صار البعد الكهنوتي للحياة المسيحية المعطاة لنا في
موهبة الروح القدس منسياً أكثر من ملوكية الإنسان
الجديدة في المسيح. وقد نُسي هذا البعد لأنه امتُصَّ
وذابَ في التقسيم القديم، السابق للمسيحية، وهو
التقسيم الذي يفرّق بين الإكليروس والعلمانيين، ويشدّد
على أنَّ العلمانيين ذوو طبيعة غير كهنوتية. وعندما
قَبِلَ الفكر المسيحي هذا الاختزال الذي يعني العودة
إلى مقولات العهد القديم، ورَفَضَ المعنى الحقيقي
للمسيحية، وهو أنَّ كل شيء يتغيّر ويتجدّد جذرياً في
المسيح، حتى المقولات والدين نفسه، انتهى به الأمر إلى
الوقوف أمام مأزق مغلوط: فإمّا أنَّ المؤسسة الكهنوتية
تُبعد عن الكنيسة كل فكرة تقول بالصفة (الكهنوتية) لكل
المسيحيين، وإمّا أنّ (الصفة الكهنوتية) لكل
المسيحيين، وبالتالي لكل الكنيسة (التي عرّفها الرسول
بأنها (كهنوت ملوكي)) يجب أنْ تمنع وجود مؤسسة كهنوتية
في الكنيسة. وهكذا نرى، مرة أخرى، أنَّ المنطق البشري
المجرد الذي طُبِّق على سرِّ الكنيسة تسبّب في تشويه
هذا السر، وأدَّى لاحقاً إلى إفقار اللاهوت
والليتورجيا والتقوى.
|
أما الكنيسة الأولى فقد تمسكتْ بالأمرين وشدّدتْ
عليهما معاً: فثمة مؤسسة كهنوتية داخل الكنيسة،
وثمة (كهنوت ملوكي) يخصّ الكنيسة، وهما البعدان
الأساسيان والمتكاملان لحياتهما نفسها. إنهما
(أساسيان) لأنهما ينشآن من خبرة الكنيسة للمسيح
ولكهنوته الفريد، و(متكاملان) لأنّ كلاً منهما يكشف
العلاقة المتبادلة بينهما، ومكان الآخر وأهميته في
حياة الكنيسة وعملها
(16).
لذلك نحن مدعوون إلى أنْ نكتشف مجدداً المعنى الحقيقي
لكهنوت المسيح. فالفساد التدريجي الذي ذكرناه
آنفاً لم يبدأ إلاّ بعد أنْ راح كهنوت المسيح
يُخْتَزَلُ إلى مقولاتٍ (إكليريكية)، ويُنْظَرُ إليه
بوصفه مصدراً لـ(المؤسسة) الكهنوتية وحدها. وقد أدّى
هذا الاختزالُ إلى تقويض الخبرة الأولى والتقليد
القديم، فبات لزاماً علينا أنْ نفهم أنَّ كهنوت المسيح
– مثل ملوكيته ونبويته – متأصلٌ في طبيعته البشرية
قبل أي شيء آخر، وأنه جزء منها وتعبير متمّم لها.
المسيح ملك وكاهن ونبي لأنه آدم الجديد، أي الإنسان
الكامل الذي يعيد الإنسان إلى كماله وشموليته. وبلغة
اللاهوت، إنّ المعنى الخلاصي لهذه (الوظائف)
الثلاث ينشأ من خاصيتها الكيانية (الأنطولوجية)، أي من
كونها تخص الطبيعة البشرية التي اتخذها المسيح لكي
يُخلِّصها. وهذا يعني أنّ الطبيعة البشرية ذاتُ بعد
كهنوتي، وهو البعد الذي خانه الإنسان وخسره بسبب
الخطيئة، ثم استعاده المسيح وحقّقه. وهنا يُطْرَح
سؤال: ماذا يعني للإنسان كونُه كاهناً؟ والواقع
أنّ إجابتنا عن هذا السؤال، الذي يتضمّن تلقائياً معنى
كهنوت المسيح بالنسبة إلينا، تمكّننا من أنْ نفهم في
وقت واحد معنى (الكهنوت الملوكي) بوصفه طريقة الحياة
المسيحية، ومعنى (المؤسسة) الكهنوتية بوصفها الشكل
الضروري للكنيسة.
