بعد أن وصلنا إلى أوج الخدمة الليتورجية، أي التغطيس
أو المعمودية نفسها، لا بدّ من التوقف قليلاً، ومحاولة
الإجابة عن سؤال يتوقف عليه فهم هذا السر، وتالياً فهم
موقعه في حياة الكنيسة نفسها.
|
والمسألة هي: إنّ المعمودية قد قُبلتْ وأُقيمت دائماً
وفي كل مكان باعتبارها الأساس أو البداية البديهية
للحياة المسيحية. ولكنّ تفسير هذا العمل الأساسي
وشروحاته بدأتْ تتباين فيما بينها منذ وقت مبكر جداً.
فكأنّ اللاهوتيين قد واجهوا صعوبات في جعل أوجُهِ هذا
العمل المختلفة (تتماسك)، أو كأنّ الكلمات والمقولات
البشرية لم تكن كافية للتعبير عن سر المعمودية تعبيراً
كاملاً. وهكذا ظهر نوعٌ من التناقض بين المعمودية
نفسها – ليتورجيتها، نصوصها، طقوسها ورموزها – وبين
تفاسير المعمودية وتحديداتها اللاهوتية المختلفة، أي
بين العمل وتفسيره، بين السر وفهمه. وهذا مؤشر خطر.
فإذا كنا نعتقد أنّ حياتنا كلها تستند إلى المعمودية
وتُعطى لنا فيها، وأنها يجب أنْ تكون على صلة دائمة
بها، فإنّ فهم هذا السر فهماً صحيحاً لا يكون مجرد
ضرورةٍ فكرية، بل هو ضرورة كيانية لنا.
وأول ما يثير الانتباه في هذا التناقض، أنّ اللاهوت
المعاصر، أو لاهوت (ما بعد) الآباء، عجز عن تفسير
العلاقة بين المعمودية وبين موت المسيح وقيامته، وهي
العلاقة التي أكدَّتْها الليتورجيا والتقليد بوضوح
تام، حتى أنهما ذهبا، أبعد من التأكيد، إلى جعل هذه
العلاقة فحوى السر ومعناه. إننا نعتمد (على شبه موت
المسيح وقيامته... فإذا اتحدنا به، في المعمودية، في
موت يشبه موته، فكذلك تكون حالنا في قيامته) (رو 5:6).
ومن هنا تشديد التقليد الليتورجي على الصلة العضوية
بين المعمودية والفصح. ومن هنا أيضاً الطابعُ الفصحي
للمعمودية، والفحوى الاعتمادية للفصح في الكنيسة
الأولى.
لكنّ هذا التأكيد الواضح لم يبقَ محورَ الاهتمام عندما
أخذ اللاهوت يُفهَم ويتطوّر بوصفه تفسيراً أو تأويلاً
فكرياً للإيمان المسيحي. وهكذا ظلّتْ تُذكر رمزية
المعمودية إلى الموت والقيامة، ولكن بالشفاه فقط. أمّا
المعنى الحقيقي فتحوّل إلى معنى آخر. إننا نجد في كلِّ
كتيِّبٍ من كتيّبات لاهوتنا (المحدّد)، أنّ المرجعين
الأساسين في تفسير المعمودية هما الخطيئة الأصلية
والنعمة. ونقرأُ أنّ المعمودية تنزَع الخطيئة
الأصيلة من الإنسان وتحرِّرُه منها، وتهبُه النعمة
الضرورية لحياته المسيحية. وهكذا تُحدَّد المعمودية،
مثل سائر الأسرار، على أنها (وسيلةٌ للنعمة) و(رمزٌ
منظورٌ لنعمةٍ غير منظورة).
ولا شكّ في أنّ المعمودية ضروريةٌ ضرورةً مطلقةً
لخلاصنا، ولكنّ هذه التحديدات والتفاسير لا تقدّمها
على أنها موتٌ وقيامة حقيقيين، أي موت وقيامة في
الجوهر لا في الرمزية الخارجية وحده
ا(11).
