بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الرابع: الدخول إلى الملكوت
ب- المعمودية وسر الشكر

إنّ البنية المثلّثة لليتورجيا الانتماء إلى الكنيسة (المعمودية – المسحة – سر الشكر) الظاهرةَ بوضوح في التقليد الليتورجي القديم، تُركتْ وأُهْمِلَتْ في اللاهوت والممارسة الليتورجية، منذ زمن طويل، حتى أنَّ مجرّدَ الكلام عليها الآن، قد يعتبرُهُ الكثيرون (بدعةً) خطرة. ولكن من الضروري أنْ نفعل هذا، لا بسبب حب رومانسيّ أو أرخيولوجيّ للماضي، ولا رغبةً منا في رؤيته (مستعاداً) بشكل مصطنع (وكل الإعادات هي دائماً مصطنعة)، بل لتَأكُّدنا من أنّنا لن نُدرك ونفهم معنى المعمودية الكامل إلاّ داخل هذه البنية الأصلية.

كانت أسرار المعمودية والمسحة والشكر (تتواجد معاً) في التقليد القديم (5)، وتشكّل سلسلة ليتورجية واحدة و(ترتيباً طقسياً) واحداً، لأنّ كل سرّ منها يتحقّق في الآخر، بشكل يتعذّر معه فهم الواحد منها فهماً كاملاً إذا فُصل أو عُزل عن السرَّيْن الآخرَيْن. وإذا كان سر المسحة، كما حاولنا أنْ نبيّن، يحقّقُ المعمودية، فإنّ سرَّ الشكر هو الذي يحقّق المسحة المقدّسة. والتحقيق هنا لا يعني (سريان المفعول) – فكل سرٍّ هو (ساري المفعول) بذاته – ولكنه يعني الصلة الروحية والفعالة والوجودية، القائمةَ بين هذه الأسرار في الحياة الجديدة التي أخذناها من المسيح. في المعمودية نولد ثانية بالماء والروح، فتجعلنا هذه الولادة (أهلاً) للروح القدس ولعنصرتنا الشخصية. أمَّا موهبة الروح القدس فـ(تفتح) لنا المدخل إلى الكنيسة، أي إلى مائدة المسيح في ملكوته. إننا نعتمد لكي نأخذ الروح القدس؛ ونأخذ الروح القدس لكي نصير أعضاءَ حيةً في جسد المسيح وننموَ داخل الكنيسة حتى نبلغَ ملءَ قامة المسيح.

يبدو أنَّ كثيراً من الناس لا يفهمون هذه العلاقة الأسرارية المتبادلة، ولا يدركون لماذا كان سر الشكر بالنسبة إلى الآباء (سرَّ كلِّ الأسرار)، والتحقيقَ البديهيَّ لكل منها. وسبب ذلك أنّ تأثرهم بلاهوت ثابتٍ يمنعهم من فهم المعنى الحقيقي لسر الشكر بالنسبة إلى الكنيسة وإلى حياتها. فعندهم أنَّ سر الشكر واحدٌ من الأسرار، ووسيلةٌ من (وسائل النعمة) العديدة، وأنَّه مثلُها جميعاً يهدِف إلى تقديس المؤمنين شخصياً. ولكن ما لا يفهمونه هو المعنى الفريد لسر الشكر بوصفه سرَّ الكنيسة، أي العملَ الذي فيه ومن أجله تصير الكنيسة (ما هي)، فتتجلّى وتحقّق ذاتها بوصفها جسداً للمسيح وهيكلاً للروح القدس وتحقيقاً لملكوت الله في (هذا العالم). لا يفهمون هذا لأنَّ اللاهوت القانونيّ والمدرسيّ (المتأثر بالغرب)، والذي طَبَعَ الممارسة الإفخارستية المعاصرة بطابعه، قد اخْتَزَلَ منذ زمن بعيد سرَّ الشكر إلى (حقيقةٍ) واحدة، هي استحالة الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، مقصياً كل مظاهر هذا السر وأبعاده الأخرى. لذلك لا تعالج كُتَيِّباتنا اللاهوتية سوى مسألة (استحالة) العناصر وتوزيعها بشكل مناولة – شخصية وفردية – للمستحقين والراغبين. فلا عجب إذاً أنْ يكون ثمة تجاهلٌ حقيقي للصلة العضوية القائمة بين سر الشكر والأسرار الأخرى – وخاصة المعمودية -، وأنْ يتوقّف سر الشكر عن كونه السرَّ الذي اعتبره الآباء القطبَ والمصدر والتحقيق لكامل حياة الكنيسة، وليس لحياتها (الليتورجية) وحسب، لأنه سرُّ اعتلانها، وسرُّ بنائها.

