يقول الكاهن:
- السلام لجميعكم. أحنوا رؤوسكم للرب.
وينفخ ثلاث مرات في وعاء الزيت الذي يحمله الشماس
ويرسم على الزيت شكل صليب ثلاث مرات.
بعد تقديس الماء، يُمسح بالزيت. وقد كان الزيت
دائماً رمزاً دينياً أساسياً
(9). وقيمته الرمزية، كما هي الحال في الماء، تنبع من أهميته العملية
واستعماله. فقد استعمل العالم القديم الزيت كدواء.
والسامري الصالح في الإنجيل يسكب زيتاً وخمراً على
جروح الرجل الذي وجده ملقىً إلى جانب الطريق. إنّ
الزيت مصدرٌ طبيعي للنور، وتالياً للفرح.
والقسم الأكثر وقاراً وبهجةً في سهرانية الأعياد
الليتورجية يدعى
poly‘ilion
(بوليئيليون).
وهذا التعبير يشير من جهة إلى اللفظة اليونانية (‘ilios)
أي الرحمة، وهي لفظة تكررّ ثلاث مرات في المزمور 135
(136)، ومن جهة أخرى، إلى استنارة الكنيسة (بكثير من
الزيت) (‘ilaion).
وأخيراً، كان الزيت، الذي يرمز إلى الشفاء والنور
والفرح، رمزاً للمصالحة والسلام أيضاً: لقد أتت
الحمامة التي أرسلها نوح بغصن زيتون، معلنةً مغفرة
الله ومصالحته الإنسان بعد الطوفان. وهذه الرمزية
(الطبيعية) هي التي حدَّدتْ منذ البدء استعمال الزيت
في حياة الكنيسة الليتورجية.
يرمز الزيت الذي نمسح به الماء وجسدَ الموعوظ قبل
المعمودية، إلى الحياة. وهذا الرمز لا يشير إلى الحياة
كوجود مجرّد بل كملءٍ وفرح واشتراك في ذلك الجوهر
السرّي للحياة، الذي لا يُنطق به، إنما نحسّه من حين
إلى آخر في لحظات السعادة والابتهاج؛ إلى الحياة التي
يذكر الكتاب المقدّس أنها عطية من الروح القدس، معطي
الحياة؛ إلى الحياة التي هي (نور الإنسان)؛ الحياة
التي ليست مرادفاً للوجود بل محتواه؛ وباختصار،
الحياة التي هي اشتراك في الحياة الإلهية نفسها.
وهنا أيضاً يُتبع الترتيب نفسه. فيتمّ أولاً إخراج
الشياطين من الزيت، أي تحريرُه واستعادته إلى
وظيفته الحقّة كما تظهر في (رمزيته)، وهذا هو معنى
النفخ عليه وتبريكه برسم الصليب ثلاث مرات. وفي
المرحلة الثانية يكون التذكّر، أي إعادة تلخيص
معنى الزيت في تاريخ الخلاص. ثم شكر الله من
أجل الزيت. وهكذا يصبح الزيت مجدّداً كما جعله الله في
البدء: عطيةَ سلام، عطيةَ شفاء، عطيةَ قوة وحياة
روحية.
أيها السيد الرب إله آبائنا. يا من أرسلتَ الحمامة
للذين في سفينة نوح وفي فمها غضن زيتون علامة للمسالمة
والخلاص من الطوفان، وبهم سبقتَ فرسمتَ سرّ النعمة. يا
من رزقتَ ثمر الزيتون لتكميل أسرارك المقدّسة، فكنتَ
تملأ به الذين في الناموس روحاً قدوساً، والآن تكمل به
الذين في النعمة. أنتَ بارك هذا الزيت بقوة وفعل وحلول
روحك القدوس حتى يكون مسحة لعدم الفساد وسلاحاً للبر
وتجديداً للنفس ودحضاً لكل فعل شيطاني وعتقاً من
الشرور لجميع الذين يدهنون به بإيمان، ويتناولون منه
لتمجيدك وتمجيد ابنك الوحيد وروحك الكلي قدسه الصالح
والمحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.
وأخيراً المسح نفسه:
يتناول الكاهن وعاء الزيت ويسكب قليلاً منه على الماء
بشكل صليب، مرتلاً مع الشعب: (هليلوييا) ثلاث مرات.
مرة أخرى يتم الخلق ويُملأ ويصير كاملاً. وفي هذه
اللحظة (ينفجر) الكل فرحاً وشكراً، فيصيرون شهوداً
لمجد الله وانعكاساً لوجوده وقوّته. وهذا الملء لا
يمكن تحليله أو تحديده؛ يمكن فقط أنْ (نقدِّم الشكر من
أجله)، وأن نعلنه في صرخة الفرح: هليلوييا! فالخليقةُ
الجديدة حاضرةٌ هنا، في جرن المعمودية، ومهيأةٌ لتكون
عطيةً وحياةً جديدة ونوراً وقوةً للإنسان.
ثم يقول الكاهن:
- تبارك الله الذي ينير ويقدّس كل إنسان آتٍ إلى
العالم، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين.
ثمّ يقدَّم المزمع أنْ يعتمد إلى أمام الكاهن، فيتناول
قليلاً من الزيت ويدهن به بشكل صليب أولاً على جبهته
قائلاً:
- يُمسح عبد الله بزيت الابتهاج، على اسم الآب والابن
والروح القدس. آمين.
ثانياً على صدره وعلى ظهره قائلاً:
- لشفاء النفس والجسد.
ثالثاً على أذنيه قائلاً:
- لسماع الإيمان.
