بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثاني: المعمودية
ح- المعمودية

الله وحده هو الذي يمكنه الإجابة على هذه الرغبة وتحقيقها، فهو وحده الذي يسعه (أنْ يمنحنا ما يرغب فيه قلبنا، وأنْ يحقّق كل ما في فكرنا). صحيح أنّ هذا التحقيق لا يمكن أنْ يحصل إلاّ بوجود الإيمان والرغبة، ولكنه في مطلق الأحوال عطيةٌ حرّة من الله، ونعمةٌ بأعمق ما في هذه الكلمة من معنى. وهنا بالضبط يكمن السر: إنّه معركة الإيمان الأخيرة والجواب الإلهي عليها، أي تحقيق الواحد عن طريق الآخر. فالإيمان بوصفه رغبة، هو الذي يجعل السر ممكناً، ولولا الإيمان لكان السر (سحراً) أي عملاً خارجياً واعتباطياً ومحطِّماً لحرية الإنسان. ولكنّ الله في إجابته عن الإيمان يحقّق هذه (الإمكانية)، ويجعلها فعلاً ذلك الأمر الذي يرغب فيه الإيمان: الموت مع المسيح ثم القيامة معه. فوحدها نعمة الله الحرّة وغير المقيّدة تعرّفنا أنّ (هذا الماء هو بالحقيقة قبر وأم لنا...)، كما يقول القديس غريغوريوس النيصصي.

قد يعترض البعض أو يتساءل: كيف يمكن تطبيق هذا على معمودية الأطفال، أي على أطفال، من البديهي أن لا يكون لديهم إيمان شخصي واعٍ، أو (رغبة) شخصية؟ والواقع أنّ هذا الاعتراض (مفيد)، لأنَّ الإجابة عنه تمكّننا من فهم المعنى النهائي لسر المعمودية. ونبدأ أولاً بعدم ربط هذا السؤال بمعمودية الأطفال وحدها، بل توسيعه وجعله يشمل كل معمودية. فإذا كان ما ذكرناه عن الإيمان والرغبة قد فُهم منه أنّ حقيقةَ المعمودية وفعاليتها متوقفتان على الإيمان الشخصي ومشروطتان برغبة الفرد الواعية، فيجب إذّاك الشك في (سريان مفعول) كل معمودية، سواء أكانت معمودية طفل أم راشد. فمَن هو الإنسان الذي أُعطِيَ القدرة على قياس الإيمان وإطلاق الأحكام حول درجة (فهمه) و(الرغبة) فيه؟

لقد ظلّت الكنيسة الأرثوذكسية بعيدة عن النقاش الغربي الطويل الدائر حول معمودية الأطفال التي تقابل معمودية الراشدين. ذلك أنها لم تقبل أبداً اختزال الإيمان إلى (إيمان شخصي) فقط، وهو اختزال جعل ذلك النقاش أمراً لا مفر منه. فالسؤال الأساسي عن الإيمان وعلاقته بالسر هو، حسب وجهة النظر الأرثوذكسية: أي إيمان؟ وبكلام أدق: إيمان مَنْ؟ والجواب الأساسي عن هذا السؤال: إنه إيمان المسيح، الإيمان الذي أُعطي لنا وصار هو إيماننا ورغبتنا، أو كما يقول القديس بولس: إنه الإيمان الذي بواسطته (يُقيمُ المسيح في قلوبنا، حتى إذا ما تأصّلنا في المحبة وأُسِّسنا عليها أَمكَنَنَا أن ندرك، وجميعَ القديسين، ما هو العرض والطول والعلو والعمق) (أفسس 17:3- 18). ثمة اختلاف بين الإيمان الذي يحوِّل غير المؤمن أو غير المسيحي إلى المسيح، وبين الإيمان الذي يشكّل حياة الكنيسة نفسها وحياة أعضائها، والذي حدّده القديس بولس بأنه اقتناء فكر المسيح، أي إيمانه ومحبته ورغبته. وهو ليس اختلافاً في الدرجة وحسب، بل في الجوهر أيضاً. صحيح أنّ كلاً منهما عطية من الله، ولكنّ الأول هو جواب على الدعوة، أمّا الثاني فهو حقيقة الأمر الذي تتمّ الدعوة إليه. إنّ الصياد الجليلي الذي دعاه يسوع فترك شباكه وتبعه، فعل ذلك بالإيمان. فقد آمن بالذي دعاه، قبل أنْ يعرف إيمانه ويقتنيه. والإيمان الشخصي هو الذي يقود الموعوظ إلى الكنيسة، ولكنّ الكنيسة هي التي ستعلّمه وتمنحه إيمان المسيح الذي به تعيش. عندما نؤمن بالمسيح يصبح إيمان المسيح فينا، لأنّ كلاً منهما هو تحقيق للآخر، ولأنّ كلاً منهما يعطى لنا لكي نمتلك الآخر. ولكنّ كلامنا على إيمان الكنيسة – الذي به تعيش، والذي هو حياتها نفسها – يُقصد به وجود إيمان المسيح فيها، ووجود المسيح نفسه، الذي هو الإيمان الكامل والمحبة الكاملة والرغبة الكاملة. الكنيسة حياةٌ لأنها حياة المسيح فينا، ولأنها تؤمن بما يؤمن به، وتحب ما يحبه، وترغب في ما ترغب هو فيه. فالمسيح ليس (موضوعَ) إيمان الكنيسة وحسب، بل هو (باعثُ) حياتها كلها.

