بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثالث: سر الروح القدس
د- الملك المصلوب

إذا كانت ملوكيتنا تُعادُ لنا في سرِّ المعمودية، فإنها تُعادُ على الصليب وبواسطة مَلِك مصلوب. وإذا كنَّا في نهاية قصة الخلاص قد (وُلِّيْنَا على الملكوت) (لو29:22)، فقد أُعْلِنَ أنه (ليس من هذا العالم)، بل هو ملكوت آت.

وفي هذه النقطة بالذات، أي حين تتعارض الروحانية المسيحية مع التناقض الجوهري لملوكية المسيح، بالتالي لملوكيتنا الجديدة فيه، يتهدَّدُ الروحانيةَ اختزالان، يَحُوْل كلٌّ منهما دون الآخر. فإمَّا أنْ تُخْتَزَلَ هذه الملوكية المستعادة وتُحْصَرَ في هذا العالم وحسب، وإما أَنْ تُخْتَزَل فتُحصر في الملكوت الآتي. فثمة أناس يقبلون بسرور كل ما ذكرناه، آنفاً عمّا للروحانية المسيحية من إلهام ملوكيّ، إيجابيّ وكونيّ، ولكنهم يستنتجون منه أنّ الروحانية تهتم أساساً بهذا العالم، وبالإمكانية التي تسمح للإنسان بأنْ (يُطَوِّرَه) إلى أن يصبح ملكوت الله. وثمة أناس آخرون يشدّدون على أنَّ الملكوت الذي أعلنه الإنجيل وَوَعَدَ به، هو (من غير هذا العالم)، ويرفضون إغراء أَيَّة روحانية تدعو إلى (التورُّط) أو (العمل) فيه، وهكذا يبنون حاجزاً صلباً يفصل بين (الروحاني) و(المادي). ولكنّ هاتين الرؤيتين والاختبارين و(الروحانيتين) تتضمنان في الواقع مفهومين مختلفين للكنيسة ولـ(الحياة المسيحية).

أمَّا صليب المسيح فيُظهر أنهما مجرد اختزالين، لأنهما في نهاية المطاف يرفضان الصليب ويجعلانه، حسب تعبير بولس الرسول، (باطلاً) (1كو 17:1). فإذا كنتُ في المسيح أستعيدُ ملوكيَّتي، وإذا كان الملكوتُ الذي (وُلِّيْتُ) عليه (ليس من هذا العالم)، فإنّ السؤال الذي تتوقّف عليه حياتي المسيحية بأكملها هو: كيف يمكنني أن أُوَحِّدَ هاتين الحقيقتين وهذين التأكيدين اللذين ينطبقان على الراهب في الصحراء وعلى المسيحي العائش في (العالم)، وصاحب الدعوة (الدنيوية)؟ وكيف يمكنني أنْ أُحِبَّ العالم الذي خلقه الله، و(أُحِبَّهُ كثيراً)، وأتبنَّى في الوقت نفسه الوصيةَ الرسولية: (لا تحبُّوا العالم وما في العالم) (1يو 15:2)؟ كيف يمكنني أنْ أؤكِّدَ سيادة المسيح على كل موجود، وأنْ أضَعَ في الوقت نفسه كلَّ إيماني ورجائي ومحبتي في الملكوت الآتي؟ كيف يمكنني أنْ أَتَوَلَّى ملوكيتي، وأموتَ في الوقت نفسِه عن العالم حتى تكون حياتي (محتجبةً مع المسيح في الله) (كولوسي 3:3)؟

إنّ التفكير البشريَّ ولغةَ المقولات المنطقية المجرّدة، و(روحانياتنا) البشرية، لا يسعها أنْ تقدِّم جواباً عن هذه الأسئلة الحاسمة، فيبقى التناقض دون حل. ولهذا السبب فإنّ خياراتنا الروحية والدينية، رغم المظاهر المسيحية التي تَتَبَنَّاها في سهولة تامة، تبقى في الواقع سابقةً للمسيحية وغير مسيحية، وغالباً ما تُخْتَزَل إلى مجرد هروبية أو إلى مجرد فاعلية. أما الجواب الوحيد الذي لا يتغيّر أبداً، ولكنه يكون جديداً بالنسبة إلى كل إنسان يكتشفه، فيأتينا من السرِّ الذي يشكّل عمقَ الإعلان المسيحي وقلبَهُ، السر الذي لا يمكن اختزاله إلى فكرةٍ أو وَصْفَةٍ أو مجموعةِ قواعدَ أخلاقية صالحة (لكل الظروف)، لأنه لا يُكْشَفُ لنا إلاّ بمقدار ما نَقْبَلُه، السر الذي علينا أنْ ندخل إليه إذا أردنا أن نتبنّى معناه وقوّته: سرُّ الصليب.