ولكننا نجد منطلقاً مختلفاً تماماً في التقليد الأرثوذكسي الحقيقي، الذي يَظْهر قبل كل شيء في سرِّ الشكر نفسه وفي ترتيبه الطقسي. فهذا التقليد يرى في الاستحالة والمناولة تحقيقاً وتتويجاً وذروةً لليتورجيا الإفخارستية بكاملها، أي أنهما يحقّقان الكنيسة بوصفها الخليقة الجديدة التي افتداها المسيح، وصالحها مع الله، ووهبها مدخلاً إلى السماء، وملأها من المجد الإلهي، وقدَّسها بالروح القدس، حتى صارت مؤهلةً ومدعوةً إلى الاشتراك في الحياة الإلهية، أي في تناول جسد المسيح ودمه.

من الواضح أنّ هذا الفهم وهذه الخبرة لسر الشكر يظهران أنَّه تحقيق ضروري وبديهي للمعمودية. يقال لنا إنَّ المعمودية تُدخلنا إلى الكنيسة وتُوحّدنا بها، ولكن إذا كان كيان الكنيسة وجوهرها النهائيان يعتلنان في سرِّ الشكر ومن خلاله، وإذا كان سر الشكر هو حقاً سرُّ الكنيسة، وليس واحداً من أسرارها وحسب، فإنّ الدخول إلى الكنيسة يجب أن يعني حتماً الانتماء إلى سرّ الشكر، كما أنَّ سرَّ الشكر يجب أن يكون بالضرورة تحقيقاً للمعمودية. وأفضلُ طريقة لفهم هذا الأمر هي متابعة المعتمدين الجدد وهم يدخلون إلى الكنيسة في (زياح)، وينضمون إلى جسد المؤمنين الواحد، ثم يبدأون جميعاً اشتراكهم في الاحتفال الشكريّ.

والواقع أنّ دخولهم هو، في المقام الأول، فعل انتماء إلى الجماعة الملتئمة، أي إلى الكنيسة بالمعنى الأساسي الحرفي للكلمة اليونانية έκκλησια وهو الاجتماع والالتئام. فخبرتهم الأولى للكنيسة ليست خبرة لشيء مجرّد أو لفكرة، ولكنها خبرة لوحدة حقيقية ومحسوسة بين أشخاص، يتّحد كل منهم بالآخر، ويشكّلون عائلة واحدة وجسداً واحداً ورفقة واحدة، لأنّ كلاً منهم متّحد بالمسيح. وهكذا يكون سرُّ الشكر، قبل كل شيء، اجتماعاً، والأفضل أن نقول إنّه هو الكنيسة نفسها بوصفها وحدة في المسيح. وهذا الاجتماع أسراري لأنه يكشف الوحدة غير المنظورة في المسيح – أي حضوره في وسط هؤلاء الذين يؤمنون به ويحبونه، وفيه يحبون بعضهم بعضاً – ويجعلها وحدة مرئية و(حقيقية)، ولأنّ هذه الوحدة هي حقاً وحدة حقيقية جديدة، تعبِّر عن انتصار المسيح على (هذا العالم) الذي يكمن شرّه في الابتعاد عن الله، أي في الشقاق والتشرذم والعداوة والانقسام.

