بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الأول: التهيئة للمعمودية
و- الاعتراف بالإيمان

ويتلو الموعوظ دستور الإيمان.

المقصود هنا قانون الإيمان النيقاوي – القسطنطيني، أي قانون الإيمان الذي تبنّاه المجمع المسكوني الأول في نيقية (325)، وأَتمَّه المجمع الثاني في القسطنطينية (381)، فصار دستور إيمان الكنيسة العام، إلاَّ أنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ قوانين الإيمان ظهرتْ واستُعملتْ أولاً في نطاق التهيئة للمعمودية، وكانت ملخصاً للتعليم المعطى يومياً إلى (المزمعين أنْ يتعمّدوا) خلال الأسابيع السبعة السابقة للاحتفال الفصحي بالمعمودية  (18). وأهم أقسامه تعليم العقيدة والأسرار، أي تفسير (الأسرار) الليتورجية، وكان هذا التعليم يدعى: Traditio Symboli بمعنى تسليم إيمان الكنيسة وحياتها للموعوظين، ويبدأ في الأيام الأولى من الصوم الكبير وينتهي يوم الجمعة العظيمة برفض الشيطان وموافقة المسيح والـRedditio Symboli (19): أي قيام الموعوظ بقراءة دستور الإيمان بإجلال، تعبيراً عن صيرورته مؤمناً. وهكذا يكون قد أعاد للكنيسة، التي يوشك أن يصير عضواً فيها، ما أعطته إيّاه في فترة التهيئة. ومنذ ذلك الحين يتحوّل الاعتراف بـ المسيح إلى معرفة لـ المسيح، وتتحوّل الحقيقة التي تحفظها الكنيسة في تقليدها إلى إيمان وحياة يعيشها عضو الكنيسة الجديد. ولهذا السبب فإنّ جماعة المصلّين ما تزال حتى اليوم تتلو قانون الإيمان مستهلّةً إياهُ بلفظة (أؤمن) دون لفظة (نؤمن). صحيح أنّ الكنيسة جسدٌ، وجسمٌ حي، لكنه جسدٌ مكوّن من أشخاص ومن التزامات شخصية. فالإيمان يُعطى لكل عضوٍ بمفرده، وكلُّ عضو مسؤول عن الإيمان بكامله. وكلُّ شيء في هذا الإيمان المشترك وغير المتحوِّل يجب أنْ يمتلكه كلُّ إنسان بشكل شخصي، وأنْ يكون القوةَ التي تحوِّل الإنسان الفرد.

وبعد أنْ ينتهي من تلاوة الإيمان يسأله الكاهن ثلاث مرات:

- أوافقتَ المسيح؟ (هلا اتحدتَ بالمسيح؟)

فيجيبه الموعوظ (أو عرّابه) ثلاثاً:

- نعم، قد وافقتُ المسيح. (نعم، قد اتحدتُ بالمسيح).

- فاسجدْ له.

ويسجد قائلاً:

- أسجدُ للآب والابن والروح القدس، الثالوث المتساوي في الجوهر وغير المنقسم.

لقد (خُتِمَ) رفض الشيطان بالنفث والبصق عليه. أمّا موافقة المسيح فـ(تُخْتَم) بالسجود للثالوث المقدّس. منذ أقدم الأزمنة يرمز (السجود) (الانحناء) بشكل عامّ إلى التبجيل والمحبة والطاعة. لكننا نُعلَّم اليوم أنّ كرامة الإنسان وحريّته تكمنان، تحديداً، في عدم الانحناء والسجود أمام أيٍ كان أو لأي كان، أي في أنْ يثبت الإنسان لنفسه باستمرار أنه سيّدُها الوحيد. ولكن، كم تبدو هذه (الكرامة) وتلك (الحرية) تاعستين وتافهتين! وأية صورة كاريكاتورية للإنسان يحملها هذا الشخص الصغير – المعبود، الذي تمدحه (حضارتنا) وتتملّقه، فيظن أنّه يحقّق ذاته بالعجرفة والاكتفاء الذاتي والتفاخر والإعجاب بالنفس. وكم يكونون نبلاء حقاً، وإنسانيين حقاً، وأحراراً حقاً أولئك الذين ما زالوا يعرفون ما يعنيه السجود (الانحناء) أمام العليّ، القدوس الحقيقي والجميل ويدركون معنى التبجيل والاحترام، ويعرفون أنّ السجود أمام الله هو الشرط الحقيقي للحرية والكرامة، وأنّ المسيح هو الإنسان الوحيد الذي حقق الحرية الحقيقية، لأنه أطاع أباه حتى النهاية، فلم يفعل إلاّ مشيئة الآب، لقد كان الانخراط في الكنيسة يعني دائماً الدخول في طاعة المسيح، والحصول على حرية الإنسان الإلهية في هذه الطاعة بالذات.

(... الثالوث المتساوي في الجوهر وغير المنقسم...). معرفة المسيح هي معرفة أبيه وروحِ قدسه، أي معرفة الله كثالوث. وهنا بالذات يكمن ملءُ المعرفة ومحتوى الحياة الأبدية. ومن المهم أنْ نتذكَّر هذا الأمر اليوم، لأننا أصبحنا في زمن راح الناس فيه يجعلون (المسيح) رمزاً وعنواناً لقيمهم وتطلعاتهم واختياراتهم هم، أي لكل ما هو (إنساني) و(إنساني) أكثر من اللزوم، ويختزلون (يسوع) إلى مستوى عاداتهم ومشاعرهم العابرة.

فلنعترفْ، وبحزم، أنّ (نهضةَ) الدين لن تحصل، ما لم تكن (نهضةً) لدين المسيح نفسه، أي دين الله الآب، الذي هو ابنه، والروح القدس، الذي يرسله من عند الآب؛ وما لم تكن عودةً إلى (سر الأسرار) وإلى الإعلان الذي يتجاوز كل إعلان، وإلى عطية كل العطايا وفرح الأفراح: أي الإله المثلّث الأقانيم، والثالوث المقدّس الخالق الحياة والمتساوي في الجوهر وغير المنقسم.

وهكذا نصل إلى نهاية فترة التهيئة، فقد صار كل شيء جاهزاً للعمل العظيم: أي فعل الموت والقيامة على (شبه) موت المسيح وقامته.

يعلن الكاهن:

تبارك الله الذي شاء أنَّ الكل يخلُصون وإلى معرفة الحق يقبلون....

ثم يختم:

أيها السيد الرب إلهنا، أدعُ عبدك هذا إلى نورك المقدّس. وأَهِّلْه لعظيم نعمة معموديتك المقدّسة، وانزعْ عنه العتاقة. جدّدْه للحياة الأبدية واملأه من قوة روحك القدوس، لاتحاد مسيحك، لكي لا يكون فيما بعد ابناً للجسد بل ابناً لملكوتك، بمسرة ونعمة ابنك الوحيد، الذي أنت معه مبارك، ومع روحك الكلي قدسه، الصالح والمحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين، آمين.

 

 


 18- حول مسألة أصل دستور الإيمان وتطوّره في البداية، راجع:

_J. Kelly، Early Christian Creeds، ed. 2; London، 1960;

_V. Neufeld، the Earliest Christian Confessions، London، 1963;

_J. Jungmann، Handing on the Faith، Engl. tr، by A. Fuerst، ed. 2، New york، 1959.

 19- حول مسألة (قراءة دستور الإيمان) (redittio symboli)، راجع ج. كيلي (J.Kelly) في المرجع المشار إليه آنفاً، ص 32- 37؛ وراجع أيضاً الأب فين (Finn) في المرجع المشار إليه آنفاً، ص 110.