لا يمكن أنْ تُفهم وتُقبل ملوكية المسيح وملوكيتنا الجديدة فيه بمعزل عن سر الصليب. وأكثر من ذلك، أنّ الصليب – والصليبَ وحدَه – هو الذي يبقى إلى الأبد الرمزَ الحقيقي الوحيد، أي ظهورَ تلك الملوكية ومنحَها، وإعلانَ قوّتها ونقلَها إلينا. إنّ سر الصليب وحدَه يُوَحِّد التأكيدين اللذين يعجز التفكير البشري عن التوفيق بينهما: أي التأكيدَ على الإنسان وعلى دعوته إلى أنْ يكون ملكاً على خليقة الله، والتأكيدَ على الملكوت الذي (ليس من هذا العالم). فالصليب يوحّدهما، لأنه يَظْهَرُ دائماً بوصفه طريقَ الحياة و(القوةَ الإلهيةَ غيرَ المقهورة وغيرَ الموصوفة) التي تحقّق الإيمانَ بوصفه حياةً والحياةَ بوصفها ملوكيةً.

يحقّق الصليب كل ذلك لأنه الإعلان الحقيقي والنهائيّ لهذا العالم، بوصفه العالم الساقط الذي يكمن سقوطه و(شرُّه) في رفضه اللهَ وملوكيتَهُ، وبالتالي في رفضه الحياةَ الحقيقية المعطاةَ له في الخلق. ففي صلب المسيح يُظْهِرُ (هذا العالم) نَفْسه بجلاء، ويَكْشِفُ معناه النهائي. الجلجلةُ حدثٌ فريدٌ بالفعل، ولكن ليس بالمعنى التقليدي الذي فيه يأخذ أي حدث، مهما كانت أهميته، صفة الفرادة: أي حصرهُ بالذين شاركوا فيه، واقتصارُه على لحظة واحدة من الزمان ونقطة واحدة من المكان، وتَركُ سائر العالم (بريئاً) منه. الجلجلة فريدة لأنها التعبير الحاسم والشامل عن رفض الإنسان لله، هذا الرفض الذي يَذْكُر الكتاب المقدّس أنه بدأ في الفردوس، وجَعَلَ العالم الذي خلقه الله يتغيّر ويصبح (هذا العالم)، أي المكانَ الذي تسوده الخطيئة والفساد والموت، ويكون قانون وجوده هو رفض شريعة الله والخروج عليها. الصليبُ يُظهر أنَّ كلَّ خطيئة تُقْتَرف منذ البدء حتى نهاية العالم، وفي أيِّ زمان ومكان، وعلى يد أي إنسان - سواءٌ أعاش قبل المسيح أو بعده، وسواء أكان مؤمناً به أم غير مؤمن – هي رفضٌ لله وقبولٌ واستسلامٌ إلى حقيقة الشر التي يُعبِّر عنها رفضُ المسيح وصلبه. فإذا كان (الذين سقطوا بعد الصَلْب يصلبون المسيح ثانية) (عب 6:6)، حسب تعبير القديس بولس، وإذا كان المسيح (في ألم حتى نهاية العالم)، على حد قول باسكال، فذلك عائد إلى كون الصليب يُظهر أَنَّ رفضَ الله هو (محتوى) كلِّ خطيئة، وأَنَّ هذا الرفض هو قانون (هذا العالم) الخارج على شريعة الله.

