بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثاني: المعمودية
د – (وأظهرْ هذا الماء ...)

لقد أصبحنا الآن على أتمّ الاستعداد. وهنا يقف الكاهن أمام الماء، كأنه يواجه الكون بكامله يوم الخلق، مثل أوّل إنسان فتح عينيه فرأى مجدَ الله وما فعله الله (في المسيح) من أجل فدائنا وخلاصنا. ثم يعلن:

عظيم أنت يا ربّ، وعجيبة أفعالك، وليس من قول يفي بتسبيح عجائبك...!

يمكن اعتبار صلاة تقديس الماء وتكريسه صلاة شكر (6). فهي فعلُ تسبيح وشكر مهيب، فعلُ عبادة يخاطب فيه الإنسان الله بالنيابة عن العالم كلِّه. والشكر والعبادة هما اللذان يعودان بنا إلى البدء، ويجعلاننا بالفعل شهوداً للخلق. فالشكر هو الفعل الأساسي الأوَّل بالنسبة إلى الإنسان، لأنه الفعل الذي به يحقّق نفسه كإنسان. من يقدِّم الشكر لا يبقى عبداً، فلا مكان للخوف والقلق والحسد في العبادة. بتقديم الشكر لله يعود الإنسان حراً من جديد، حراً في علاقته بالله، حراً في علاقته بالعالم.

لأنك أنتَ الذي بمشيئتك أبرزتَ جميع الأشياء من العدم إلى الوجود، وبعزّتك تضبط الخليقة، وبعنايتك تسوس العالم. أنتَ الذي نظمتَ الخليقة من أربعة عناصر وكلّلتَ دَوْرَ السنة بأربعة فصول. منك ترتجف القوات العقلية. لك تسبّح الشمس. لك يمجّد القمر. لك تخضع النجوم. لك يطيع النور. منك ترتعد اللجج. لك تتعبّد الينابيع. أنتَ بسطتَ السماء كالخيمة. أنتَ ثبتَّ الأرض على المياه. أنتَ أحطتَ البحر بالرمل. أنتَ سكبت الهواء للاستنشاق. إياك تخدم القوات الملائكية. لك تسجد مصاف رؤساء الملائكة. الشاروبيم الكثيرو الأعين والسيرافيم ذوو الستة الأجنحة المنتصبون لديك والطائرون حولك، يحتجبون خوفاً من مجدك الذي لا يُدنى منه...

هذه هي المقدّمة التي تشبه مثيلتها في صلاة الشكر من أجل الخبز والخمر. ولفظة مقدمة باللاتينية (praefactio) تعني حرفياً: الأساس، البدء، الشيء الذي تتعلّق به كل الأشياء الأخرى، الأمر الذي (يجعل) كل ما يليه (ممكناً). والحقيقة أنّ هذا الشكر هو الذي يعيدنا إلى الجنة، لأنه يعيد إلينا مبدأ وجودنا وحياتنا ومعرفتنا وجوهرها نفسه.

ثم يتابع الكاهن:

... لأنك وأنت إله أزلي غير محصور وغير موصوف قد أتيتَ إلى الأرض وأخذتَ صورة عبد صائراً في شبه البشر. لأنك أيها السيد لم تحتمل، لأجل عواطف مراحِمك، أنْ تعاين جنس البشر معذّباً من الشيطان، فأتيتَ وخلّصتنا. فنعترف بالنعمة ونكرز بالرحمة ولا نخفي الإحسان. أنتَ الذي حرّرتَ أولاد طبيعتنا وقدّستَ الحشا البتولي بمولدك، فكل الخليقة قد سبّحتْك حيثما ظهرتَ، لأنك أنتَ إلهنا قد ظهرتَ على الأرضِ وتردّدتَ بين الناس. أنت أيضاً قدّستَ مجاري الأردن إذا أرسلتَ عليها من السماء روحَك الكليَّ قدسُه وسحقتَ رؤوس التنانين المعشّشة فيها...

