بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثالث: سر الروح القدس
أ- الحلّة البيضاء

فور انتهاء التغطيس الثلاثي يُلبَس المعتمدُ حلَةً بيضاء، تسمّى في النصوص الليتورجية والتفاسير الآبائية: الحلّةَ المشعّة (1)، الثوبَ الملوكي(2)، حلّةَ الخلود(3) الخ...

وإذ يضع الكاهن هذه الحلّة على الموعوظ، يقول:

- يُلبَس عبد الله سربال البر، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.

وتُرتَّل الترنيمة التالية:

- امنحني سربالاً منيراً، يا لابس النور مثل الثوب، أيها المسيح إلهنا الجزيل الرحمة.

هذا أحد أقدم طقوس المعمودية في ليتورجيتنا، وقد احتل مكاناً هاماً في التفاسير القديمة لهذا السر (4). ولكنّ هذه التفاسيرَ، ومفهوم الطقس نفسه، (اختُزلا) مع الوقت وصارا مجرَّدَ رمز خارجي. يقال لنا إنّ الحلَّة البيضاء ترمز إلى الطهارة الروحية والصلاح، اللذين يجب على كل مسيحي أنّ يسعى إليهما في حياته. من الواضح أنه لا يوجد أيُّ خطأ في هذا التفسير، ولكنّ النقصَ الذي يجعله شبيهاً بكل التفاسير الرمزية المماثلة، يكمن في أنه يترك السؤال الأساسي دون جواب. فما هي (طبيعة) تلك الطهارة وذلك الصلاح؟ وما هو (محتواهما)؟ لقد عرفنا أنّ خصائص الليتورجيا، وخصائصَ كلِّ طقس وعمل فيها، تكمن في أنها لا (ترمز) إلى شيء ما وحسب، بل تعلن وتَمْنَح ما ترمز إليه. وهكذا فإنّ طقس الحلّة البيضاء ليس مجرد مذكِّر وداعٍ إلى حياة طاهرة وصالحة. ولو كان على هذا النحو فقط، لما أضاف شيئاً إلى المعمودية. فمن البديهي أننا نعتمد لكي نعيش حياةً مسيحية، وأنَّ هذه الحياة يجب أنْ تكون (طاهرةً) و(صالحةً) بقدر المستطاع. ولكن ما يعلنه وينقله هذا الطقس هو الجدَّة الجذرية لتلك الطهارة وذلك الصلاح، أي تلك الحياة الروحية الجديدة التي من أجلها يتجدّد المنتصِّر بالتغطيس في ماء المعمودية، والتي سينالها للحال بواسطة (ختم موهبة الروح القدس).

لسنا في حاجة إلى تقديم البرهان على أننا نعيش اليومَ وَسْطَ أزمةٍ أخلاقية وروحية عميقة. فمن جهة نسمع نواحاً على (الأزمة الأخلاقية)، ويتبينّ لنا أنّ المسيحيين أنفسهم منقسمون حول طبيعتها وحول التدابير التي يجب أن تُتخذَ لمعالجتها. فثمة فئةٌ تدافع عن القانون الأخلاقي (القديم) وتطالب بالعودة إليه، ولكنها تُجابَهُ بفئة أخرى تشجب نفاقه ومنحاه القانوني وتدعو إلى أخلاقية جديدة تسميها (أخلاق المواقف = situation ethics) و(أخلاق الحب = ethics of love) الخ... ومن جهة أخرى ثمة عودة إلى الاهتمام بـ(الروحانية) والبحث عنها. ولفظة (روحانية) هذه تحمل في طياتها ارتباكاً روحياً واضحاً وغيرَ معقول. وهذا الارتباك يُولِّد بدوره تنوّعاً كبيراً في (التعاليم) و(الوصفات) الروحانية المشكوك فيها. فثمة جماعاتٌ تؤكّد الروحانية (جماعة (الاحتفال بالحياة = celebration of life ))، وجماعاتٌ تنكر الروحانية (جماعة (نهاية العالم = the end of the world)). وهناك (حركة يسوع = Jesus movement) الإنجذابية، و(الحركة المواهبية = charismatic mouvement) الإنجذابية أيضاً. ويوجد عدد من (الشيوخ = elders) و(الغورو = gurus) المختلفي الأنواع. وهناك جماعات (التأمل المتعالي = transcendetal meditation) و(عطية الألسن = gift of tongeus) و(الصوفية الشرقية = Oriental mysticism). وثمة أناسٌ يسعون إلى إعادة اكتشاف الشيطان وإلى (السحر = Witchcraft)، وآخرون يهجسون بـ(طرد الشياطين = exorcisms) الخ... أما رعايانا التي لم تدخلْها بعدُ هذه النزعاتُ الروحانية الشائعة، فما زال يسودها ذلك الاختزالُ المعتاد للحياة المسيحية إلى (واجباتٍ) خارجية مختلفة و(محرّمات). ولكنَّ امتثالَ (شعبنا الطيب) إلى هذه (الواجبات) وامتناعه عن (المحرّمات)، لا يمنعانه من أن يعيش في الواقع حياةً دنيويةً تماماً، أو أنْ يتقيّد بمقاييسَ ومعاييرَ بعيدةٍ كلَّ البعد عن الإنجيل.