الصليب هو الإعلان النهائي لـ(هذا العالم) و(شرِّه)، ولكنَّ البعد الثاني لسر الصليب يكمن في دينونته الحاسمة والنهائية لـ(هذا العالم) و(شرِّهِ)، لأنّ إظهار الشر وكشفَه يعنيان أننا ندينه. فالصليب الذي يُظهر أنّ (هذا العالمَ) هو رفضٌ لله، وبالتالي خطيئة، وأنه رفضٌ للحياة، وبالتالي موت، إنما يدين هذا العالم، لأنه لا يمكن (تصحيحُ) الخطيئة، ولا (افتداءُ) الموت. يُدَانُ (هذا العالم)، لأنه في الصليب يدين نفسه، ويُظْهر أنه طريق مسدود، وأنْ ليس لديه شيءٌ يُقَدِّمه، أو شيءٌ يعيش بموجبه سوى تفاهةِ الحياة الفانية وسخفِ الموت. وهكذا يكشف صليب المسيح نهاية (هذا العالم) وموته ويدّل عليهما.

وهنا نصل إلى البعد الثالث لسر الصليب، وهو بُعْدٌ مفرح ومجيد. فالصليب الذي يظهر أنّ (هذا العالم) هو خطيئة وموت، ويحكم عليه بالموت، يصير بدءَ خلاص العالم وتدشينَ ملكوت الله. إنَّه يُخَلَّص العالم بتحريره من (هذا العالم)، وبإظهاره أنَّ (هذا العالم) ليس هو جوهرُ العالم و(طبيعتُه)، بل (مظهرٌ) أو (شكلٌ) لوجوده. والصليب نفسهُ هو بدءُ (زوال) (1كو 31:7) هذا المظهر. صحيح أنّ الصليب يُدشِّن ملكوت الله. ولكنه لا يُظهره وكأنه (عالمٌ آخر) أو خليقة أخرى (تحلُّ محلَ) هذه الخليقة، بل على أنه الخليقة نفسها، ولكن بعدَ تحريرها من (أمير هذا العالم) واستعادَتِها إلى طبيعتها الحقيقية وإلى مصيرها الأخير، حيث (يكون الله كل شيء في كل شيء) (1كو28:15).

يمكننا أنْ نفهم الآن لماذا يبدو الصليب في الإيمان المسيحي – كما تجسّده وتنقله الخبرة الليتورجية للكنيسة – ظهوراً حقيقياً لتمجيد المسيح وتتويجه ملكاً. (الآن تمجّد ابن الإنسان وتمجّد الله فيه) (يو31:13). بهذه الكلمات تبدأ الكنيسة الاحتفال بالفصح، منذ سحر الجمعة العظيمة. وهنا أُشَدِّدُ مرةً أخرى على أن الفصح يبدأُ يومَ الجمعة وليسَ يوم الأحد. ففي التقليد القديم لم تكن لفظةُ الفصح تشيرُ إلى الأحد كما هي الحال اليوم، بل إلى السرِّ الثلاثي الأيام (triduum paschale) غير المنقسم: الجمعة والسبت والأحد. فهذه الوحدة، وهذه العلاقة المتبادلة بين يوم الصليب ويوم القبر ويوم القيامة، هما اللذان يكشفان لنا انتصارَ المسيح وتتويجَهُ ملكاً، وبالتالي طبيعةَ الملوكية التي يمنحها لنا.

في هذا الظهور الليتورجي، تكون الجمعةُ – يوم الصلب – هي فعلاً يومَ (هذا العالم)، يومَ كشفه الأخير عن نفسه، يومَ نصره الظاهري وهزيمته النهائية. عندما يرفض (هذا العالم) المسيح ويدينه، يُظهر (شرّه) المطلق، ويعلن أنه هو (الشر). وعندما يزيل المسيح (من طريقه) وينقله إلى الموت، ينتصر ظاهرياً. ولكنه في الواقع يُهزم هزيمة حاسمة. فالمسيح الذي يقف أمام مُحاكميه ويُدان ويُهزَأ به ويُهان ويُسمَّر على الصليب ويتألم ويموت، هو وحده الذي ينتصر، لأنّ طاعته ومحبته وغفرانه تعلن كلها أنها قد انتصرتْ على (هذا العالم). لذلك نسمع من عمق هزيمته الظاهرية أوَّلَ اعتراف بملوكيته: في اللوحة التي وضعها بيلاطس على الصليب، وفي صرخة اللص وهو يموت، وفي (دستور إيمان) قائد المئة: (كان هذا الرجلُ ابنَ الله حقاً) (مر39:15).