يمكننا أنْ نعود الآن إلى الاعتراض المذكور آنفاً، والذي لا يتعلّق بمعمودية الأطفال وحدها بل بمعمودية الراشدين أيضاً. فقد عرفنا أنّ حقيقة المعمودية (أي كونها موتاً فعلياً وقيامة فعلية مع المسيح) ليست، ولا يمكن أنّ تكون، (وقفاً) على الإيمان الشخصي، مهما كان هذا الإيمان (راشداً) أو (بالغاً). وهذا الأمر لا يُعزى إلى أي نقصٍ أو قصورٍ في الإيمان الشخصي، بل إلى أنّ المعمودية تتوقّف – كلياً وحصرياً – على إيمان المسيح، لأنها عطية إيمانه ونعمته الحقة. يقول القديس بولس: (فإنكم، وقد اعتمدتم جميعاً في المسيح، قد لبستم المسيح) (غلا 27:3). ولكن ماذا تعني عبارة (قد لبستم المسيح) إذا لم يكن بإمكاننا أن ننال في المعمودية حياة المسيح بوصفها حياتنا نحن، وإيمانَه ومحبَتَه ورغبتَه بوصفها محتوى حياتنا نحن؟ إنّ حضور إيمان المسيح في هذا العالم هو الكنيسة. فلا حياةَ لدى الكنيسة سوى حياة المسيح، ولا إيمانَ ولا محبةَ ولا رغبةَ لها سوى إيمانه ومحبتِه ورغبتِه، ولا مهمةَ لها في العالم سوى أنْ تنقل المسيح إلينا. وتالياً، فإنّ إيمان الكنيسة، والأفضل أنْ نقول إنّ الكنيسة بوصفها إيمان المسيح وحياته، هي التي تجعل المعمودية ممكنة وحقيقية، مثل اشتراكنا في موت المسيح وقيامته. وهكذا تكون المعمودية (وقفاً) على إيمان الكنيسة، لأنّ إيمان الكنيسة هو الذي يعرف أنّ المعمودية (قبر) و(أم)، وهو الذي يرغب في أنْ تكون كذلك، وهو الذي يجعلها كذلك.