يظهر من كل هذا أنّ ثمةَ ارتباكاً عميقاً جداً، وافتقاراً إلى المقاييس الروحية الأصيلة، وأوّلها الصحو (sobriety) الذي يعتبره التقليد الأرثوذكسي الشرطَ الأساسيَّ لكل روحانيةٍ أصيلة. وقد بلغ هذا الافتقار حداً باتت معه أكثرُ الأبحاث أصالةً معرّضةً لأنْ يُساء توجيهها وتُقاد إلى كارثة روحية. إنّ عصرنا هو العصر الذي يأخذ فيه الدجلُ والخداعُ الروحي والتزويرُ شكلَ (ملاك نور) (2كو14:11). ولكنّ الخطر والنقص الأساسيين في هذه الظاهرة، أنَّ الكثيرين – ومنهم أولئك الذين يبدو غالباً أنهم (موزِّعون) تقليديون للروحانية – ينظرون إليها (الروحانية) وكأنها وجودٌ قائم بذاته ومنقطعٌ تماماً عن الخبرة المسيحية والنظرة المسيحية إلى الله والعالم والإنسان، وبعيدٌ تماماً عن الإيمان المسيحي الكامل. لقد رأيتُ (الفيلوكاليا) تُقرأُ وتُطبَّق في جماعاتٍ وحلقاتٍ ذات تعاليمَ سريةٍ لا علاقةَ لها بالنظرة المسيحية إلى العالم، بل هي متعارضةٌ معها تماماً. وهذا الفصلُ بين الإيمان الكامل وبين (الروحانيةِ)، ذاتِ المظهر التقليدي والأرثوذكسي، يُعرِّضها للوقوع في خطر التحوّل إلى روحانيةٍ أُحاديَّةِ الجانب ومختزلةٍ، أي هرطوقية = heretical (من اللفظة اليونانية (ςισερіα) ومعناها انتقاء، وبالتالي اختزال)، وهكذا تصبح روحانيةً كاذبة.

إنّ خطر الروحانية الكاذبة كان قائماً على الدوام. وقد شجبها القديس يوحنا، الذي خاطب المسيحيين قائلاً: (لا تصدِّقوا كلَّ روح، بل اختبروا الأرواحَ لترَوا هل هي من عند الله). ثم وضع القاعدة الأساسية لهذا (الاختبار)، وهي أنّ (كلَّ روح يعترف بيسوع المسيح المتجسد هو روحٌ من الله) (1يو 1:4- 2). وهذا يعني أنّ مقياس (الروحانية) موجودٌ في التجسد، العقيدةِ المسيحيةِِ المركزية. وأقولُ المركزية لأنها تتضمن وتحتوي على كامل الإيمان المسيحي، وعلى كافةِ أبعاد النظرة المسيحية إلى العالم: الخلق، السقوط، الخلاص، الله، العالم، الإنسان. ولكن أين يمكن أنْ تُعلَنَ هذه الروحانية الحقة، وهذه الرؤية الشاملة للإنسان وطبيعته ودعوته، بشكل أفضلَ مما يُعلِنُه هذا السر الذي يهدف تحديداً إلى أنْ يعيد للإنسان طبيعته الحقة، وإلى أنْ يمنحه الحياة الجديدة عن طريق تجديده (بالماء والروح)؟ وفي هذا الإطار بالذات يأخذ طقسُ الحلَّة البيضاء مغزاه الحقيقي ويَكْشِفُ معناه الأسراري، وهو الطقس الذي كان يبدو ثانوياً إلى حدِّ عدمِ ذكره في الكتيّبات التي تتحدّث عن اللاهوت الأخلاقي والعقائدي.

إنّ القاعدة الأساسية للاهوت الليتورجي، وهي القاعدة التي نادراً ما تُطبَّق في التفاسير (الرمزية) للعبادة، تكمن في أنّ المعنى الحقيقي لكل عمل ليتورجي يُكشَفُ عبر الإطار الذي يتمّ فيه هذا العمل، أي من خلال مكانه داخل ترتيب الطقس، وموقعِهِ من تتابعِ الأفعال التي تتشكّل منها الليتورجيا. وبكلام آخر، إنّ كل طقس يحصل على معناه وعلى (قوّته) من الطقس الذي يسبقه والطقس الذي يليه. وطقس الحلّة البيضاء يُنهي ويخْتِمُ المعمودية نفسها. فإلباس (الحلّة المشعّة) و(السربال المنير) يُقابل نزع ثياب الموعوظ قبل المعمودية، أي عُرْيَهُ وهو يدخل ماء الخلاص. ومن جهة أخرى، يدشِّنُ هذا الطقس القسم الثاني من ليتورجية الانتماء إلى الكنيسة، وهو المسيح بالميرون المقدّس ومنحُ المتنصِّر موهبةَ الروح القدس. وهذه الوظيفة المزدوجة للطقس هي التي تكشف المحتوى الحقيقي للحياة الجديدة، ومحتوى جدَّتها نفسها.