ثم يأتي يوم السبت العظيم المقدّس، (السبت المبارك)، يوم انتصار الموت ظاهرياً وهزيمته النهائية أمام المسيح. فحين يظهر الموت – ناموسُ (هذا العالم) – وكأنه (يبتلع) المسيح وينجز سيطرته العامة، (يبتلعه الظَفَر) (1كو54:15)، لأنّ الذي أسلمَ نفسه إلى الموت بملء إرادته يصير بريئاً من الموت، فيحطِّم الموت بالحياة والمحبة اللتين هما (موت الموت).

وعندما يقيمه الله من بين الأموات في اليوم الثالث، فإنّ حياته، التي (لم يعد للموت أي سلطان عليها) تُظهر حضورَ ملكوت الله (في وسطنا). وهذا هو بالتحديد مَدارُ الفرح الفصحي: ففي هذا العالم بالذات يُعْلَنُ الملكوت (الذي ليس من هذا العالم) ويتجلَّى ويُدشَّن بوصفه حياةً جديدة، في عالمنا الذي تدوّي فيه، منذ الآن وحتى اكتماله النهائي في الله، الصرخةُ الإلهية: افرحوا!

وهنا يمكننا أنْ نجيب عن السؤال الذي طرحناه في بداية هذا الفصل حول معنى الملوكية الجديدة الممنوحة لنا في سر المسحة المقدّسة. لقد صار في وسعنا الإجابة عنه لأنّ صليب المسيح أظهر لنا محتوى هذه الملوكية ومنحنا قوتها. فالمسحة المقدّسة تجعلنا ملوكاً بالفعل، ولكنّ الروح القدس يمنحنا ملوكية المسيح المصلوب، أي الصليبَ بوصفه ملوكيةً، والملوكيةَ بوصفها صليباً. فالصليب الذي يتوّج المسيح ملكاً، يكشف لنا أنه هو الطريقة الوحيدة لتتويجنا مع المسيح وإعادتنا ملوكاً.

وقد وصف القديس بولس هذه الطريقة وصفاً كاملاً حين كتب: (أمَّا أنا فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صار العالم مصلوباً بالنسبة إليّ، وصرتُ أنا مصلوباً بالنسبة إلى العالم) (غلا 14:6). تعبّر هذه الكلمات عن جِدَّةِ وفرادة النظرة المسيحية إلى العالم، وإلى دعوة الإنسان وحياته فيه. وتكمُن جِدَّتُها، تحديداً، في كونها تتجاوز الاستقطابَ، والاختزالَ، وجعلَ الأمور كلها (إما بيضاء أو سوداء)، كما تفعل تلك (الروحانيات) و(النظرات إلى العالم) عندما تقبل العالم قبولاً محضاً أو ترفضه رفضاً محضاً، وعندما تحوِّلُ الدين إمَّا إلى فاعلية (في هذا العالم) أو هروبٍ إلى (خارج هذا العالم). وهكذا يبدو صليب المسيح في هذه الروحانيات والأديان وكأنه، كما وصفه القديس بولس، (باطل)، ولا حاجة إليه، ولهذا السبب فإنه يظلّ – حتى داخل الدين – عثرةً للبعض وجهالةً لسواهم (1كو 23:1).

