لقد جعلنا المسيحُ (ملوكاً وكهنة لله أبيه) (رؤيا
6:1)، وفيه صرنا (كهنوتاً ملوكياً) (1بط 9:2). ولكنّ
السؤال هو: ماذا يعني هذا بالنسبة إلى حياتنا في
الكنيسة وفي العالم وفي النمط المحسوس والشخصي
لوجودنا؟
|
المضمون الأول والأساسي لفكرة الملوكية هو مضمون
القوة والسلطة، ونعني بهما القوةَ والسلطةَ
الممنوحتين من العلاء، من الله، والدالّتين على
قوته
(15). في العهد القديم كان يُرْمَزُ إلى مصدر الملوكية الإلهي بـ(المسحة)
التي تُظهر أنّ الملك هو حامل السلطة الإلهية ومنفِّذُ
قراراتها. وبواسطة هذه المسحة يصير الملك هو (المحسنُ)
إلى منَ يخضعون لسلطته، والمؤتمنُ على حياتهم بغية
الدفاع عنها وتحقيق انتصارها ومجدها ورفاهيتها
وسعادتها. وكان هذا المفهوم للملوكية مشتركاً بين سائر
المجتمعات (البدائية) وكافة (المَلَكِيَّات). ولكنَّ
الإعلان الكتابي الفريد أَوْضَحَ أَنَّ (الملوكية)،
قبل أن تصبح سلطة خاصة لأشخاص معينين، كانت تخص
الإنسان نفسه، بوصفها دعوته الإنسانية ورتبته. إنها
القوة الملوكية التي يهبها الله للإنسان الذي
يخلقه على صورته، أي على صورة ملك الملوك، صورةِ مَن
بيده كلُّ قوة وكلُّ سلطة. لذلك كانت القوة الأولى
التي أعطيتْ للإنسان تهدف إلى أنْ (يُخْضِعَ الأرضَ
ويتسلَّط على سمك البحر وطير السماء وكلِّ حيوان
يَدِبُّ على الأرض) (تكوين 27:1- 28).
لقد خُلِقَ الإنسان ملكاً على الخليقة. وهذه هي حقيقته
الأولى والأساسية، ومنبعُ (الروحانية) المسيحية
وأساسها. فمن طبيعة الإنسان أنْ يكون ملكاً وأنْ يمتلك
موهبةَ الملوكية، لأنه ينال من العلاء صورةَ الله،
والقوة التي تمكِّنه من جعل الخليقة كما يريدها الله
أن تكون. إنَّه حامل القوة الإلهية والمحسنُ
إلى الأرض المعطاة له بوصفها مملكَتَه التي عليه أنْ
يسعى إلى خيرها واكتمالها. وقد شدَّد التقليد
الأرثوذكسي دائماً على هذه النظرة التي ترفع الإنسان
إلى أعلى مقام، ودافع عنها ضدَّ كل محاولة ترمي إلى
الحطِّ من شأن الإنسان أو تصغيره، سواء أكانت آتيةً من
الشرق أم من الغرب. فالإنسان يحمل علامات رتبته
الملوكية الأولى، حتى في سقوطه وتخلِّيه عن ملوكيته.
الحقيقة الروحانية الثانية المتعلّقة بالإنسان هي أنه
ملك ساقط. وسقوطُه عائد في المقام الأول إلى
خسارته ملوكيته. فبدل أنْ يكون ملك الخليقة يصير عبداً
لها، لأنه يرفض القوة التي من العلاء ويتخلّى عن
(مسحته). وبهذين الرفض والتخلِّي يتوقّف عن كونه
المحسن إلى الخليقة، فيسعى إلى الانتفاع بها وحيازتها
وامتلاكها لنفسه، بدلَ أنْ يقودها إلى اكتمالها.
ولكنَّ الإنسان ليست له الحياة في ذاته، مَثَلُه في
هذا مَثَلُ الخليقة، لذلك يكون سقوطه بداية عهد تسلّط
الموت، ويصير عبداً فانياً في مملكته.