وهنا نصل إلى السؤال الذي علينا أنْ نحاول الإجابة
عنه: ماذا يعني التقليد بتأكيده أنّ المعمودية على (شبه)
و(مثال) موت المسيح وقيامته، ولماذا يبدو، من
خلال اللاهوت المعاصر، أنّ هذا التأكيد قد خسر موقعه
المركزي؟ وهذا السؤال يفترض بدوره سؤالاً أشمل: ما هي
العلاقة بين شكل هذا السر وبين جوهره،
أي بين ما يُفعل – الخدمة الليتورجية – وبين ما تعتقد
الكنيسة أنه يحدث وينجز من خلال هذا
(الفعل)؟ |
|
إنه السؤال الحاسم. غير أنّ اللاهوت اللاحق لعصر
الآباء، والمعشِّش في كراريسنا وكتبنا التعليمية، سلك
في إجابته عنه طريقاً أبعدتْه عن رؤية الكنيسة الأولى
للأسرار وخبرتِها لها، فغيَّر بعمقٍ، وحتى جذرياً،
مفهومَ الأسرار نفسِها ومكانتَها في الحياة المسيحية.
|
إنّ أبسط طريقة لصياغة منطلق فهم الأسرار في العصور
الأولى، هي القول إنّ الكنيسة تجاهلتْ تماماً الفصل
بين (الشكل) و(الجوهر). أي إنها تجاهلتْ المسألةَ التي
صارت في وقت لاحق، المسألة الأساسية في لاهوت الأسرار.
ففي الكنيسة الأولى كان تعبيراً (شبه) و(مثال) يشيران
بوضوح إلى (شكل) المعمودية، أي إلى تغطيس الموعوظ في
الماء ونشلِهِ منه. إلاّ أنّ هذا الشكل هو الذي يوضح
وينقل ويحقق (الجوهر)، أي أنه هو (ظهورُ) الجوهر نفسه.
وهكذا فإنّ تعبير (شبه)، الذي يصف الشكل، يكون في
الوقت نفسه كشفاً لـ(الجوهر). كما أنّ المعمودية التي
تقام على (شبه) و(مثال) الموت والقيامة هي موت
وقيامة حقاً. فالكنيسة الأولى قبل أن تفسِّر – إذا
كانت تفسّر أصلاً – ما يتعلّق بالموت والقيامة من
أسئلة مثلِ (لماذا) و(ماذا) و(كيف)، كانت تعلّم ببساطة
تامة، أنّ من يريد أنْ يتبع المسيح، يجب أنْ يموت ثم
يقوم معه وفيه، وأنّ الحياة المسيحية تبدأ بحدث
حقيقي، يكون التمييز فيه بين (الشكل) و(الجوهر)
تجريداً لا أهمية له، مثلُه في ذلك مثل أي حدث حقيقي
آخر. ففي (حدث) المعمودية يتطابق الشكل والجوهر،
(العمل) و(الحدث)، الرمز والمعنى، لأنّ غاية كل منها
تكمن في أنْ يكون هو الآخر، وفي أن يكشفه
ويحقّقه. المعمودية هي ما تصوِّره المعمودية.
وما تصوِّره – أي الموت والقيامة – حقيقيٌ. فهي
لا تصوِّر (فكرةَ) الإيمان المسيحي، بل فحواه وحقيقته.
والإيمان بالمسيح هو (أنْ نكون قد متنا وحياتنا محتجبة
مع المسيح في الله) (كولوسي 3:3). هذه هي الخبرة
الأساسية الشاملة للكنيسة الأولى. وقد كانت خبرة
بديهية ومباشرة إلى حد أنها لم (تفسرها)، بل نظرتْ
إليها بوصفها مصدَر كلِّ التفاسير وكل اللاهوت وشرطهما
الأساسي.
يمكن القول، دون مبالغة، إنّ فصلاً جديداً من تاريخ
الكنيسة قد بدأ، عندما تسبّب اللاهوت في حصول شرخ في
(الكلِّيَّة) التي ميَّزتْ رؤيةَ الأسرار وعيشَها في
العصور الأولى، بجعله التمييز بين (الشكل) و(الجوهر)
شرطاً تمهيدياً لـ(فهم) الأسرار (فهماً) صحيحاً.
وبكلام آخر، عندما قرَّر اللاهوت أنه يمكن – بل يجب –
أنْ يُعْرَف (جوهر) السر ويَحدَّد ويُعَرَّف بالانفصال
عن شكله. لا يمكننا في هذه الدراسة أنْ نعالج العوامل
التاريخية التي أَدَّتْ إلى هذا التغيير الحاسم، أو
إلى هذه (الخطيئة الأصلية) – حسب رأينا على الأقل –
التي ارتكبها اللاهوت المعاصر، لاهوت ما بعد الآباء،
الواقع تحت التأثير الغربي. فما يهمنا الآن، أنّ هذا
التغيير قاد تدريجياً إلى فهمِ الأسرار عامة،
والمعمودية خاصة، فهماً مغايراً تماماً.