أنْ يكون العالم (مصلوباً بالنسبة إليّ) يعني، قبل كل شيء، أنْ يكون الصليبُ بالنسبة إليّ هو المقياس الوحيد لكل شيء في العالم، ومعيارُ كل حياة وعمل. وهذا يعني رفضَ العالم بوصفه (هذا العالم) الذي يستعبد الإنسان بالخطيئة والموت، ورفضَ العالم بوصفه (شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الغنى). لقد كشف المسيح على الصليب فسادَ العالم وشرَّه النابعين من كونه (هذا العالم)، وسيبقى هذا الكشف إلى الأبد حكماً على (هذا العالم) ودينونة له. ولكنه لا يُدان باسم أي عالم آخر أو من أجل أي عالم آخر، بل باسم طبيعته ودعوته الحقيقيتين ومن أجلهما، فهما الطبيعة والدعوة اللتان كشفهما الصليب من خلال إيمان ابن الإنسان وطاعته ومحبته. يكشف الصليب إدانة (هذا العالم) لنفسه، أي نهايَتَه، ولكنه في الوقت نفسه يُتيح إمكانيةَ قبول العالم بوصفه خليقة الله وموضع محبة الله واهتمامه غير المحدودين. وهذا هو معنى العالم (المصلوب بالنسبة إليّ). ففي داخل الإيمان المسيحي والنظرة المسيحية إلى العالم يكون رفض العالم وقبوله متواجدين معاً ومتعاضدين ومتداخلين بشكل يبلغ حد التناقض: الرفض هو الطريقة الوحيدة للقبول، والقبول هو الذي يكشف معنى الرفض وهدفه الحقيقيين.

ولكنّ هذه النظرة إلى العالم تبقى تناقضاً، أو مجرد (عقيدة)، إنْ لم (أُصلب بالنسبة إلى العالم). ففيّ أنا، وفي إيماني وحياتي وعملي، يمكن أنْ تصير هذه العقيدة حياةً، وأنْ يصير صليبُ المسيح قوةً. فالعلم، حسب الإيمان المسيحي، ليس (فكرة) أو (كُلِّيَّة) مجرّدة وغير شخصية، بل هو دائماً عطية فريدة لإنسان فريد: لقد وهبني الله العالم بوصفه حياتي ومهمتي ودعوتي وعملي ومسؤوليتي. ما من فكرة أو عقيدة يمكن أنْ تُخَلِّص العالم، ولكنّ العالم يهلك أو يُخَلَّص في كل إنسان. وهو يُخَلَّص كلَّما قَبِلَ إنسانٌ الصليبَ، ورضي أنْ يكون (مصلوباً بالنسبة إلى العالم). وهذا يعني ثباتاً وتمييزاً متواصلاً، وصراعاً مميتاً من أجل أنْ تنتصر دعوة الإنسان فيه. ويعني أيضاً، رفضاً متواصلاً للعالم بوصفه (هذا العالم)، أي رفضاً لاكتفائه الذاتي وأنانيته وشرِّه وفساده، ولكل ما يسميّه الكتاب المقدّس (تكبراً). ولكنه يعني في الوقت نفسه قبولاً متواصلاً للعالم بوصفه عطية الله لنا ووسيلة نموّنا فيه وشركتنا معه.

(أنْ يكون العالم مصلوباً بالنسبة إليّ، وأن أكون مصلوباً بالنسبة إلى العالم) هو الوصف والتحديد الحقيقيان لملوكيتنا التي نستعيدها في المسحة الملوكية، وننالها من الروح القدس. (كل شيء لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح لله) (1كو 22:3). كل شيء لنا: العالم لنا من جديد ويمكننا أنْ نسود عليه. كل دعوة بشرية مباركة ومقدّسة، وكل منها فريدةٌ لأنّ كلَّ إنسان فريد. كلَّ شيء مقبولٌ، ما عدا الشر والخطيئة. وكلُّ شيء يجب أنْ يُجعل معرفةً لله وشركةً معه، فيعكس ويعبِّر عن صلاح ملكوت الله وحقيقته وجماله. أما إذا بدا لحكمة (هذا العالم) أنَّ القانون الداخلي للملوكية والقوة الجديدتين يحمل تناقضاً وجهالة، فالسبب في ذلك أنَّه معاكس تماماً للقانون الذي يقبله (هذا الجيل) على أنه هو القانون البديهي.