نقول (الكهنوت الملوكي)، لا الكهنوت وحده ولا الملوكية
وحدها، لأنهما مرتبطان معاً، وكلٌّ منهما يحقّق الآخر
ويتحقّق في الآخر. وهذا (الكهنوت الملوكي) هو سرُّ
الإنسان الذي كُشِفَ في المسيح. فإذا كان من خصائص
الملك أنْ يمتلك القوة والسلطان، وإذا كان من خصائص
الكاهن أن يُقرِّب الذبيحة، أي أنْ يكون وسيطاً بين
الله والخليقة، وأنْ (يُقدّس) الحياةَ بإدخالها في
المشيئة الإلهية والنظام الإلهي، فإنّ هذه الوظيفة
المزدوجة هي وظيفة الإنسان منذ البدء. ولكنها وظيفة
واحدة، فيها تتحقّق ملوكية الإنسان الطبيعية في
الكهنوت، وفيها يجعله كهنوته الطبيعي ملكاً على
الخليقة. إنّ للإنسان (قوة وسلطاناً) على العالم،
ولكنه يحقّق هذه القوة بتقديس العالم، وجعله في
شركة مع الله. قوة الإنسان ليست مجرد قوة من الله أو
قوة أدنى من الله، ولكنّ الله، والصلاحَ النهائي الذي
رأينا أنه القانون الداخلي لكل قوة، هما غايتُها
ومحتواها. وبالتالي، فإنّ هذه القوة تتحقّق في
التقدمة، التي كانت منذ زمن بعيد، وقبل أنْ تصبح
مرادفاً للتكفير، التعبيرَ الأساسي عن رغبة
الإنسان في الشركة مع الله، وعن تشوّق الخليقة إلى
تحقيق ذاتها في الله، لأنّ التقدمةَ كانت أساساً فعلَ
تسبيح وشكر واتحاد. ولهذا السبب فإنّ الإنسان ملك
وكاهن من حيث طبيعته ودعوته. |
|
سقوط الإنسان هو رفضه هذه الدعوة الكهنوتية، وامتناعه
عن أنْ يكون كاهناً. والخطيئةُ الأصليّة تكمن في
اختيار الإنسان علاقة غير كهنوتية مع الله والعالم.
والأرجح أنّه لا توجد لفظةٌ في وسعها التعبير عن جوهر
هذا الأسلوب الحياتيّ الجديد والساقط وغير الكهنوتي،
أفضلُ من لفظة (مستهلك) التي لاقتْ رواجاً منقطع
النظير في عصرنا الحاضر. فبعد أنْ مَجَّدَ الإنسان
نفسَهُ بوصفه (الإنسان العامل
homo faber)
ثم (الإنسان المفكّر
homo sapiens)،
يبدو أنه وجد دعوته النهائية في كونه (مستهلكاً). وثمة
أناس معاصرون يرون في الدفاع عن (حقوق المستهلك) دعوةً
عظيمة وبطولية! فهل نحتاج إلى برهان على أنّ هذا
(المثال) يستبعد، ببساطة تامة، فكرة التقدمة ودعوة
الإنسان الكهنوتية؟ الإنجاز المؤسف لعصرنا – وهو صادق
في هذا المجال – أنه يؤكد بفخر ما حاولتْ حضارات سابقة
أنْ تخفيه. ولكنّ الحقيقة البديهية أنّ (المستهلك) لم
يولد في القرن العشرين. فأوَّلُ مستهلك كان آدم نفسه،
لأنه لم يَخْتَرْ أنْ يكون كاهناً، بل أنْ يتعاطى مع
العالم كمستهلك: أنْ (يأكل) منه، ويستعمله، ويسود عليه
من أجل نفسه، ويستفيد منه، دون أنْ يقرّبه ويقدّمه
ويملكه من أجل الله وفي الله. والثمرة الأكثر مأساوية
لتلك الخطيئة الأصلية، أنها جعلت الدين نفسه (سلعة
استهلاكية) موضوعية لكي تشبع (حاجاتنا الدينية)،
وتخدمنا بوصفها علاجاً أو غطاء أمنياً، وتزوّدنا بصلاح
رخيص يرضي نوازعنا، وبـ(روحانيات) رخيصة وأنانية
وخادمة لذاتها. ولا بدّ أنْ يكون الكاهن هو المزوّد
البديهي بكل هذا، وأنْ تُستخدم قواه الخاصة والمقدّسة
من أجل تأمين مصلحة الدين في مجتمع وحضارة بعيدين عن
أي اهتمام بالدعوة الإلهية التي دُعي إليها الإنسان
والخليقة كلها.