لا شكّ في أنّ المنطلق الجديد حافظَ على الأمية
الفائقة لـ(شكل) السر. إلاّ أنّ أسباب ذلك عنده تختلف
كثيراً عنها في الكنيسة الأولى. فقد كان الشكل مهماً
في التقليد القديم لأنه بطبيعته، وفي وظيفته،
(ظهوريٌّ)، فهو يُظهر الجوهر ويحققه ويكون إيّاه نفسه.
ولأنّ الشكل هو ظهور الجوهر، فإنه يكون وسيلة معرفته
وتفسيره. أما في المنطلق الجديد فإنّ الشكل لم يعد
(ظهوراً) بل صار رمزاً خارجياً وحسب، أي ضمانةً على
أنّ (جوهراً) محدّداً قد مُنح ونُقل بطريقة وافية.
أمّا (الجوهر) نفسه، فيمكن – بل يجب – أنْ يُعرف
ويحدَّد بالانفصال عن (الشكل)، وحتى قبله. وإذا لم
يحصل ذلك، فلن يكون بإمكاننا أنْ نعرف ما هو الأمر
الذي (يرمز) إليه هذا الشكل و(يضمنه). ففي التعبير
الأساسي لهذا اللاهوت الأسراري، أنّ (الشكل) يجعل
السرّ ساري المفعول، ولكنه لا يكشف ماهية
الأمر الذي يسري مفعولُه بواسطة هذا السر.
|
|
والملفت فعلاً، أنّ معظم الخلافات حول (شكل)
المعمودية، كالتغطيس والرش وصيغة المعمودية وسواها،
تدور كلها على مسألة سريان المفعول لا على مسألة
المعنى والجوهر
(12). فالذين يدافعون عن التغطيس باعتباره الشكل الصحيح للمعمودية،
ويشجبون الرش لأنه (هرطقة)، ينطلقون في دفاعهم من
أُسسٍ شكلية محضة: فالرش هو انحراف عن ممارسة الكنيسة
الأولى التي هي المرجع الأخير والمقياس لسريان
المفعول. إلاّ أنّ موقف الذين يدافعون عن (الرش)
ويفضّلونه ينطلق فعلاً من نوع مماثل من التفكير. فهم
يعترفون أنّ الكنيسة الأولى كانت تمارس التغطيس،
ولكنهم يلاحظون أنها قد عرفتْ الرش أيضاً، في
حالات طارئة كالمعمودية على فراش المرض أو سواها. لذلك
لا يمكن اعتبار التغطيس، حسب رأيهم، الشرطَ الأساسي
لسريان المفعول. والواضح هنا أنّ مسألة الجوهر أو
الفحوى غير مطروحة لديهما. فكلاهما متّفقان فعلاً
حولها، ومتّفقان أيضاً أنها لا تتعلّق بمسألة (الشكل).
غير أنّ مثل هذه النزاعات حول (سريان المفعول) توضح
تماماً مقدار الضرر العميق الذي يلحقه هذا المنطلق
الجديد بكامل الرؤية الأسرارية للكنيسة وبخبرتها
كلِّها.
