|
والإنسان الذي خُلق ملكاً وكاهناً، مدعوٌّ إلى أنْ
يكون نبيّاً أيضاً. وإذا كان هذا اللقب قد صار في
العهد القديم وفقاً على بعض البشر، الذين دعاهم الله
دعوة خاصة، وأنْعَمَ عليهم ببعض المواهب والوظائف
(الاستثنائية)، فلأنّ الخطيئة جعلت الإنسان يرفض ويخسر
موهبته النبوية (الطبيعية)، ويأبى أنْ يكون نبياً.
ولكن في البدء عندما كان آدم في الجنة، خاطبه الله
(عند هبوب ريح النهار) (تك 8:3)، وسمع آدم صوته، لأنّ
سماع صوت الله والإجابة عنه أمران يخصان الإنسان. وقد
أعلن الكتاب المقدّس أنّ الخلاص هو استعادة الإنسان
إلى دعوته النبوية: (قال الله: سيكون في الأيام
الأخيرة فيضٌ من روحي أسكبه على الناس أجمعين، فيتنبأ
بنوكم وبناتكم...) (أع 2:17، استشهاداً بيوئيل 28:2).
فما هي النبوّة؟ إننا نختزلها في العادة إلى قدرة
غامضة على التنبؤ بالمستقبل، إلاّ أنه يجب علينا أنْ
نراها كما يعلنها الكتاب المقدّس: أي القوة المعطاة
للإنسان لكي يميِّز مشيئة الله دائماً، ويسمع صوته،
ويكون - في الخليقة والعالم – شاهداً وأداةً للحكمة
الإلهية. النبي هو الذي يسمع صوت الله، حتى يمكنه أنْ
ينقلَ مشيئة الله إلى العالم. وهو الذي (يقرأ) كل
الأحداث وسائر (المواقف) بعينيّ الله، حتى يمكنه أنْ
يردّ كل ما هو بشري وزمني إلى ما هو إلهي وأبدي.
وبكلام آخر، النبي هو الذي يصير العالم شفافاً بالنسبة
إليه، حتى يستطيع أنْ يرى الله من خلاله. وهذه هي دعوة
الإنسان وطبيعتهُ الحقيقيتان.
ولكنّ الإنسان الذي رفض ملوكيته وكهنوته، رفض أيضاً
موهبة النبوة. فقد ظنَّ في كبريائه – والخطيئة ثمرة
الكبرياء والفهم المغلوط لعبارة (ستكونون آلهة) –
أنَّه يستطيع معرفةَ العالم وامتلاكَهُ
من دون (النبوّة)، أي من دون الله. وهذه المعرفة
(اللانبوية) هي التي راح الإنسان يطلق عليها أخيراً
صفة (الموضوعية)، ويرى فيها المصدر الوحيد لكل حقيقة.
وهكذا أخذ الإنسان، جيلاً بعد جيل، يترك أحلام الطفولة
ورؤاها من أجل الهياكل العظيمة لهذه (المعرفة
الحقيقية): أي المدارس والجامعات التي يقوم (أساتذتها)
و(معلّموها) – الواثقون من امتلاكهم المدخل الوحيد إلى
الحقيقة – بتحويل البشر إلى متعبدين عميان لهذه
(الموضوعية)، أو بالأحرى إلى تلاميذ عميان لمعلّمين
عميان. فهل ثمة حاجة إلى أنْ نبرهن، في هذا النصف
الثاني من قرننا المأساوي، على أنّ التراكم المدهش
لتلك المعرفة (الموضوعية)، ولما بُنيَ عليها من
(تقنيات)، لم يمنعْ (حضارتنا) من أنْ تصير أزمةً
عامة، تشمل المجتمع والسياسة والبيئة والطاقة، بل إنه
كان المسبِّب الأساسي لهذه الأزمة؟ وهل ثمة حاجة إلى
أنْ نبرهن على أنه بالرغم من سعي تلك المعرفة وكل تلك
التقنيات إلى تحريرنا (وهو الشعار المفضّل في
عصرنا)، فإنّ الإنسان يشعر الآن أنه مستعبَد
ومعزول وضائع ومبلبل وقانط أكثر من أية فترة أخرى من
تاريخه؟ وأنَّ سحابة مظلمة من اليأس، وشعوراً رهيباً
بالفراغ التام، يتخلّلان الهواء الذي نتنشقه، وتعجز
النشوة السطحية لـ(مجتمعنا الاستهلاكي) عن تبديدهما؟
وأنَّ تمرداً خالياً من المعنى يتحدى مؤسسة خالية من
المعنى، باسم (حريات) سخيفة، محتواها الإرهاب والدم
والجنس والشهوة والبغض والتعصب؟ |