ومن هنا الحقيقة الأساسية الثالثة، وهي إنقاذ ملوكية
الإنسان. ففي المسيح، مخلّص العالم وفاديه، يُستعاد
الإنسان إلى طبيعته الجوهرية، وهذا يعني أنه يُجْعَلُ
ملكاً من جديد. نحن ننسى غالباً أنّ لقب المسيح الملك
– وهو اللقب الذي يؤكِّده دخولُه المُظَفَّر إلى
أورشليم، وتحيةُ الناس له بعبارة: (الملك الآتي باسم
الرب)، وقبولُه إياه حين وقوفه أمام بيلاطس: (أنتَ
تقول إنّي ملك) (يو37:18) - هو لقبه الإنساني وليس
لقبه الإلهي وحسب. إنّه الملك، وهو يعلن نفسه ملكاً،
لأنه آدمُ الجديد، والإنسانُ الكامل الذي يستعيد في
نفسه الطبيعة البشرية في مجدها وقوّتها غير الموصوفين. |
|
وهذا كلّه يُعلَن ويتخلَّى ويتحقّق في سرِّ المعمودية
الذي يجدِّدُ الإنسانَ، فيُعيدُ خَلْقَه ملكاً، لأنّ
من طبيعته نفسها أنْ يكون ملكاً. لقد ذكرنا أنَّ تقديس
الماء تقديساً شكرياً يُظهر الكون كله بوصفه عطية الله
للإنسان، ومملكةً له، وأنَّ (زيت الابتهاج) يُعْلِنُ
للمنتمي الجديد إلى المسيحية كونَ الحياة الجديدة قوةً
وسلطاناً. ونذكر الآن أنَّه في (ختم) المسحة المقدّسة
يَلْبِسُ ثوباً ملوكياً وينال ملوكية المسيح. فإذا كان
التحديد في المعمودية هو منبع الحياة والروحانية
المسيحيتين، وإذا كانت الروحانية هي، قبل أي شيء آخر،
أنْ يحقّق الإنسان الموهبة التي حصل عليها في
المعمودية، فإنّ أساس هذه الروحانية وبعدها الأوّلَيْن
والضروريَّيْن يؤكَّدان هنا، في استعادة الإنسان
لملوكيته. وهذا يعني أنها أوّلاً وأساساً روحانيةٌ
إيجابية لا سلبية، لأنها تنبع من الفرح والقبول
والتأكيد لا من الخوف والرفض والإنكار، ولأنها كونيةٌ
وتمجيدية في محتواها وتوجُّهها.
|
إنّه لأمرٌ هامّ أنْ نقول هذا الكلام، فإلى جانب هذه
الروحانية الإيجابية كان، وما يزال، هناك
روحانيةٌ سلبية، تبدو كظل ونظير لها، ولكنّ
مصدرها الأساسي هو الخوف، وبالتالي رفضُ خليقة الله
بوصفها مملكة الإنسان، وإنكارٌ عميق الجذور لـ(صلاح)
الخليقة الكياني (الأنطولوجي). إنّ عصرنا الحاضر هو
أكثر العصور تَقَبُّلاً لهذه الروحانية السلبية،
وأسباب ذلك واضحة. فهو عصر أَتْعَبَه التشوُّش
والارتباك اللذان مَهَّد لهما السبيل بنفسه، وحطَّمَه
(تَقَدُّمه)، وجَرَّحَهُ ما يظهر له من انتصار الشر،
وخاب ظنُّه في كل النظريات والتفاسير، واستعبدتْه
التكنولوجيا، لذلك يبحث الإنسان فيه غريزياً عن مهرب
أو (مَخْرَج) من هذا العالم الشرير، ويفتش عن ملاذٍ
روحي أو (روحانية) تؤكِّد وتُبَرِّر كُرْهَه لهذا
العالم الشرير، وخوفَهُ منه، وتمنَحُه – في الوقت نفسه
– الأمانَ والتعزيةَ الروحيين اللذين يسعى إليهما. ومن
هنا التزايد الحالي والنجاح المدهش لكافة أنواع
الروحانية الهروبية، المسيحية وغير المسيحية
على حد سواء، والتي تجمعها نغماتٌ مشتركة وأساسية، هي
الرفض والرؤيوية والخوف و(الكُرْهُ) المانَويُّ لهذا
العالم.
