بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثاني: المعمودية
أ- سر الماء

تبدأ خدمة المعمودية المقدّسة، كما وردتْ في كتبنا الليتورجية، بالتعليمات التالية:

يدخل الكاهن إلى الهيكل، ويرتدي حلَّة كهنوتية بيضاء اللون وأكماماً. وعندما يوقد جميعُ الحاضرين الشموع التي بأيديهم، يتناول الكاهن المبخرة، ويبخر حول جرن المعمودية. ثم يدفع المبخرة إلى القندلفت ويسجد...

كم هو عدد الناس الذين يدركون اليوم أنّ هذه التعليمات هي كل ما تبقى من أعظم احتفال مهيب كانت تقيمه الكنيسة الأولى: الاحتفال الفصحي بالمعمودية، والاحتفال المعمودي بالفصح (1)؟ ونحن نكرّر هذا الكلام الآن، لأنّ الطابع الفصحي للمعمودية – أي العلاقة بين الفصح والمعمودية – سيبقى المدخل إلى فهم سر المعمودية، بل إلى فهم كامل الإيمان المسيحي نفسه، على الرغم من أنّ إعادة توحيد المعمودية والفصح قد تبدو مستحيلة اليوم. غير أنّ التعليمات الأولى تذكِّرنا بوجوب المحافظة على الطابع الفصحي للمعمودية. وهذا يعني، بادئ ذي بدء، أنْ تحتفل الكنيسة كلُّها بالمعمودية، أي أن يشترك فيها شعبُ الله ويحتفلَ بها على أنها حدثٌ تؤمن الكنيسة كلُّها أنه فصحٌ، أي عبورٌ من (هذا العالم) إلى ملكوت الله، واشترك في الحدثين الحاسمين: موتِ المسيح وقيامته. فالاحتفال الصحيح بالمعمودية هو المصدر أو النقطة التي يجب أن يبدأ منها كل تجديد ليتورجي أو (نهضةٍ) ليتورجية. فهنا بالذات تُظِهر الكنيسة طبيعتها وتجدّد نفسها باستمرار، بوصفها جماعة المعتمدين. وعلى ضوء هذه الوظيفة الأساسية للمعمودية – أي التجديد الدائم للكنيسة – يظهر كم أنّ احتفالاتنا القصيرة و(الخاصة) بالمعمودية غير وافية، إلى حد اعتبارها خطأً ليتورجياً. فهي محرومة من كل مظاهر الإجلال، ومقامةٌ في غياب الكنيسة ومختَزَلةٌ إلى (الحد الأدنى). فلنتذكرْ إذاً، أننا عندما تُقام المعمودية نجد أنفسنا – روحياً على الأقل – في عشية الفصح، في ملء نهاية (السبت) العظيم المقدّس، وفي ملء بداية تلك الليلة الفريدة التي تجعلنا كل سنة ندخل حقاً إلى ملكوت الله.

تبدأ المعمودية بتقديس للماء مهيب. إلاّ أنّ انحطاطنا الليتورجي صار عميقاً إلى حدّ أنَّ بعض الكهنة يحذفون هذا التقديس بكل بساطة. فلماذا يقومون بهذا الطقس الطويل نسبياً، إذا كان بإمكانهم، بكل سهولة، أن يسكبوا في جرن المعمودية بضع قطرات من (الماء المقدّس) سابقاً، وهكذا يلبّون رغبة الذين يطالبون بـ (خدم أقصر)؟ حتى إنّ بعض الكنائس قد استغنتْ عن الجرن نفسه، لذلك تقام الخدمة فيها برش الطفل ببعض قطرات (ضرورية وكافية) من (الماء المقدّس). وهكذا يصبح الشخص مسيحياً، أي عضواً في جسد المسيح، وإناءً مكرّساً للروح القدس ومواطناً مرافقاً للقديسين، في عشر دقائق فقط! ولا يبقى سوى إصدار شهادة المعمودية. فلا عجب إذاً في أنَّ المزيد من الناس أصبحوا يرون أنّ الكنيسة وطقوسها كلَّها - لا المعمودية وحدها - هي أمور (غيرُ مفهومة) وقد (عفاها الزمن) ولم تعد لها (أية صلة بحياتنا). لذلك (ينسحبون) ويفتشون في مكان آخر عن الغذاء الروحي الذي لا يستطيع الإنسان أنْ يعيش من دونه.

