إلى الفردوس، والظلمة
التي دامت من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة
تبدّدت، أمّا النور المنظور بالجسد والفكر فرُفع
ذبيحةً عن كل العالم. ففي تلك الساعة قال المسيح: (يا
أبتاه، في يديك أستودع روحي!). ثم إن الشمس التي نراها
نظرتْ إلى شمس العدل المُشِعِّ من الصليب، وحجبت
أشعتها... (التعليم عن المعمودية 11، 19).
راجع أيضاً كنيسة القسطنطينية في (Codex
Barberini)
ترجمة الأب فين (Finn)
في المرجع المشار إليه، ص 114-118:
يتم رفض الشيطان وموافقة المسيح في الجمعة العظيمة
السابقة للفصح، عندما يجتمع الموعوظون كلهم في الكنيسة
المقدّسة، برئاسة رئيس الأساقفة...
وعن المشاكل المتعلّقة بوقت حصول (الرفض)، راجع الأب
فين (Finn)
في الكتاب نفسه، ص88 وما يليها. وراجع أيضاً:
_A. Wenger،
Jean Chrysostome،
Huit catéchèses baptismales inédites،
Sources Chrétiennes 50،
paris،
1957،
p. 80ff.
10-
أنظر كتاب القديس كيرلس الأورشليمي:
Catech. Mystogog. 1،4،
وفيه:
إنّ الغرب هو منطقة الظلمة المنظورة. والشيطان، الذي
نصيبه الظلمة، يسود عليها. وعندما تتجه رمزياً نحو
الغرب، فإنك ترتدّ عن هذا الطاغية المظلم الغامض.
راجع أيضاً:
_J. Daniélou،
the Bible and the Liturgy،
p. 27ff.
11-
القديس يوحنا الذهبي الفم، (التعليم عن المعمودية) 10،
14.
12-
نفسه 10، 15.
13-
نفسه 10، 15.
14-
عن مسألة (أعمال الشيطان) (pompa
diaboli)
راجع:
_H. Rahner،
(pompa Diaboli) in Zeitschrift für Katholische
Theologie 55 (1931) 239-73;
_J. Warzink،
(pompa Diaboli)
in Virgiliae Christianae 1 (1947) 13 41;
_J. Daniélou،
(Le démon dans la littérature écclésiastique jusau'
à Origéne)،
in M. Viller،
Dictionnaire de la spiritualité 3 (1957) 151-89;
_M. Boismard،
(I Renounce Satan،
his pomps and his Works)،
in (Baptism in the New testament: A Symposium)،
Baltimore،
1904،
pp. 107-14.