وبعد أن يفعل الموعوظ ذلك، يوجِّهه نحو الشرق، ويأمره
أنْ يُخفض يديه إلى أسفل.
(... يوجّهه نحو الشرق...). إذا كان التوجُّهُ نحو
الغرب حين رفض الشيطان يعني مواجهته هو وظلمته، فإنّ
التوجُّه نحو الشرق يعني تحوُّلَ الإنسان نحو الفردوس
المُقام في تلك الجهة، نحو المسيح: نور العالم. وهذا
ما يفسّره القديس كيرللس الأورشليمي: (عندما ترفض
الشيطان بالكلّية وتنقض كلَّ عهدٍ مقام معه، أي تلك
المعاهدة القديمة مع الجحيم، ينفتحُ لك فردوس الله
الذي زرعه باتجاه الشرق، وأقصي عنه أبونا الأول بسبب
خطيئته. وهذا ما يرمز إليه التحوّل من الغرب إلى
الشرق، أي إلى مكان النور) (15).
|
(... خافضاً يديه إلى الأسفل...). معصية الإنسان لله
تُستبدل في تلك اللحظة بالاستسلام والخضوع والسلام.
ولذلك كان الأسقف يخاطب الموعوظ، حسب ترتيب المعمودية
القديم في كنيسة القسطنطينية، قائلاً له: (تحوَّلْ نحو
الشرق، أخْفِضْ يديك وقِفْ بوقار)
(16).
فهنا بالذات يُعلن الإنسان ولاءه للمسيح:
يسأله الكاهن ثلاث مرات:
- أتوافق المسيح؟ (بالإنكليزية: أتتحد بالمسيح؟)
فيجيب الموعوظ (أو عرّابه) ثلاثاً:
- نعم أوافق المسيح. (بالإنكليزية: نعم أتحد بالمسيح)
(... أتوافق المسيح...). اللفظة اليونانية المستعملة
هنا هي: Syntaxis
ومعناها الولاءُ والالتصاق. وهي نقيضُ لفظة:
apostasis
المستعملةُ للرفض، ومعناها الحرفي التخلّي
والاقتراب. فالعبارة تشير إذاً إلى أكثر من اتحاد
نفسي. إنها إعلانٌ عن التصاق شخصيّ بالمسيح وعن انخراط
في صفوف من يخدمونه. وهذا الإعلان يتمّ بشكلٍ يشبه
القَسَم الذي يؤدّيه الجود
(17).
ثم يسأله الكاهن ثلاث مرات أيضاً:
- أوافقتَ المسيح؟ (بالإنكليزية: هل اتحدتَ بالمسيح؟)
فيجيبه الموعوظ (أو عرّابه) ثلاثاً:
- نعم قد وافقتُ المسيح (بالإنكليزية: نعم قد اتحدتُ
بالمسيح).
- وهل تؤمن به؟
- أؤمن به أنه ملك وإله. |
|
يؤخذ هذا القرار أو القَسَم مرةً واحدةً وإلى الأبد،
فلا يُعاد النظر فيه أو تقويمُه (من وقت لآخر)، فـ(ما
من أحد يضع يده على المحراث، ثم يلتفت إلى الوراء،
يصلح لملكوت الله) (لو 62:9). وهذا هو معنى تكرار
السؤال، بالانتقال من صيغة الحاضر (توافق) إلى صيغة
الماضي الكامل (وافقتَ) {في اللغة اليونانية تدل صيغة
(الفعل الكامل) على إتمام الفعل وديمومة فعله وأقرب ما
يعبّر عن هذه الصيغة في اللغة العربية هو الفعل الماضي
الكامل (في العربية أربع صيغ للماضي هي: الكامل
والسابق والأكمل والناقص) (المعرِّب)}.
|
يسمّى هذا القرار بالتعبير المسيحي: إيماناً
(في اليونانية:
Pistis
وفي اللاتينية:
fides).
والإيمان ذو مدلول أعمقَ ممّا يُعطى له اليوم، أي
الموافقة على مجموعة عقائدَ وطروحاتٍ موافقةً فكريةً.
فالإيمان يعني، قبل كل شيء، إخلاصاً والتزاماً
غيرَ مشروطين، وانتماءً كلّياً إلى شخص يجب أن نطيعه
ونتبعه مهما حصل.