رابعاً على يديه قائلاً:
- يديك صنعتاني وجبلتاني.
خامساً على رجليه قائلاً:
- ليسلكْ في سبلك يا رب.
هذه هي إعادة خلق الإنسان: إعادة خلق جسده
وأعضائه وحواسه. فالإنسان، بسبب خطيئته، حَجَب في نفسه
صورةَ الله ومجدَه الذي لا يوصف، فخسر جماله الروحي،
وكسر الأيقونة. ولا بدّ من أنْ نعيد إليه الشكل الذي
فقده، وأنْ نستعيده إلى ما كان عليه. فالمعمودية ليست
معنية بـ(النفس) وحسب، بل بالإنسان كله، لأنها قبل كل
شيء آخر، استعادة الإنسان كوحدة كاملة، وإعادة
التوافق بين النفس والجسد.
(زيت الابتهاج) نفسه، يمسح به الماء وجسد الإنسان
أيضاً، من أجل مصالحة الله، ومصالحة العالم (في الله).
فالروح واحدٌ والحياة واحدة. وهكذا تتحطّم كل
التقسيمات المغلوطة والروحانيات الكاذبة، وتتم العودة
إلى سر الخليقة الأبدي: (... ورأى الله جميع ما صنعه،
فإذا هو حسن جداً...) (تك 31:1)
(10).
9-
عن معنى الزيت واستعماله في العالم القديم، راجع:
_A.S. pease،
(Oleum)،
in pauly-Wissowa،
Real Encyclopedie der Classischen
Altertumswissenschaft.
وعن
هذا الموضوع في العهد القديم، راجع:
_A.R.S Kennedy،
(Anointing) in Hasting's Dictionnary of the Bible،
New York،
1909،
p. 35;
_L.L.Mitchell،
Baptismal Anointing،
London،
1966.
10-
إنّ معنى هذه المسحة
السابقة للمعمودية، بوصفها إعادة خلق الإنسان بغفران خطاياه وشفائه، قد
عُبِّر عنها بشكل رائع في صلاة الأسقف سيرابيون (أسقف تمويس – القرن الرابع)، وهي
صلاةٌ خاصة بمسح المعتمدين بالزيت:
أيها
السيد المحب البشر، والمحب النفوس، الشفوق والرحوم، يا
إله الحق، إننا نتضرَّع إليك تابعين ومطيعين وعودَ
ابنك الوحيد الذي قال: (كل من غفرتم خطاياه تغفر له)
(يو23:20). ونمسح بهذا الزيت الذي يقتربون بتصميم إلى
هذا التجدّد الإلهي. ونتوسّل إليك لكي يشفيهم ربنا
يسوع المسيح ويهبهم قوة، ويعتلنَ بواسطة هذه المسحة،
ويزيلَ من نفوسهم وأجسادهم وأرواحهِم كل أثر للخطيئة
والتمرد والعيب الشيطاني، ويمنحَهم الغفران بنعمته
الخاصة، حتى إذا ماتوا عن الخطيئة يعيشون بصلاح، وإذا
أعيد خلقهم بهذه المسحة، وطُهِّروا بالغسل، وجُدِّدوا
في الروح ينتصرون على قوى هذا العالم المعاكسة
وحِيَلِه الغاشّة التي تهاجمهم، وهكذا ينتمون ويتّحدون
بقطيع ربنا ومخلصنا يسوع المسيح –
John Wordsworth،
Bishop serapion's prayers Book،
pp. 74-76).
سنرى
لاحقاً في هذه الدراسة أنّ المغزى الدقيق للمسحة
السابقة للمعمودية صار موضوع جدال عنيف بين عدد من
اللاهوتيين الغربيين، وخصوصاً بسبب غياب الإشارة إلى
أيّة مسحة لاحقة للمعمودية (الميرون أو التثبيت) في
التقليد السوري القديم. فمثل هذه الإشارة غير موجودة
عند الذهبي الفم (أنظر الأب فين في المرجع المشار
إليه، ص139 وما يليها) ولا في تعاليم الرسل ولا في
العظات الليتورجية للأسقف نارسيوس (أنظر:
R. Connolly،
Didascalia Apostoloum،
pp. 48-50; ibid. Lit. Hom. Of Narsai،
pp. 42-49)
ولا في سواها من الوثائق (أنظر:
H. Green،
(The Significance of the pre-Baptismal Seal in John
Chrysostome). in Studia Patristica 6.6 (1962) pp.
84.90).
وقد
أدّى هذا الغياب إلى نقاش حاد حول التثبيت وعلاقته
بالمعمودية. وأنا مقتنع أنّ هذا النقاش كان بسبب
الفرضيات المغلوطة الناتجة عن المدخل الغربي إلى
الأسرار عموماً، وإلى المعمودية خصوصاً. فسرّ
المعمودية بكامله هو سرّ في الروح وبواسطة الروح، لأنّ
الروح القدس هو الذي يعمله ويحققه في مراحله الثلاث
(المسحة السابقة للمعمودية – المعمودية – مسحة
الميرون). فالإنسان الذي أُعيد خلقه بالروح القدس
(المسحة السابقة للمعمودية) هو الذي يموت مع المسيح في
جرن المعمودية، وهو الذي يجدد بالروح القدس
(المعمودية) ليحصل على الروح القدس نفسه بوصفه حياة
جديدة أبدية في ملكوت الله (الميرون). كل عمل وكل عطية
يفترضان وجود العمل والعطية اللاحقين، ويتحققان فيهما.
ولهذا فإنّ معنى الليتورجيا الكامل لا يظهر إلاّ في
(ترتيب الطقس) بكامله.