بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الثالث: سر الروح القدس
و- النبي

تطلق الكتيّبات اللاهوتية على (وظيفة) المسيح الثالثة صفة النبوية، فالمسيح الذي تحقّقتْ فيه النبوءات كلُّها هو النبي. ولكننا مدعوون مرة أخرى إلى فهم ما تتجاهله الكتيّبات اللاهوتية، وهو أنّ نبويةَ المسيح، مثل ملوكيته وكهنوته، هي ملء الطبيعة البشرية التي فيه، وأنه نبي بسبب كونه الإنسان التام والكامل.

والإنسان الذي خُلق ملكاً وكاهناً، مدعوٌّ إلى أنْ يكون نبيّاً أيضاً. وإذا كان هذا اللقب قد صار في العهد القديم وفقاً على بعض البشر، الذين دعاهم الله دعوة خاصة، وأنْعَمَ عليهم ببعض المواهب والوظائف (الاستثنائية)، فلأنّ الخطيئة جعلت الإنسان يرفض ويخسر موهبته النبوية (الطبيعية)، ويأبى أنْ يكون نبياً. ولكن في البدء عندما كان آدم في الجنة، خاطبه الله (عند هبوب ريح النهار) (تك 8:3)، وسمع آدم صوته، لأنّ سماع صوت الله والإجابة عنه أمران يخصان الإنسان. وقد أعلن الكتاب المقدّس أنّ الخلاص هو استعادة الإنسان إلى دعوته النبوية: (قال الله: سيكون في الأيام الأخيرة فيضٌ من روحي أسكبه على الناس أجمعين، فيتنبأ بنوكم وبناتكم...) (أع 2:17، استشهاداً بيوئيل 28:2).

فما هي النبوّة؟ إننا نختزلها في العادة إلى قدرة غامضة على التنبؤ بالمستقبل، إلاّ أنه يجب علينا أنْ نراها كما يعلنها الكتاب المقدّس: أي القوة المعطاة للإنسان لكي يميِّز مشيئة الله دائماً، ويسمع صوته، ويكون - في الخليقة والعالم – شاهداً وأداةً للحكمة الإلهية. النبي هو الذي يسمع صوت الله، حتى يمكنه أنْ ينقلَ مشيئة الله إلى العالم. وهو الذي (يقرأ) كل الأحداث وسائر (المواقف) بعينيّ الله، حتى يمكنه أنْ يردّ كل ما هو بشري وزمني إلى ما هو إلهي وأبدي. وبكلام آخر، النبي هو الذي يصير العالم شفافاً بالنسبة إليه، حتى يستطيع أنْ يرى الله من خلاله. وهذه هي دعوة الإنسان وطبيعتهُ الحقيقيتان.

ولكنّ الإنسان الذي رفض ملوكيته وكهنوته، رفض أيضاً موهبة النبوة. فقد ظنَّ في كبريائه – والخطيئة ثمرة الكبرياء والفهم المغلوط لعبارة (ستكونون آلهة) – أنَّه يستطيع معرفةَ العالم وامتلاكَهُ من دون (النبوّة)، أي من دون الله. وهذه المعرفة (اللانبوية) هي التي راح الإنسان يطلق عليها أخيراً صفة (الموضوعية)، ويرى فيها المصدر الوحيد لكل حقيقة.