لقد اعترف الموعوظ أنه يؤمن بالمسيح ملكاً وإلهاً.
واللقبان ليسا مترادفين، ولا يعبّران عن معنى واحد.
فالاعتقاد أنّ المسيح إلهٌ لا يكفي لوحده، لأنّ
الشياطين نفسها تعتقد ذلك (يعقوب 19:2). أما القبول
بأنه ملك وربٌّ فيعني أنّ ثمة قراراً ورغبةً في أنْ
نتبعه ونقف حياتنا من أجل خدمته، بالعيش حسب وصاياه.
ولهذا فإنّ أقدم اعترافٍ مسيحي كان الاعتراف بأنّ
المسيح هو الربّ (kyrios).
ولفظة (كيريوس) كانت تعني، في اللغة الدينية والسياسية
لذلك العصر، قوة فعلية وكليّة تتطلّب طاعةً غيرَ
مشروطة. وما اضطهاد المسيحيين وتسليمهم إلى الموت،
إلاّ نتيجة لرفضهم مناداة الإمبراطور الروماني بلفظة
(كيريوس).
(أنت وحدك الرب): هكذا تُعلن إحدى أقدم الترنيمات
المسيحية، أي المجدلة الكبرى التي نرتلها صباح كلّ يوم
دون أن ندرك ما تحويه من تحدٍ لكل القوات الأرضية
(والأرباب). فالاعتراف بأنّ المسيح ملكٌ لا يعني أنّ
الملكوت الذي أعلنه ودشنه بنفسه يخصُّ المستقبل
البعيد، (الما بعد) وحده، وأنه بالتالي لا يتعارض أو
يتناقض مع (ممالكنا) الأرضية الأخرى وولاءاتنا
المختلفة. فالواقع أننا ننتمي إلى الملكوت هنا
والآن، وننتمي إليه ونخدمه قبل كلِّ (الممالك)
الأخرى. فانتمائنا وولاؤنا لأي شيء في (هذا العالم)-
سواءٌ للدولة أو الأمة أو العائلة أو الحضارة أو أية
(قيمة) أخرى – ليس مُلْزِماً لنا إلاّ بمقدار ما يكونُ
غيرَ متناقض وغيرَ مشوِّهٍ لولائنا الأول ولالتصاقنا (Syntaxis)
بملكوت المسيح. وعلى ضوءِ هذا الملكوت لا يمكن لأي
أمرٍ آخر أن يُطالب بولائنا المطلق له، ولا يمكن لأي
ولاءٍ آخر أنْ يكون (سيِّدَ) حياتِنا. وإنه لأمر هام
جداً أنْ نتذكّر هذه الحقيقة الآن، أي في الوقت الذي
صار المسيحيون يشاركون (العالم) في إطلاق صفة المطلق
على قيمهم الأرضية – الوطنية والعرقية والسياسية
والحضارية – وفي جعلها مقياسَ إيمانهم المسيحي، بدل
إخضاعها للقَسَم الوحيد المطلق: القَسَم الذي أَدُّوه
يومَ معموديتهم (وانخراطهم) في صفوف أولئك الذين
يؤمنون أنّ المسيح هو ملكهم وربهم الوحيد.
15-
القديس كيرلس الأورشليمي (Catech. Mystogog. 1،
9) وراجع أيضاً:
|
|
_J. Daniélou،
the Bible and the Liturgy،
p. 32;
_J. Daniélou،
From Shadows to Reality،
Engl. Tr. W. Hibberd،
London،
1960،
pp. 22-29 and 57-65.
16- الأب فين (Finn)
في المرجع المشار إليه آنفاً، ص 116.
17- يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
بعد
عهدَيّ الرفض والموافقة، وبعد أن تعترف بسيادة المسيح،
وتُلصق نفسك به، عن طريق الكلمات التي تفوهتَ بها...
يمسحك الكاهن (التعليم عن المعمودية 2، 21).
أمّا
عن مسألة القَسَم العسكريّ فراجع ملاحظات ب. هاركينز (P.
Harkins)
في ترجمته الإنكليزية لكتاب الذهبي الفم (التعليم عن
المعمودية)، وهي الترجمة المنشورة في سلسلة (الكتّاب
المسيحيون القدماء) العدد 3، ص214، الملاحظة 3.