القوة الملوكية الجديدة والحقيقية التي يمنحها المسيح للبشر هي القوة التي تمكّنهم من أنْ يتجاوزوا ويتغلّبوا على غائية (finality) هذا العالم، وحدوده الطبيعية، وآفاقه المغلقة. هي القوة التي تمكّنهم من جعل العالم إلهياً من جديد، بدل جعل الله (دنيوياً). إنها القوة التي تمكّنهم من الاستمرار في رفض (هذا العالم) بوصفه غاية بذاته، وقيمة بذاته، وجمالاً أو معنى بذاته. إنها القوة التي تمكّنهم من الاستمرار في (إعادة خلق) العالم بوصفه ارتقاء إلى الله. فالخطيئة لا تكمن في سوء استعمال تلك القوة، أو في انحرافاتها ونواقصها الجزئية وحسب، بل في كون الإنسان يحبًُّ العالم من أجل أغراضه الذاتية، ويريد أنْ يجعل كل شيء، حتى الله، خادماً للعالم. لا يكفي أنْ نؤمن بالله وأنْ نجعل هذا العالم (متديِّناً)، والأحرى أنْ نقول إنَّ الإيمان الحقيقي بالله، والدين الصحيح، موجودان في تأكُّدنا، سرياً وبديهياً، من أنَّ ملكوتَ الله، موضوعَ كل تشوق ورجاء وحب، (ليس من هذا العالم)، بل هو الملكوت (العلوي) الذي يستطيع وحده أنْ يعطي معنى وقيمة لكل شيء في العالم.

أنْ نعيد الإنسان ملكاً، لا يعني أنْ نزوِّده ببعض القوى أو المهارات التي تفوق الطبيعة، ولا يعني أنْ نُضْفي على نشاطه الدنيوي توجهاً جديداً، ولا يعني أنْ نجعله يتفوَّق في مجالات الهندسة والطب والأدب. فقد يكون غير المؤمنين (أكثر براعة) في العلم والتكنولوجيا والطب الخ... أنْ نعيدَ الإنسان ملكاً، يعني أولاً وقبل كل شيء أن نحرِّره من الاعتقاد بأنّ هذه المجالات هي غاية الوجود البشري ومعناه النهائي، أو أنها الأفق الوحيد للحياة البشرية. وهذا التحرّر هو ما يحتاج إليه الإنسان الدنيوي المعاصر قبل أي شيء آخر. صحيح أنه صار يعرف أكثر فأكثر كيف (يجعل الأشياء تعمل)، ولكنه فَقَدَ أية معرفة بماهية هذه الأشياء، وصار عبداً للأصنام التي أوجدها بنفسه. إنّ الإنسان – والعالم كله – يحتاج إلى هذه الحرية النابعة من معرفة الملكوت (الذي ليس من هذا العالم)، لا إلى ما نقدّمه في عروض (التورط) البائسة المدافعة عن نفسها، ولا إلى استسلامنا لـ(هذا العالم) بفلسفاته ومصطلحاته لعابرة. عندما يكون طعمُ الملكوت على شفتي الإنسان، يصيرُ العالم بالنسبة إليه إشارةً ووعداً وعطشاً وجوعاً إلى الله. وعندما نسعى قبل كل شيء إلى الملكوت، نبدأ فعلاً بالاستمتاع بالعالم والتمتع بـ(سلطتنا عليه). وإذّاك تُستعادُ طهارةُ الأشياء وصفاءُ معرفتنا ورؤيتنا لها، وصلاحُ استخدامنا إياها. وسواء أكانت مهمتنا ودعوتنا ومهنتنا مجيدة أم متواضعة، ذات معنى أم تافهة، بحسب مقاييس (هذا العالم)، فإنها تكتسب معنىً وتصير فرحاً ومصدراً للفرح، لأننا لا نعيها ولا نختبرها عندئذ في ذاتها، بل في الله وبوصفها إشارة إلى ملكوته. (فكل شيء لكم... العالم والحياة والموت والحاضر والمستقبل. كل شيء لكم، وأنتم للمسيح، والمسيح لله) (1كو 21:3- 23).

هذه هي الملوكية الجديدة التي ننالها في مسحة الميرون المقدّس، إنها ملوكية أولئك الذين (وُلُّوا على الملكوت) (لو29:22)، وذاقوا فرحه وسلامه وبرّه، وهؤلاء هم الذين يسعهم التغلّب على هذا العالم بقوة الصليب المجيدة، وتقديمه إلى الله، بعد أنْ يغيِّروه فعلاً. وهذا ما يقودنا الآن إلى الرتبة الثانية الممنوحة لنا في سر الروح القدس: الرتبة الكهنوتية.