وهكذا أخذ الإنسان، جيلاً بعد جيل، يترك أحلام الطفولة ورؤاها من أجل الهياكل العظيمة لهذه (المعرفة الحقيقية): أي المدارس والجامعات التي يقوم (أساتذتها) و(معلّموها) – الواثقون من امتلاكهم المدخل الوحيد إلى الحقيقة – بتحويل البشر إلى متعبدين عميان لهذه (الموضوعية)، أو بالأحرى إلى تلاميذ عميان لمعلّمين عميان. فهل ثمة حاجة إلى أنْ نبرهن، في هذا النصف الثاني من قرننا المأساوي، على أنّ التراكم المدهش لتلك المعرفة (الموضوعية)، ولما بُنيَ عليها من (تقنيات)، لم يمنعْ (حضارتنا) من أنْ تصير أزمةً عامة، تشمل المجتمع والسياسة والبيئة والطاقة، بل إنه كان المسبِّب الأساسي لهذه الأزمة؟ وهل ثمة حاجة إلى أنْ نبرهن على أنه بالرغم من سعي تلك المعرفة وكل تلك التقنيات إلى تحريرنا (وهو الشعار المفضّل في عصرنا)، فإنّ الإنسان يشعر الآن أنه مستعبَد ومعزول وضائع ومبلبل وقانط أكثر من أية فترة أخرى من تاريخه؟ وأنَّ سحابة مظلمة من اليأس، وشعوراً رهيباً بالفراغ التام، يتخلّلان الهواء الذي نتنشقه، وتعجز النشوة السطحية لـ(مجتمعنا الاستهلاكي) عن تبديدهما؟ وأنَّ تمرداً خالياً من المعنى يتحدى مؤسسة خالية من المعنى، باسم (حريات) سخيفة، محتواها الإرهاب والدم والجنس والشهوة والبغض والتعصب؟

الحقيقة المحزنة والمثيرة للسخرية هي أنّ الإنسان، بعد إنكاره ورفضه موهبة النبوة التي منحه إياها الله من اجل المعرفة والحرية الحقيقيتين، جعل نفسه عبداً لمجموعة من (النبوءات) الكاذبة، أوَّلُها الاعتقاد بـ(المعرفة الموضوعية) وبقدرتها على أنْ تغيّر العالم وتخلّصه. فلم يسبق أنْ كان العالم مشبعاً بإيديولوجيات تَعِدُ بحل كل المشاكل، مثلما هي حاله اليوم. ولم يسبق أنْ وجُد مثلُ هذا العدد من (الدعوات الخلاصية) التي تَدَّعي أنّها تعرف – (علمياً) و(موضوعياً) – العلاج القاضي على كافة الشرور. إنّ عصرنا هو في الحقيقة عصر الخداع النبوي، عصرُ النبوءات الكاذبة والأنبياء الكذبة في (العلم) و(الدين) على حد سواء. فكلّما اتَّضح إخفاقُ النبوءات الكاذبة على الصعيدين الفكري والعلمي، ازداد البحث عن نبوءات كاذبة وأديان كاذبة على الصعيد اللاعقلي. والدليل على ذلك هو عودة بعض الظواهر إلى الانتشار مجدداً في مجتمعنا (التكنولوجي) و(العقلي)، ومنها علم التنجيم والسحر والمذاهب الباطنية والعديد من أشكال الاهتمامات بكشف الخفايا. وكلها تبرهن على أمر واحد، وهو أنّ النبوّة، بوصفها أمراً (طبيعياً) في الإنسان، لا يمكن أنْ يُقضى عليها، فإذا تحطَّم جوهرها الإيجابي المعطى من الله، تعود حتماً إلى الظهور، ولكن كهاجس ساقط ومظلم وشيطاني.