|
لا حاجة بنا إلى القول إنّ هذا المفهوم لم يكن- ولن
يكون – هو المفهوم المسيحي الحقيقي للإنسان والدين
والكهنوت. فالمسيح الذي تجسَّد وقدَّم نفسه إلى الله
من أجل خلاص العالم، أظهر طبيعةَ الإنسان الحقيقية، أي
الطبيعة الكهنوتية. وهوي يهبنا حياته في المعمودية وسر
المسحة المقدّسة، فيعيدنا إلى كهنوتنا: أي إلى قدرتنا
على تقديم أنفسنا (ذبيحةً حيةً مقدّسةً مرضيةً عند
الله) (رو1:12)، وإلى قدرتنا على جعل حياتنا بكاملها
(عبادةً روحيةً) (رو1:12) وتقدمةً وذبيحةً وشركة.
ولكنّ الكنيسة هي عطيةُ هذه الحياة الجديدة وحضورُها
في العالم، وهي بالتالي تقدمةٌ وذبيحة وشركة، لذلك
تكون أيضاً، وبالضرورة، كهنوتيةً في مجموعها بوصفه جسد
المسيح، وفي أعضائها بوصفهم أعضاء هذا الجسد. إنها
كهنوتيةٌ في علاقتها بنفسها، لأنَّ حياتها هي تقديم
نفسها إلى الله، وكهنوتيةٌ في علاقتها بالعالم، لأنّ
رسالتها هي تقديم العالم إلى الله، أي تقديسه. (التي
لك مما لك نقدّمها لك على كل شيء ومن أجل كل شيء). إنّ
وضع هذه التقدمة موضع القلب في سر الشكر، أي السر الذي
تصير فيه الكنيسة (كنيسة)، عائد إلى أنها تُحقِّق
وتعبِّر عن كامل حياة الكنيسة، وعن جوهر مهمة الإنسان
ودعوته في العالم. إننا مدعوّون إلى أنْ نقدّس ونغيّر
أنفسنا وحياتنا، وكذلك العالم الذي أُعْطِيَ لكل منا
بوصفه مملكَتَه. ونحن نُقدِّس ونُغَيِّر أنفسنا،
بتقديم حياتنا وعملنا وأفراحنا وآلامنا إلى الله
دائماً، بجعل أنفسنا منفتحة دائماً على مشيئة الله
ونعمته، بأنْ نكون كما جعل المسيح، أي هياكل للروح
القدس، وبأنْ نغيِّر حياتنا إلى ما سيَّرها إليه الروح
القدس: أي (ليتورجيا)، وخدمة لله وشركة معه. ونحن
نقدّس ونغيَّر العالم بأنْ نكون حقاً (رجالاً
للآخرين)، لا بمعنى التورط المتواصل في أمور اجتماعية
أو سياسية، كما نختزل المسيحية اليوم، بل بأنْ نكون
دائماً وفي كل مكان وفي كل الأشياء شهوداً
لحقيقة المسيح التي هي الحياة الحقيقية الوحيدة،
ورسلاً لتلك المحبة المُضَحِّية التي هي جوهر
كهنوت الإنسان ومحتواه.