يجب أنْ ندرك تماماً أنّ الماء نفسه هو الذي يكشف لنا معنى المعمودية، وأنّ هذا الكشف يحصل في تقديس الماء بالذات. فتقديس الماء ليس بداية سرّ المعمودية وحسب، بل هو وحده الذي يكشف أبعاد هذا السر كلها، ومحتواه الكوني وعمقه. وبكلام آخر، إنّ تقديس الماء هو الذي يوضح صلة المعمودية بحياتنا، لأنّه يكشف علاقتها بالعالم والمادة والحياة في كافة مظاهرها. وإذا كانت المعمودية تظهر اليوم - حتى في كتيّباتنا اللاهوتية - كما لو أنها عمل سحري تقريباً، وإذا كانت قد امتنعتْ عن كونها مصدر الليتورجيا والتقوى و(نقطة ارتكازهما) الدائمة، فلأنها قد فُصلتْ عن (سر الماء)، الذي يعطيها فحواها الحقيقية ومعناها. فيجب، إذاً، أنْ نبدأ تفسيرنا انطلاقاً من سر الماء نفسه.

لا شك في أنّ الماء هو أحد أقدم الرموز الدينية وأعمُّها(2). وبالمنظار المسيحي، ثمة ثلاثة أبعاد أساسية ومهمة لهذا الرمز. ويمكن تسمية البعد الأول بـ(الكوني). فلا وجود للحياة من دون ماء، ولهذا السبب ربط الإنسان (البدائي) الماء بمبدأ الحياة، ورأى فيه العنصر الأوّلي (prime essentia) للعالم: (... وكان روحُ الله يرف على وجه المياه) (تك2:1) {المقاطع الكتابية مأخوذة من (الكتاب المقدّس) منشورات المطبعة الكاثوليكية – 1968}. ولكن، إذا كان الماء يعكس العالم ويرمز إليه، بصفته كوناً وحياةً، فهو أيضاً رمزٌ للدمار والموت. إنه العمق الغامض الذي يقتل ويمحق، ومسكنُ القوات الشيطانية المظلم، وصورةُ كل ما هو غير عقلاني وغير مضبوط في العالم. هو مبدأ الحياة، لأنه قوة تعطي الحياة، ومبدأ الموت لأنه قوة تدمّر: هكذا كان الحَدْس في الماء بالمنظار الديني للإنسان، وهو حَدْسٌ ملتبسٌ في الأساس. أمّا البعد الثالث لهذا الرمز فهو يكمن في أنّ الماء مبدأُ تطهير ونظافةٍ، أي مبدأُ تجدُّدٍ وتجديد، لأنه يغسل ويزيل الأوساخ ويعيد للأرض نقاوتها الأصلية.

هذا الرمز الديني الأساسيّ، وهو رمز متجذّرٌ في صفات الماء الطبيعية والبديهية، نجده بوضوح في الكتاب المقدّس، أي في قصة الخلق والسقوط والخلاص كلها. فالماءُ موجود (في البدء)، في أول إصحاحٍ من سفر التكوين الذي يمثِّل الخليقة كلها، و(الكون) الذي يفرح به الخالق، لأنه انعكاسٌ لله وإشادة بمجده. والماء موجود أيضاً في قصة الطوفان وفي قصة إبادة فرعون وعرباته تحت أمواج البحر الأحمر، ولكنه يرمز هنا إلى الغضب والدينونة والموت. أمّا في معمودية يوحنا، ونزول المسيح إلى نهر الأردن، ووصيته الأخيرة للتلاميذ: (اذهبوا وعمِّدوا...)(3)، فإنّ الماء هو وسيلة للتطهّر والتوبة والغفران.