ننتقل من المقدّمة إلى التذكُر (anamnesis) أي إعادة الأحداث الخلاصية التي بواسطتها أعاد الله الطبيعة البشرية إلى ما كانت عليه، فخلَّص العالم وأظهر ملكوته للملأ. لقد رفض الإنسان الحياة كما أعطاها الله له، وبخطيئته أدخل الخطيئة إلى (عذاب الشيطان) (لها)، أي إلى التمزّق والموت، فحلَّت الظلمة محل النور. ولكنّ الله لم ينسَ الإنسان، فأتى هو نفسه، في المسيح، ليخلِّص ويستعيد ويعيد الخلق. وحدث الأحداث هذا – أي تأنُّس الله – هو ما يتذكّره الإنسان. وهذا التذكّر، أي معرفة المسيح وقبوله والإيمان به والشركة معه، هو الذي يكوِّن الخلاص. إننا نخلُص بالاعتراف بالمسيح، بإعلان رحمته، بعدم إخفاء إحساناته، وبعبارة أخرى، بجعل حياتنا كلها استجابة له. وباستجابة الإنسان تستعيد الخليقة نفْسَها بوصفها تمجيداً لله ووسيلةً لتجلّيه وظهوره. لقد جعلتْ سقطةُ الإنسان ماءَ الخليقة مظلماً وملوّثاً ورمزاً للموت والاضطهاد الشيطاني، لكنه يظهر الآن ماءً (أردنياً) وبدءاً لإعادة الخلق وللخلاص. فالروح القدس، مُعطي الحياة، الذي (رفّ على وجه المياه) في البدء، يحلّ ثانيةً عليها، فتظهر هي – والعالم من خلالها – كما كان القصد من الخلق، أي أنْ تكون حياةُ الإنسان شركةً مع الله. وهكذا يبدأ زمن الخلاص مجدّداً، ونكون نحن شهوداً لهذا البدء ومشاركين فيه. وهذا، بالضبط، ما نشكر الله من أجله.

إنّ جوهر الكنيسة ووظيفتها يكمنان في إظهار هذا البدء وتحقيقه دائماً وفي كل مكان، وفي إعادة خلق الإنسان – في المسيح والروح القدس -، عن طريق إعادة خلق العالم من أجله – في المسيح والروح القدس أيضاً -:

... فأنتَ إذاً أيها الملك المحبّ البشر، احضرْ الآن بحلول روح قدسك وقدّسْ هذا الماء، وامنحْه نعمة الفداء وبركة الأردن. اجعله ينبوعاً لعدم الفساد وموهبةً للتقديس وفداءً للخطايا وإكسيراً للأمراض ومبيداً للشياطين، وغيرَ مقتَرَب إليه من القوات المضادة، ومملوءاً قوةً ملائكية. ليهرب منه الذين يتآمرون على خليقتك. لأننا يا رب قد دعونا اسمك العجيب المجيد الذي يخيف معاندينا.

بعد التذكّر تأتي الاستحالة (epiclesis)، أي استدعاء الروح القدس، الذي يستطيع وحده أنْ يملأ ما نطلبه ونرتجيه بالقوة فيجعله حقيقة. الروح القدس الذي يتمِّم إيماننا ويحقّقُ رموزنا ويعطي (نعمةً فوق نعمة)، ويجعل في الماء كل ما يمكن أنْ يُظهر الماءُ ماهيَّتَه (7).

ثم يرسم الكاهن على الماء (بتغطيس أصابع يمينه فيه) شكل صليب، ثلاث مرات. وينفخ فيه ثلاث مرات أيضاً، وهو يقول في كل مرة:

- لتنسحقْ تحت علامة رسم صليبك جميعُ القوات المضادة!

عرفنا أنّ الخلاص واستعادة الأصل يبدآن بالتحرير، أي بإخراج الشياطين. وقد تمَّ أولاً إخراج الشياطين من المتقدّم إلى المعمودية، أمّا الآن فإننا نُخرجها من الماء، أي من رمز حاجة الإنسان إلى العالم، وعبوديته للقوات الشيطانية (8):

(يا رب) فلتنصرفْ عنا هاربة جميعُ الخيالات غيرُ الظاهرة التي في الهواء، ولا يختفِ في هذا الماء شيطانٌ مظلم. ونطلب إليك أنْ لا ينزل مع المعتمد فيه روحٌ شرير يظلم الفكر ويقلق العقل...