والمأساة الحقيقية هي أنّ تطبيق هذا الفصل بين (الشكل)
و(الجوهر) على الأسرار، واختزال فكرة (الشكل) إلى فكرة
(سريان المفعول) وحدها، جعلا هذا اللاهوت الأسراريّ
الجديد يغيِّر في النهاية فكرةَ (الجوهر) نفسها
ويفقرها كثيراً. لا يوجد شيء جديد، ظاهرياً، في تحديد
الجوهر بأنه (نعمة)، فهذا التحديد هو تعبير كتابي
تماماً، وتقليدي فعلاً، وغالباً ما استعملتْه الكنيسة
الأولى في تفسير الأسرار. ولكنّ الواقع أنّ هذا
التعبير قد اكتسب دلالات جديدة ونوعاً من (الاكتفاء
الذاتي)، لم تكن له من قبل. وقد اكتسب ذلك لأنه يتطابق
مع اعتبار (الجوهر) شيئاً ممّيزاً عن (الشكل). في
الكنيسة الأولى كانت النعمة تعني، قبل كل شيء، انتصار
الذات على كل انقسام: (شكل) و(جوهر)، (روح) و(مادة)،
(رمز) و(حقيقة). وهذا الانتصار يظهر بوضوح في السر وفي
كامل حياة الكنيسة، لأنه في النهاية انتصار
المسيح نفسه. فكل (أشكال) هذا العالم يمكنها، بالمسيح
وفيه، أنْ تَنقُل وتُحقِّق فعلاً ما (تصوِّره): أي
ظهور ملكوت الله في (هذا العالم) وتجلّي (الحياة
الجديدة). ونعمة المعمودية هي هذا الحدث بالذات: إنسان
يموت ثم يقوم مجدّداً على (شبه) و(مثال) موت المسيح
وقيامته. فالموهبة الممنوحة له لا تتعلّق بـ(شيء) ناتج
عن هذه الأحداث، بل بتلك الإمكانية الفريدة والجديدة
في آن: أنْ يموت فعلاً مع المسيح، وأنْ يقوم فعلاً مع
المسيح، حتى (يسير في جدة الحياة). فالنعمة تكمن في
أنْ يكون (الشبهُ) معلَناً ومعاشاً (كحقيقة)، وأنْ
(يُظهر) الموتُ في المعمودية تحطيمَ المسيح للموت،
وأنْ (تؤكّد) القيامةُ في المعمودية قيامةَ المسيح، أي
موهبةَ الحياة التي شعّتْ من القبر. هكذا كانت النعمة،
والكنيسة الأولى التي أعلنتْ النعمة دائماً ووجَّهتْ
حياتها بحسبها، لم تشعر بأية حاجة إلى أنْ تفسِّرها
(بذاتها)، أي كشيء موجود يمكن معرفته وتحديده، وحتى
قياسه، بشكل منفصل عن هذه (الظهورات) التي تعني وتهدف
إلى تجاوز ومعالجة كل (شرخٍ) أو (انفصامٍ)، إلى أنْ
توحِّد البشريّ والإلهي في جدّة الحياة.
ولكنّ هذا المفهوم للنعمة أخذَ يتغيَّر تدريجياً.
فعندما صار التمييز بين (الشكل) و(الجوهر)، أي بين
السر بوصفه (وسيلةً للنعمة) وبين النعمة نفسها، أمراً
طبيعياً وبديهياً، لم يعد (الجوهر) هو الذي يحقّق
(الوسيلة) ويجعلها واقعاً و(إمكانية رؤية) ما هو غير
منظور، بل صار يُفهَم ويُحدَّد ويُحلَّل على أنه
(جوهرٌ بذاته)، يُعطى ويُؤخذ بواسطة كافةِ (وسائل
النعمة)، ولكنه مميّز عن كل منها
(13).
لقد نشأ هذا المنطلق وتطوّر في الغرب المسيحي، فقاد
إلى نتيجته المنطقية التي نعلمها جميعاً: تعريف النعمة
بأنها ماهيّة مخلوقة، وبالتالي مميّزة عن الله
وعن العالم، مع أنها تهدف إلى ضمان الاتصال الدائم
بينهما. أما الشرق الأرثوذكسي فقد شجب عقيدة (النعمة
المخلوقة)، واعتبرها هرطقة غربية، فحافظ على
الأرثوذكسية العقائدية، ولكنه تبنّى عملياً هذا
المنطلق في لاهوته الأسراري الواقع تحت التأثير
الغربي. ففيه أيضاً، نجد أنّ (نعمة) مجرّدة قد حلّتْ
محل (الحدث) الذي تركّز عليه التفاسير اللاهوتية
للأسرار، وتركتْ لـ(الشكل) مهمة تأمين (سريان
المفعول)، وهي مهمة مجردة أيضاً.