وهكذا فإنّ سائر الأبعاد الأساسية للإيمان المسيحي وفحواه كلها: أي الخلق والسقوط والفداء، الحياة والموت ثم القيامة والحياة الأبدية، تتوحّد و(تتماسك) في هذا الرمز الواحد بسبب من حاجتها الداخلية المتبادلة، ومن وحدتها الداخلية. والحقيقة أنّ المعنى الأوَّل والأساسيّ لهذا الرمز وقوّتَه كامنان في أنه يجعل الأشياء (تتماسك)، فهو يجمع (لفظة رمز في اليونانية symbolon، مأخوذة من الفعل symballo ومعناها الحرفي: يجمع معاً) ما كان مكسوراً ومشوَّهاً وموضوعاً في غير مكانه(4). فإذا نظرنا إلى تقديس الماء بهذا المنظار، لا يبقى كما نفهمه في معظم الأحيان، أي طقساً تمهيدياً واختيارياً يهدف إلى إنتاج (مادة السر)، بل يعود كما كان منذ البدء، أي ظهوراً وإعلاناً لمعنى المعمودية الحقيقي، بوصفها فعلاً كونياً وكَنَسيّاً وأُخروياً. المعمودية فعلٌ كونيّ لأنها سرُ الخليقة الجديدة، وفعلٌ كنسي لأنها سر الكنيسة، وفعل أخروي لأنها سر الملكوت. وبهذا المدخل إلى سر الماء نستطيع أن نفهم لماذا يجب أن نغطِّس الإنسان في الماء حتى يخلُص.

 

 


 1- من الأمور الدالَّة على حالتنا الراهنة، أنَّ كل المحاولات الهادفة إلى جعل الاحتفال بالمعمودية احتفالاً ليتورجياً كاملاً، تُقابَل بالمعارضة الصريحة (لأنها تشكِّك المؤمنين!)، في حين أنّ عدم التقيّد بالتعليمات الليتورجية الصريحة يُعتبر أمراً طبيعياً. وهذا واضح تماماً بالنسبة إلى هذه التعليمات الأساسية، والتي طالما بقيتْ محفوظة في كتبنا الليتورجية، فهي تدين احتفالاتنا (الخاصة) بالمعمودية، وتظهر أنها مخالفةٌ كلياً لتقليد الكنيسة الليتورجي.

 2- حول معنى الماء الديني ورمزيته، راجع:

_G. Van der Leeuw، Religion in Essence and Manifestation، Harper Torchbooks، New York، 1963;

_M. Eliade، the Sacred and the profane: the Nature of religion، Harper Torchbooks، New York، 1961;

_M. Eliade، patterns in Comparative in Religion، Engl. tr. Meridian Books، Clevland، 1963.

عن المسيحية الأولى، راجع:

_H. Rahner، (the Christian Mystery and the pagan Mysteries) in the Mysteries، papers from the Eranos Yearbooks II، New York، 1955;

_A.D. Nock، (Hellenistic Mysteries and Christian Sacrements) in Mnemosyne Series 4،5 (1952).

عن المعمودية المسيحية واستعمال الماء عند جماعة الآسانيين، راجع:

_K. Stendhal، ed.، the Scrolls and the New Testament، New York، 1957;

_J. Daniélou، primitive Christian Symbols، Baltimore، 1964.

 3- من أجل دراسة مفصلة عن هذه (الرمزية الثلاثية)، راجع:

_per Lundberg، La typologie baptismale dans L'ancienne Eglise، Uppsala، 1942;

_J. Daniélou، the Bible and the Liturgy.

 4- عن معنى الرمزية في الأسرار، راجع مقالة المؤلف:

(Sacrement and symbol) in (For the World)، St. Vladimir's Seminery press، Crestwood، N.Y.، rev. ed. 1973.