هذه الكلمات ليست بقايا خرافة عفاها الزمن وفقدتْ كلَّ صلة بنا. فالمادة، بالمنظار المسيحي للعالم، ليست محايدةً أبداً. لأنها إذا لم (تُربط بالله)، أي إذا لم يُنظر إليها وتُستعمل بمثابة وسيلة للشركة معه والحياة فيه، تصبح حاملةً لما هو (شيطاني)، بل مكانَ وجوده بالذات. وليس من قبيل الصدفة أنّ رفضَ الله والدين في عصرنا قد تبلورَ في المبدأ القاتل بالمادّية، وبأنّ المادة هي (الحقيقة) العلمية المطلقة، وأن لا بدَّ من خوض حربٍ ضدّ الله باسم (المادية)؛ هذا الرفض لم يسبق له مثيل، وهو يستعِرُ في أجزاء تتسع باستمرار في عالمنا الذي يُفترض أنه متحضّر. ولكن، ليس من قبيل الصدفة أيضاً، أنّ الدين الكاذبَ والروحانية الكاذبة غالباً ما يقومان على رفضِ المادة، وتالياً رفضِ العالم نفسه، وعلى جعلِ المادة مرادفةً للبشر، أي التجديف على خليقة الله. أمّا الكتاب المقدّس والإيمان المسيحي فينفردان باختبار المادة وإظهار أنها صالحةٌ في جوهرها، مع إمكانية تحوُّلها إلى أداة ناقلة لسقوط الإنسان وعبوديته للموت والخطيئة، ووسيلة يسرق بها الشيطان العالم من الله. ولكننا نستطيع (في المسيح) وبقوّته أنْ نحرِّر المادة ونستعيدها كرمز لمجد الله ووجوده، وكسرٍّ لفعله وشركته مع الإنسان.

وأخيراً نصل إلى التقديس:

... لكن أنتَ يا سيد الكل، أظهرْ هذا الماء ماء الفداء، ماء التقديس، تطهيراً للجسد والروح، حلاً للعقالات، مغفرةً للزلات، استنارةً للنفوس، حميماً لإعادة الولادة، تجديداً للروح، نعمة للتبني، سربالاً لعدم الفساد، ينبوعاً للحياة. لأنك أنت قلتَ يا رب: استحمُّوا وصيروا أنقياءَ، انزعوا الخبث من نفوسكم. وأنت الذي وهبتَ لنا من العلى إعادة الولادة بالماء والروح...

(... أظهرْ هذا الماء...). إنّ التقديس، سواء أكان تقديساً للماء أم للخبز والخمر في سر الشكر (راجعْ صلاة الشكر للقديس باسيليوس: (وأظهرْ هذا الخبز كالجسد الكريم نفسه)) لا يكون أبداً معجزة ظاهرة و(مادية)، ولا تحويلاً يمكن أنْ تتفحّصه حواسنا أو تبرهنه. فالواقع أنه في (هذا العالم)، أي بحسب مقاييس هذا العالم وقوانينه (الموضوعية)، لن (يحصل) شيء للماء، ولا للخبز والخمر. كما أنّ فحص هذه المواد مَخْبَرياً لن يؤدّي إلى ملاحظة أي تغيُّر أو تحوُّل فيها. وقد اعتبرت الكنيسة دائماً أنّ انتظارَ تحوُّل كهذا أو محاولةَ البحث عنه، هما خطيئة وتجديف. فالمسيح لم يأتِ ليستبدل المادة (الطبيعية) بمادة (تفوق الطبيعة) بل ليستعيدها ويحقّقها باعتبارها وسيلة للشركة مع الله. إنّ الماءَ المقدَّس في المعمودية والخبز والخمر المقدَّسَيْن في سر الشكر، تُمثِّل كاملَ الخليقة. لكنها تمثِّلها كما ستكون في النهاية، أي عندما تُتَمَّم في الله، ويملأ الله كل شيء بنفسه. وهذه النهاية هي ما يُعلن لنا ويُستبق ويصير حقيقةً آنيةً بواسطة السرّ. وبهذا المعنى فإنّ كلَّ سرٍ يجعلنا نَعْبُر إلى ملكوت الله. ولمّا كانت الكنيسة نفسها هي سرُّ العبور هذا، وهي التي تأخذنا في كل سر من أسرارها على هناك، أي إلى ملكوت الله، فإنّ ماء المعمودية يكون مقدَّساً، لأنه يكون حضوراً للمسيح والروحِ القدس بالذات. وكذلك الخبز والخمر في سرِّ الشكر، فإنهما يكونان جسد المسيح ودمه وحضوره فيما بيننا. وهما كذلك حقاً، أي في الحقيقة، وهي حقيقة حقيقية أكثر من كل الحقائق (الموضوعية) في هذا العالم. فالتقديس إذاً، هو تجلّي تلك النهاية وظهورها، أي تلك الحقيقة النهائية التي من أجلها خُلق العالم، فتحقّقتْ بالمسيح عن طريق تأنّسه وموته وقيامته وصعوده، ويعلنها الروح القدس في الكنيسة الآن، وستتم في الملكوت (الآتي).

