بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثاني: المعمودية
ج - صلاة الكاهن من أجل نفسه

يصلّي الكاهن الآن من أجل نفسه:

أيها الإله المتحنّن الرحيم، الفاحص القلوب والكلى، والعالم وحدك خفايا البشر... أيها العارف بكل أحوالي، لا ترذلْني ولا تصرفْ وجهك عني، بل أعرضْ عن زلاّتي في هذه الساعة، يا من يعرض عن خطايا الناس بالتوبة. واغسلْ وسخ جسدي ودنس نفسي. وقدّسْني بجملتي بقوّتك غير المنظورة ويمينك الروحية، حتى لا أعد آخرين بالحرية وأمنحهم إياها بالإيمان المتعلّق بمحبتك للبشر غير الموصوفة، وأنا أكون كعبد للخطيئة غير مختبر. فيا أيها السيد الصالح والمحبّ البشر وحدك لا تردّني خائباً مخذولاً بل أرسل لي قوة من العلاء، وقوّني على خدمة سرّك هذا، الحاضر والعظيم والسماوي. وصوِّرْ مسيحك في من هو مزمع أنْ يولد ثانية على يد حقارتي، وابنِه على أساس الرسل والأنبياء، ولا تهدمْه (حتى لا يسقط) بل اغرسْه غرسة حق في كنيستك المقدّسة الجامعة الرسولية. ولا تستأصلْه حتى إذا نجح في حسن العبادة يُمجَّد به أيضاً اسمك الكلّي قدسه...

هذه الصلاة مهمّة لأنها تشجب وتصحِّح المَيْلَ إلى فهم الأسرار وكأنها تتمُّ بشكلٍ (سحريّ)، وهو ميلٌ منتشر بين الأرثوذكسيين. وكثيراً ما يُتَغاضى عن خطره الروحيّ وعواقبه على حياة الكنيسة. نحن نعرف، بحسب تعليم الكنيسة، أنّ سريان مفعول الأسرار لا يتوقف مطلقاً على قداسة الذين يقومون بها أو عدم قداستهم. وهذا ما يجعلنا تدريجياً، ننظر إلى الأسرار من منطلق (سريان مفعولها) ونقصر تحديدنا لها على هذا الأمر وحده، كأنْ ليس فيها شيء آخر (يهمّنا). ولكنّ النقطة الأساسية تكمن في أنّ الكنيسة لا تفصل سريان المفعول عن الملء والكمال. (سريان المفعول) ليس سوى شرطٍ للتحقيق، وما (يهمّنا) حقاً هو هذا التحقيق بالذات. إنّ معمودية شخص مثل ستالين كانت (سارية المفعول) كلّياً على الأرجح، فلماذا لم تتحقّق في حياته؟ ولماذا لم تمنعه من أنْ يهوي إلى ممارسة حقد لا يُصَدَّق؟ هذا السؤال ليس ساذجاً. فإذا كان الملايين من الناس، وهم معمَّدون بشكلٍ شرعيّ، قد تركوا الكنيسة وما زالوا يتركونها، وإذا كانت المعمودية تظهر وكأنْ لا تأثيرَ لها عليهم، أفلا يكون هذا، قبلَ أي شيء آخر، بسببنا نحن، بسبب ضعفنا ونواقصنا واكتفائنا بالحدّ الأدنى وبأسماء الأشياء، وبسبب خيانتنا الدائمة للمعمودية؟ أليس هذا الانهيار الكبير في مستوى حياة الكنيسة، واختزالها إلى بضعة (واجبات) هو الذي جعلها تتوقف عن أنْ تكون انعكاساً ونقلاً لقوة التجديد والقداسة؟ وهذا الأمر ينطبق قبل كل شيء على الكهنوت، وعلى الكهنة الذين يقيمون أسرار الكنيسة. فإذا لم يكن الكاهن صورةً للمسيح (في الكلام وفي السيرة وفي التعليم) (1تيمو12:4)، فأين سيرى الإنسان المسيح؟ وكيف سيتبعه؟

إنّ اختزال الأسرار إلى قاعدة (سريان المفعول) وحسب، يقدِّم صورةً مشوّهة عن تعليم المسيح. فالمسيح لم يأتِ إلى العالم حتى نقوم نحن بأسرارٍ (سارية المفعول)، ولكنه أعطانا أسراراً ساريةَ المفعول حتى (نحقّق) أنفسنا، بوصفنا أبناءً للنور وشهوداً لملكوته.

إنّ صلاة الكاهن (من أجل نفسه) تذكِّنا بهذه المسؤولية الرهيبة، وبحاجة كل منا إلى الآخر من أجل النمو الروحاني و(التحقّق). هذه الصلاة تظهر أنّ المعمودية ليست (غاية بذاتها)، بل بدءُ عمليةٍ ستقوم فيها الجماعة كلها، وخاصةً الراعي، بدورٍ حاسم. وهذه العملية هي (خلق صورة المسيح) في المعتمِد الجديد، و(بناؤه على أساس الرسل والأنبياء)، ومساعدته لكي (ينجح في حسن العبادة) و(لا يسقط).

قلنا إنّ الكنيسة كلّها كانت تهيئ نفسها للمعمودية، وليس المرشَّح لها وحده. فالكنيسة تعلَم أنها بقبولها عضواً جديداً فيها، إنما تقبل مسؤولية خلاصه الأبدي. وما سمعناه في بدء الفعل الأسراري (صلاة الكاهن من أجل نفسه) يدور كله على هذه المسؤولية بالذات.