كل ما ذكرناه، واضح في ممارسة الكنيسة للمعمودية. فهي لا تكتفي بأنْ تسمح بمعمودية الأطفال المولودين حديثاً (أي الذين لا يسعهم أنْ يكونوا ذوي (إيمان شخصي))، بل إنها تطلب أنْ يتعمدوا. ولكنها لا تعمّد جميع الأطفال، بل أولئك الذين يخصّونها، سواء عن طريق أهلهم أو بواسطة كفلاء مسؤولين، وبكلام آخر، أولئك الذين يقدَّمون إلى المعمودية من داخل الجماعة المؤمنة. فالكنيسة تعتبر أنّ هؤلاء الأطفال يخصّونها، والدليل على ذلك موجود في طقس الإدخال إلى الكنيسة (إنَّ فَهْمَ هذا الطقس فهماً صحيحاً يوجب عدم تطبيقه إلاّ على الأطفال الذين لم يتعمدوا بعد، والمتحدّرين من والدين مسيحيين). الكنيسة لا (تسرق) أبناء غير المسيحيين، ولا تعمِّد الأطفال (من وراء ظهر أهلهم)، أي دون موافقة صريحة من أولئك الذين يملكون الإمكانية الحقيقية لإبقائهم داخل الكنيسة وتربيتهم فيها. أمّا غير ذلك فلا تعتبره الكنيسة معمودية (سارية المفعول). الكنيسة تعرف أنّ كل إنسان في حاجة إلى المعمودية، ولكنها تعرف أيضاً أنّ (جِدّة الحياة) الممنوحة في المعمودية لا تتحقّق إلاّ في الكنيسة، أو بالأحرى إنّ الكنيسة هي تلك الحياة المختلفة جذرياً عن حياة هذا العالم، إلى حد كونها (محجوبة مع المسيح في الله)؛ وتعرف أيضاً أنه على الرغم من منح المعمودية لشخص معيّن، فإنّ الكنيسة هي التي تحقّقها وتنجزها. ولذلك لا تعمّد إلاّ من كان انتماؤه إليها صريحاً ويمكن التأكد منه. وهو في حالة الموعوظين (الإيمان الشخصي) والاعتراف به، وفي حالة الأطفال وعد واعتراف أعضاء الكنيسة – الأهل والعرابين – الذين يمكنهم أنْ يقدّموا طفلهم إلى الله، وأنْ يكونوا مسؤولين عن نموه في (جِدَّة الحياة).

لقد صرنا الآن مستعدين للمعمودية نفسها:

وبعد أنْ يدهن جسد الطفل بالزيت المقدّس يأخذه من عرّابه ويضبطه بيديه مستقيماً موجَّهاً نحو الشرق ويعمّده مغطساً إيّاه كله في الماء وقائلاً:

- يعمَّد عبد الله باسم الآب، آمين.

وينشله، ثم يغطسه مرة ثانية قائلاً:

- والابن، آمين.

وينشله، ثم يغطسه مرة ثالثة قائلاً:

- والروح القدس، آمين.

هكذا هو السر: منحُ موت المسيح وقيامته لكل منا، منحُنا نعمة المعمودية. إنه العطية والنعمة الحاصلتان من اشتراكنا في حدثٍ موجَّهٍ إلى كل منّا، لأنه حصل من أجلنا ومن أجل خلاصنا. إنه عطيةٌ يمكن، بل يجب على كل منّا أنْ يأخذها ويقبلها ويحبها ويمتلكها. موت المسيح وقيامته يتحقّقان في المعمودية بوصفها موتاً من أجلي أنا وقيامة من أجلي أنا، أي موتي أنا في المسيح، وقيامتي أنا فيه.

أما الـ(آمين) التي بها (تَخْتِم) الكنيسة كلاً من التغطيسات الثلاث فهي الشهادة على أننا قد رأينا واختبرنا مرة أخرى أنّ المسيح مات حقاً وقام من الموت حقاً، لكي نموت فيه عن الحياة المعرّضة للموت، ولكي نشارك – والآن وهنا – في (النهار الذي لا يغرب). فماذا يعني إيماننا بالقيامة في اليوم الأخير، إذا لم نتذوّق ما يجعل القيامة يقيناً مليئاً بالفرح؟

لقد رأينا كل هذا، وجُعلنا شهوداً على (هذه الأمور)، لذلك نرتل الآن المزمور الثاني والثلاثين المليءَ بالفرح:

طوبى لمن غُفرتْ ذنوبه وسُترتْ خطيئته. طوبى للرجل الذي لا يَحسب الربُّ عليه خطيئتَه وليس في روحه غش.

هذا المزمور هو تكملة وتوسيع للـ(آمين) الجليلة. فقد جُعلنا مرة أخرى شهوداً على الرحمة الإلهية والمغفرة، وعلى إعادة خلق العالم والإنسان فيه. ومرة أخرى نعود إلى البدء، فإنّ إنساناً جديداً قد جُعل على شبه الله الذي خلقه، في عالم جديد ممتلئ من المجد الإلهي:

افرحوا بالرب وابتهجوا أيها الصدّيقون. وافتخروا يا جميع المستقيمي القلوب (14).

 

 


 14- حول استعمال هذا المزمور، راجع:

_ Almazov، Istoriia، pp. 426-27.