ولأنّ التقديس هو دائماً تجلّي نهاية كل الأشياء، فإنه لا يكون (نهايةً بحد ذاته). فالإنسان يرى أنّ الخبز والخمر هما حقاً، (جسد المسيح ودمه) لكي يحصل على شركة حقيقية مع الله. وليس في الكنيسة الأرثوذكسية (عبادة) للقرابين المقدّسة ذاتها أو من أجل ذاتها، لأنّ تحقّق سر الشكر يكمن في شركة الإنسان وتحوُّله. ومن أجل هذا بالضبط، أُعطي له السر. والماء يُقدَّس حتى يَظهر ويكون غفراناً للخطايا وفداءً وخلاصاً، أي حتى يكون ما هو مقصود لكل مادة أن تكون: وسيلةً لغاية. أمّا الغاية فهي تأله الإنسان ومعرفته الله وشركته معه.

... فاظهرْ يا رب على هذا الماء، وامنحْ المعتمد فيه أنْ يستحيل، وذلك بخلعه الإنسان العتيق الفاسد بشهوات الخديعة، وبلبسه الإنسان الجديد المتجدّد على صورة خالقه. حتى إذا غُرس على شبه موتك بالمعمودية كان مشتركاً في قيامتك أيضاً. وإذا حفظ موهبة روحك القدّوس وأنمى وديعة النعمة، نال جائزة الدعوة العلوية، وانضمّ إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء، بك يا يسوع المسيح ربنا وإلهنا. فإنه لك ينبغي المجد والعزة والإكرام والسجود مع أبيك الذي لا بدء له وروحك الكلي قدسه، الصالح والمحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.

هذا هو معنى تقديس الماء في المعمودية. إنّه إعادة خلق المادة، وتالياً العالم، في المسيح. إنه عطية العالم للإنسان، أيّ عطية العالم بوصفه شركةً مع الله وحياةً وتألهاً وخلاصاً.

 

 


 6-عن أصل هذه الصلاة وتطورها، راجع:

_H. Schedit، (Die Taufwasserweihegbete in sinne Vergleichender Liturgieforschung untersucht)، in Liturgiegeschichtliche Quellen und Forschungen 29 (1935)

 7-حول مسألة استدعاء الروح القدس في تقديس ماء المعمودية، راجع:

_J. Quasten، (The Blessing of the Baptismal Font in the Syrien Rite of the Fourth Century)، in theological Studies 7 (1946);

_F. Cabrol، (Epiclèse)، in Dictionnaire d'Archéologie Chrétienne et de Liturgie 5، 1،pp. 142-82.

وراجع أيضاً القديس يوحنا الذهبي الفم:

عندما تُقبل إلى الشعائر المقدّسة للانتماء إلى الكنيسة، فإنّ أعين الجسد ترى ماءً، وأمّا أعين الإيمان فترى روحاً (التعليم عن المعمودية 11، 12).

 8- على الرغم من سقوط العالم كله تحت وطأة (أمير هذا العالم)، فإنّ الماء بوصفه العنصر الأوَّليّ و(العمق الذي لا يُسبر غَوْرُه)، يبقى هو مركز وجود هذه القوة ومسكنها. وهكذا فإنّ الماء يمثِّل الموت، ومعموديةُ يسوع في الأردن هي بداية نزوله إلى الجحيم وصراعِه مع الموت. فالأردن يمثّل المياه كلَّها، وتطهير الأردن هو انتصار كوني.

حول هذه المواضيع في ليتورجيا عيد الظهور، راجع:

_J. Lemarié، La Manifestation du seigneur، Lex Orandi 23، Paris، 1957، p. 305 ff;

_J. Daniélou، the Bible and the Liturgy;

_P. Lundberg، op. cit.، p.10ff.