إنّ (روحانيةً) كهذه، ولو أخْذتْ مظاهر مسيحية
وغُلِّفَتْ بمصطلحات مسيحية، ليست روحانية
مسيحية، بل هي في الحقيقة خيانة. فالخلاص لا يمكن أن
يكون هروباً، ورفضاً مجرداً، وتلذذاً بـ(الانسحاب) من
العالم الشرير ثم إدِّعاء البرِّ بسبب ذلك. فالمسيح
يخلّصنا باستعادة طبيعتنا، وهذا ما يجعلنا جزءاً
من الخليقة، ويدعونا إلى أن نكون ملوكاً عليها،
ولا مفرّ لنا من ذلك. المسيح هو مخلِّصُ العالم وليس
مُخَلِّصاً من العالم، وهو يُخَلِّصه بأنْ
يجعلنا ثانيةً كما كنّا في البدء. وإذا كانت الحال على
هذا المنوال، فإنّ العمل الروحي الأساسي، أي العملَ
الذي تنشأ منه (الروحانيةُ) بأكملها، لا يكمن في
مطابقة العالم مع الشر، وجوهر الأشياء مع انحرافها عن
جوهرها وخيانتها له، والعلَّةِ النهائية مع معلولاتها
الشريرة والفاسدة. إنّه لا يكمن في التفريق بين
(الخير) و(الشر) وحسب، بل في تمييز الصلاح الجوهري
لكلّ ما هو موجود وفاعل، مهما كان وجوده فاسداً
وخاضعاً للشر. (العالم كلُّه تحت وطأة الشرير) (1يو
19:5)، ولكنّ العالم ليس شريراً. وإذا كان إغراء
الروحانية الأولى يكمن في مطابقة الشيء مع الآخر، فإنّ
الروحانية المسيحية تبدأ بالتمييز. من المؤكد
أننا نعيش في عالم شرير، ويبدو أن لا حدودَ لشرِّه،
وللألم والوحشية، للارتباك والكذب، للخطيئة والإجرام،
للظلم والطغيان، حتى لَيَظهر أنَّ اليأس والكُرْهَ لا
يحتاجان إلى تبرير، أو كأنهما من علامات الحكمة
والآداب الخُلُقية. ولكنَّ أُولَى ثمار الملوكية
المستعادة فينا، أنَّه يُمكننا، وبالتعبير الروحاني:
يجب علينا، ونحن في هذا العالم الشرير، أنْ نبتهجَ
بصلاحه الجوهري، وأنْ نجعلَ الفرح وعرفانَ الجميل
ومعرفةَ صلاح الخليقة، أساساً لحياتنا، وأنْ (نكتشف)
خلف كل انحراف، وكل (سوءٍ) وكل شرٍّ، طبيعةَ الإنسان
ودعوتَه الجوهريتين، وطبيعةَ الخليقة المعطاة للإنسان
بوصفها مملكته. يسيء الإنسان استعمال دعوته،
وبهذه الإساءة الرهيبة يشوِّهُ نفسه والعالم، ولكنّ
دعوتَه نفسها صالحة. يسيء استعمال إبداعه في
مجالات الفن والعلم والحياة، فيقودُه ذلك إلى غايات
فارغة مظلمة وشيطانية، ولكنَّ إبداعه وحاجته إلى
الجمال والمعرفة، وإلى أنْ يكون له قصد وأنْ يحقِّق
ذاته، كلُّها صالحة. يُشبْع عطشه وجوعه
الروحيين بالسم والكذب، ولكنّ عطشه وجوعه صالحان.
يعبد أصناماً، ولكنّ حاجته إلى تقديم العبادة صالحة.
يسمّي الأشياء بأسماء مغلوطة، ويُخطئ في نقل الحقيقة،
ولكنّ الموهبة المعطاة له من أجل التسمية والفهم
صالحة. وأهواؤه نفسها، التي تحطّمه في النهاية
وتحكّم الحياة نفسها، ليست سوى مواهب قوةٍ انحرَفَتْ
عن قصدها وأُسيءَ استعمالها وتوجيهها. ولكنّ هذا
الإنسان المبتورَ والمشوَّه، النازف والمستعبَد،
الأعمى والأصمّ، يبقى ملكَ الخليقة (المتنازل عن
عرشه)، ويبقى موضع محبة الله واحترامه اللامتناهيين.
والعملُ الأساسي للروحانية المسيحية الأصيلة، أي
لـ(الحياة الجديدة) فينا، هو أن نرى هذا، ونكشفه.
ونفرح به ونحن نبكي سقوطنا، ثم نقدِّم الشكر من أجل ما
نراه ونكتشفه ونفرح به. |
|
بعد التثبت من هذا، ماذا علينا أن نفعل؟ وكيف نحقّق
هذه الملوكية؟ يقودنا هذا السؤال إلى البعد الآخر، أو
بالأحرى إلى عمق سر المعمودية نفسه، أي الموضوع
المركزي الذي يحتله صليبُ المسيح فيها.
15-
حول المنشأ
الديني للملوكية ومدلولاتها، راجع:
_G. Van der Leeuw،
Religion in its Essence and manifestations،
vol. 1،
p.13.