وعلى ضوء هذا (الكهنوت الملوكي) الذي نناله ونستعيده
في سر الروح القدس، يمكننا أنْ نفهم المعنى المسيحي
الحقيقي والجديد لـ(مؤسسة) الكهنوت، أي كهنوت أولئك
الذين (فرزتْهم) الكنيسة منذ البدء، ورسمتْهم بتواصل
لم ينقطع منذ الرسل، كهنةً ورعاةً ومعلّمين. فالكنيسة
تحتاج إلى كهنة لكي تكون كهنوتية في ذاتها وفي
جميع أعضائها وفي كامل حياتها، ولكي يحقِّق أعضاؤها
كهنوتهم الملوكي. فإذا كانت طبيعة الإنسانُ نفسُها
تستعيد في المسيح كهنوتَها الملوكي، حتى يصير بإمكان
كلِّ دعوة بشرية وكلِّ حياة بشرية أنْ تكون كهنوتية
بالفعل، فلأنّ المسيحَ نفسه لم تكن له أيَّةُ دعوةٍ أو
أيَّة حياةٍ سوى أنْ يعلن إلى البشر إنجيل الملكوت
ويكشف لهم الحقيقة الإلهية ويمنحهم – ببذله ذاته –
غفران الخطايا والخلاصَ وموهبةَ الحياة الجديدة. وبهذا
المعنى يكون كهنوت المسيح وحيداً وشخصياً.
والمسيح يبني كنيسته على أساس كهنوته الوحيد والشخصي،
وعلى أساس ذبيحتِه الوحيدة والشخصية. لذلك فإنّ
الكنيسة بوصفها ثمرةَ كهنوتِه وذبيحتِه وعطيتَهما،
ليست وقفاً على أي شيء أرضيّ أو بشريّ، وليست وقفاً
على مقدار استجابتنا، أو على انجازاتنا ونموِّنا. فهي
منذ البدء ملء النعمة والحقيقة، ولا تغييرَ أو نموَّ
فيها، لأنها عطية المسيح الذي يبقى إلى الأبد كاهنَها
راعيها ومعلّمَها الوحيد. ولكنه يقيم فيها كهنةً لكي
يبقى كهنوتُه الوحيد والخاص حاضراً فيها، فتصير (ملءَ
ذاك الذي يملأ الكلَّ في الكلّ) (أفسس 23:1). ولكنّ
كهنوتَ هؤلاء ليس لهم بل للمسيح، ودعوتُهم هي ألاّ
تكون لهم أيَّةُ دعوة سوى دعوة المسيح الشخصية،
وأنْ يؤمِّنوا حضورَ وقوّةَ كهنوته في الكنيسة،
واستمرارَه إلى أنْ يتمَّ كل شيء في الله. فكما أرسلَ
الآبُ ابنه ليخلِّص العالم، كذلك يختار الابنُ ويرسل
مَن يأتمنهم على مواصلة رسالته الخلاصية، واستمرار قوة
كهنوته الوحيد. |
|
فرادة هذه الدعوة تكمن في أنها دعوة مفروزة،
وليست واحدة من الدعوات البشرية. ولكنّ فرزها
لا يعني أنها تفوق الدعوات الأخرى بقوّتها وامتيازها
ومجدها، أو أنها دعوة (مقدّسة) في مقابل دعوات
(دنيوية)، فهي الدعوة التي تجعل كهنوت المسيح الوحيد
حاضراً، وسائر الدعوات تحقيقاً لكهنوت الإنسان
الملوكي. والكهنة موجودون في الكنيسة لكي تستطيع
الكنيسة أنْ تحقّق ذاتها بوصفها (كهنوتاً ملوكياً).
ولا يمكنها أنْ تكون كهنوتاً ملوكياً إلاّ إذا كان
فيها كهنة، وكان في هؤلاء الكهنة كهنوتُ المسيح
الوحيد. فالكاهن لا يفعل أيَّ شيء بإدارته الخاصة، بل
إنّه بتجديد الروح القدس وموهيته يفعل ما فعله المسيح:
يكرز بالإنجيل، يحقّق الكنيسة في الأسرار، و(يطعم
الخراف). والكنيسة التي هي عطية المسيح نفسه يمكنها
أنْ تشهد من خلال جميع أعضائها، للمسيح ولعمله الخلاصي
الذي أتمَّه في العالم.
لقد صرنا (ملوكاً وكهنة...) ونصير أخيراً أنبياء. وفي
هذه الرتبة الثالثة، أي الموهبة والدعوة الثالثة، التي
ظهرتْ واستعيدتْ في المسيح، علينا أن نكتشف البعد
الأخير للروحانية المسيحية.
16-
راجع:
Paul
Daubin،
S.J.،
Le Sacerdoce Royal des fidèles dans la tradition
anceinne et moderne،
paris 1950.