تشتمل فكرة الخلاص المسيحية على أنّ المسيح يستعيد الإنسان كنبي. ولكنّ موهبة النبوَّة التي ننالها في سر الروح القدس لا تعني منحنا قوة غريبة سحرية، أو معرفة (فائقة للطبيعة) تختلف عن المعرفة الطبيعية أو تتعارض معها. إنها ليست قدرة لا عقلية تضاف إلى فكرنا البشري أو تأخذ مكانه، فتجعل من المسيحي عرّافاً دينياً أو نوستراداموساً (Nostradamus = عرّاف فرنسي من القرن السادس عشر). إنها ليست تمجيداً لـ(الرؤى) و(الأحلام) بوصفها أموراً لا عقلية ولا فكرية تحل محل العقل، أو بوصفها (إعلانات) و(آيات) سرية مختلفة الأنواع. وربما كانت أفضل طريقة لتحديد هذه الموهبة هي استعمال لفظة (الصحو) التي ينزلها الأدب النسكي منزلة الأساس الأول والضروري لكل روحانية حقيقية. والصحو هو نقيض (النبوّة الكاذبة) التي تكون دائماً ثمرةَ اضطراب داخلي في الإنسان، وتشتتٍ في قدراته ومواهبه. الصحو هو الكمال والسلام الداخليين، أي الانسجام بين النفس والجسد، وبين الفكر والقلب. وهذا الانسجام هو وحدَهُ الذي يستطيع أنْ يميّز ويفهم ويمتلك الحقيقة في مجموعها، وكما هي، لكي يقود الإنسان إلى (الموضوعية) الحقيقية الوحيدة. إنّ الصحو فهمٌ، لأنه يميّز الخير والشر في كل شيء، في الحركات اللاواعية للنفس وفي (الأحداث العظيمة) على السواء، ولأنه (يعرف) الشر حتى ولو كان، كعادته دائماً، مرتدياً حلل النور. والصحو تَمَلُّكٌ لأنه – وهو انفتاح الإنسان بكليته على الله وعلى مشيئته وحضوره، وإداركٌ متواصل لله – يجعل الإنسان قادراً على تَقَبُّل كل شيء بوصفه آتياً من الله وقائداً نحوه. وبكلام آخر، لأنه قادر على أنْ يعطي معنى وقيمة لكل شيء.

هذه هي موهبة النبوّة التي ننالها في المسحة المقدّسة: إنها موهبة التمييز والفهم، موهبةُ امتلاكنا الحقيقي لأنفسنا ولحياتنا في المسيح ومعه. ولكنّ التمييز والفهم لا يعنيان معرفة كل شيء، فإنه (ليس لكم أنْ تعرفوا الأزمنة والآونة التي وَقَّتَها الآبُ بذات سلطانه) (أع 7:1)، لذلك كانت الكنيسة دائماً شديدة الحذر في التعاطي مع النبوءات (المستقبلية) التي تزداد شعبيتها عند (المتدينين). كما أنّ موهبة النبوّة لا تجعلنا (أخصائيين) بصنع العجائب في كافة المجالات. فالمسيح نفسه (كان ينمو في الحكمة والقامة) (لو 52:2). وقد أكَّدَت الكنيسة دائماً أنّ الفكر البشري هو أسمى المَلَكات التي وهبها الله للإنسان، ورفضت وشجبتْ كلَّ تمجيدٍ لما هو (غير عقلاني)، وكلَّ ازدراء بالمعرفة والعلم والحكمة في كافة نواحيها. موهبة النبوة ليست أسمى من الطبيعة البشرية الحقيقية المستعادة في المسيح، ولا هي خارجها، بل إنها البعد الضروري والعمودي لكل أجزائها، ولكل المواهب والدعوات البشرية. في المسيح ننال المعرفة الجوهرية، أي معرفة الحقيقة عن الله والإنسان، وعن العالم ومصيره الأخير. وهذه الحقيقة هي التي تجعلنا أحراراً بالفعل، وقادرين على التمييز والفهم، وهي التي تمنحنا القدرة على أنْ نكون – في كل الظروف والحالات، وفي كل المهن والدعوات، وفي استعمال كل مواهبنا البشرية – شهوداً للمسيح. وهذه الشهادة هي المعنى والمحتوى والهدف الأخير لوجودنا وأعمالنا.

المسحة بالميرون المقدّس هي رفعنا إلى الملوكية، ورسامتنا في الكهنوت الملوكي، ومنحنا المواهب النبوية. ونحن ننال كل هذا لأنّ الروح القدس هو الذي يهبه لنا المسيح: الملكُ والكاهنُ والنبي. لذلك يجب أنْ ننتقل الآن إلى المظهر الثاني لهذا السر، أي إلى الروح القدس نفسه بوصفه هبة المسيح لنا. فإذا كان الروح القدس يهبنا المسيح، وإذا كان حلوله علينا يجعلنا مشاركين في حياة المسيح، وأعضاء في جسده، ومساهمين في عمله الخلاصي، فإنّ الروح القدس هو الذي يرسله لنا المسيح من أبيه، بوصفه الموهبةَ الأخيرة وحقيقةَ الملكوت نفسها.