عرفنا أنّ نزع الثياب عن الموعوظ قبل المعمودية هو إشارة إلى رفضه (الإنسان العتيق) و(الحياة العتيقة)، حياةَ الخطيئة والفساد. وبالفعل، فهذه الخطيئة هي التي كشفتْ لآدم وحواء عريهما، وجعلتهما يسترانه باللباس (5). ولكن، لماذا لم يخجلا من عريهما قبل الخطيئة؟ لأنهما كانا يرتديان طبيعة الإنسان الحقيقية، أي المجدَ والنورَ الإلهيين، و(الجمالَ الذي لا يوصف). وهذه هي الحلَّة الأولى التي خسراها، فـ(عرفا أنهما عاريان) (تك 7:3). ولكنّ ارتداءَ (السربال المنير) بعد المعمودية يدلُّ على أنّ الإنسان قد عاد إلى كماله وبراءَته الفردوسيين، واستعادَ الطبيعة الحقيقية التي أخْفَتْها الخطيئة وشوّهتها. وقد قارن القديسُ أمبروسيوس حلَّةَ المعمودية برداء المسيح على جبل ثابور، ذاكراً أنّ المسيح المتجلّي يَكْشِفُ أنّ الإنسانية الكاملة، البريئةَ من الخطيئة، ليس (عاريةً)، بل مرتديةً حلَّةً (بيضاءَ كالثلج) في نور المجد الإلهي غير المخلوق (6). فالفردوس، لا الخطيئة، هو الذي يكشف طبيعة الإنسان الحقيقية. والإنسان يعود في المعمودية إلى الفردوس، وإلى طبيعته الحقيقية، وإلى رداء المجد الذي كان في البدء.

وهكذا يكون طقس الحلّة البيضاء تحقيقاً للمعمودية التي سبقتْه، وتدشيناً للعمل الليتورجي الذي يليه. فنحن نلبس (السربال المنير) لكي نُمْسَح. لم تكن الكنيسة الأولى في حاجة إلى تفسير الارتباط العضوي والبديهي بين الطقسين، لأنها كانت تعرف الدلالاتِ الأساسيةَ الثلاثَ لهذا العمل، والأبعادَ الأساسيةَ الثلاثةَ لـ(الدعوة العلوية) التي دُعي إليها الإنسان في المسيح، أي البعدَ (الملوكيّ) والبعدَ (الكهنوتيّ) والبعدَ (النبويّ). إنَّ أفُوْدَ الملكِ داود الكتانيَّ (2صمو 14:6) وثيابَ هرون وأبنائه الكهنوتيةَ (خروج28) ورداءَ إيليا (2ملوك 14:2) و(فرزَ) الملك والكاهن بواسطة المسيح، والموهبةَ النبوية بوصفها (مسحة)، تحققتْ كلها في المسيح الذي (جعلنا ملوكاً وكهنة) (رؤيا 6:1)، و(ذرية مختارة وكهنوتاً ملوكياً وأمة مقدّسة) (1بط 9:2)، والذي سكب روحه على البشر في الأيام الأخيرة حتى (يتنبّأوا) (أع 18:2). والإنسان الذي ولد ثانيةً في جرن المعمودية و(تجدَّدَ على صورة الذي خلقه) واستعادَ (جماله الذي لا يوصف)، صار مستعداً الآن لكي (يُفْرَزَ) من أجل دعوته العلوية الجديدة في المسيح. لقد اعتمدَ في المسيح ولَبِسَ المسيح، فصار مستعداً للحصول على الروح القدس، روحِ المسيح، وعلى مواهب المسيح – الممسوحِ ملكاً وكاهناً ونبياً – وعلى المحتوى الثالوثي لكلِّ حياة مسيحية أصيلة وكلِّ (روحانية) مسيحية.

 

 


 1- Wenger، Sources Chrétiennes، 101.

 2- القديس يوحنا الذهبي الفم، (التعليم عن المعمودية) 8، 25.

_ Wenger، Sources Chrétiennes، 50، p. 147.

 3- القديس يوحنا الذهبي الفم، (التعليم عن المعمودية)، 8، 35.

_ Almazov، Istoriia، pp. 430ff;

_Finn، op. cit.، 191ff;

_E. Peterson، (Religion et Vêtement)، in Rhytmes du monde، 1946، and Pour une théologie du vêtement، Lyon، 1943.

 4-

 5- _Peterson، (Religion et Vêtement)، p. 4.

 6-القديس أمبروسيوس، (في الأسرار) 34.

راجع أيضاً: _St. Gregory of Nyssa، in Hamman، Baptism، p. 122ff.