يمكننا أن نفهم الآن لماذا يكاد هذا (اللاهوت المنهجي)
الجديد أنْ يتخلّى عن تفسير المعمودية بحسب مدلولات
الموت والقيامة، وهي مدلولات كانت (بديهية) في التقليد
القديم. فهذا المنطلق الجديد لا يهتم بالموت أو
بالقيامة، فليس المسيح هو الذي يموت، لأنه بموته
وقيامته مرة واحدة وإلى الأبد (لن يموت ثانية، ولن
يكون للموت عليه من سلطان) (رو 9:6). وليس الإنسان هو
الذي يموت أيضاً، ولو كانت معموديته (في شبه) موت
المسيح وقيامته و(على مثالهما)، لأنّ معناها الحقيقي
وسريان مفعولها، حسب المنطلق الجديد، يكمنان في منحها
المعتمِد (نعمة). قد تكون هذه النعمة، على غرار (نعمة)
الأسرار الأخرى، ثمرة لموت المسيح وقيامته،
ولنقله قوتهما المخلِّصة وفعاليتهما إلى الإنسان،
ولكنها ليست حدثاً يمكن – بل يجب – اعتباره
موتاً وقيامة جوهريين، لا رمزيين أو مجازيين.
لذلك وصفنا هذا المنطلق بالمأساة، ورأينا فيه إفقاراً
جذرياً لرؤية الكنيسة وخبرتها الأسراريتين. فإذا كانت
الأسرار قد صارت اليوم، بالنسبة إلى عدد كبير من
الناس، مجرد (واجبات) غير مفهومة، عليهم إتمامها مرة
في الحياة، أو مرة في السنة؛ وإذا كانت قلةٌ ضئيلة
منهم تختبرها بوصفها نبعاً لفرحها وغذاء لحياتها
المسيحية؛ وإذا كان الكثيرون منهم يتساءلون ببساطة:
(لماذا نقيم الأسرار أصلاً) أو يسعون إلى إعادة
تقييمها من خلال معانٍ جديدة ورموز جديدة، أفليس سبب
كل ذلك أنّ اللاهوت نفسه هو الذي جعلها (واجبات)،
ولِنَقُلْها بصراحة، أليس هو الذي جعلها (وسيلة) غير
مفهومة لـ(نعمة) غير مفهومة؟ أليس هذا هو سبب توقّف
الإيمان والتقوى عن معرفة الأسرار واختبارها بوصفها
أحداثاً حقيقية تندرج ضمن إطار (جِدّة الحياة) في
المسيح، أي (النعمة)؟ الواقع أنه حين كان اللاهوتيون
يعرّفون ويقيسون النعمة و(عملها) في كل سر، وحين كان
القانونيون يناقشون أشكال (سريان المفعول) وشروطه، كان
المؤمنون، دون أيّ مبالغة، (يفقدون اهتمامهم)
بالأسرار. يقال لهم إنّ الأسرار ضرورية، فيقبلونها
كعرف كنسي بديهي، دون أن يعرفوا لماذا هي ضرورية.
والأخطر من ذلك، أنهم لا يهتمّون بأنْ يعرفوا. إنهم
يبذلون المستحيل ليعمّدوا أولادهم و(يجعلوهم) مسيحيين،
ولكن كم شخصاً بينهم يهتم حقاً بأنْ يفهم كيف
تجعل المعموديةُ الإنسانَ مسيحياً، وماذا يحصل
فعلاً في المعمودية، ولماذا يحصل ما يحصل؟
11-عن
المعمودية في اللاهوت الأكاديمي للقرن التاسع عشر، راجع:
_F. Gavin،
Some Aspects of Contemporary Greek Orthodox Thought،
pp. 306- 316.
_Bp. Sylvester،
Opyt Pravoslavnogo Dogmaticheskogo Bogosloviia (Orthodox
Dogmatic Theology) Vol. 4،
ed. 2،
pp. 422-425.
12-
حول هذه الخلافات، راجع:
_A. Almazov،
Istoriia،
p. 183 ff;
_Trempelas،
Vol. 3،
pp. 99 ff;
13-
بالنسبة إلى ترامبلاس (Trempelas)
مثلاً، فإنّ الأسرار ليست سوى (وسيلة نعمة)، وهو يقول:
إنّنا
لا نتجاهل قوة الصلاة والوعظ وضرورتهما، ولكننا لا
نعدّدهما بين الوسائل المحدّدة التي تمنح النعمة.
فالأسرار التي أسّسها الله هي وحدها هذه الوسائل...
(المرجع المشار إليه سابقاً، ص9).
وراجع
أيضاً:
_ Gavin،
op. Cit.،
pp. 272 ff.