هذه الوحدة الجديدة التي يُعلنها الاجتماع للمعتمدين الجدد المنضمين إليه، لا تقتصر على شعب الكنيسة فقط. فهؤلاء الذين تركوا العالم وراء أبواب الكنيسة، يجدون العالم نفسه مطهّراً ومتجلّياً وممتلئاً من جديد بالجمال والمعنى الإلهيين، أي أيقونةً لملكوت الله. إنَّه ليس اجتماعاً لبعض (الهاربين) من العالم الذين يتمتعون بمرارة هروبهم منه ويغذُّون كرههم له. استمعوا إلى مزاميرهم وترانيمهم، وتأملوا الجمال الشفاف في أيقوناتهم وحركاتهم وكامل احتفالهم، تجدوا الفرح الكونيَّ يتخلَّلُها كلَّها، والطبيعةَ بأسرها – في مادتها وزمانها، في أصواتها وألوانها، في كلامها وصمتها – تسبِّحُ وتعبدُ الله، وفي هذا التسبيح تعود كما كانت: سرَّ شكرٍ، سرَّ وحدةٍ، سرَّ خليقةٍ جديدة.

كلمة الله: لقد سمعها المعتمدون الجدد عندما كانوا موعوظين، ولكنهم الآن، وللمرة الأولى، لا يسمعونها من الخارج، بوصفها دعوةً ووعداً أو كلمة عن الله، بل في الداخل، لأنهم صاروا من (أبناء وطن القديسين ومن أهل بيت الله) (أفسس 19:2). ويمكنهم الآن أنْ يعيشوا بحسب الكلمة، وأنْ ينموا في فهمها. وهكذا يكشف سر الشكر أنَّ الكنيسةَ هي سرُّ الكلمة.

تقدمة الخبز والخمر: الحياةُ نفسها تستعاد بوصفها توجّهاً بالقرابين إلى الله. وهذا التوجّه هو الذي يوحِّدنا مع ذبيحة المسيح وبذلِهِ ذاتَهُ، أي مع الذبيحة الكاملة التي تشمل حياتنا كلَّها وحياة العالم بأسره. وهكذا يُظهر سر الشكر أنّ الكنيسة هي سرُّ التقدمة.

قبلةُ السلام والاعتراف بالإيمان: نتبادلُ محبةَ الله التي (انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا) (رومية 5:5)، ونعترف بالحقيقة التي تحرّرنا وتجعلنا (أبناء النهار وأبناء النور). وهكذا يُظهر سر الشكر أنَّ الكنيسة هي وحدة في الإيمان والمحبة.

تقريب الذبيحة: إنّه تحقُّق الكنيسة، وتحقُّق العالم كلِّه في الكنيسة، عبر فعل واحد ونهائيّ يشمل الكل، فعلُ شكر وعبادة وتذكُّر وترقُّب. إنّه الفعل الذي يختصر الحياة كلَّها والزمن كلَّه والوجود كلَّه، فيأخذنا إلى الأبدية، ويوقفُنا – في المسيح – أمامَ عرش الله، حيث نقدِّمُ له إفخارستيا المسيح الأبديَّة.

إنّ الكنيسة في بيتها الآن. فالروح القدس الذي ينزل عليها، يُصعدها إلى السماء. وهناك، على مائدة المسيح في ملكوته، تعرف أنَّ تقدمتها من الخبز والخمر قد استحالت إلى جسد المسيح ودمه، وصارت اشتراكاً في ناسوته المتألّه وفي الحياة الإلهية التي (لا تنضب). ويشترك المعتمدون الجدد في كل هذا. فقد اعتمدوا حتى أنهم، بعد موتهم مع المسيح، يشتركون في حياته الناهضة من بين الأموات. وسر الشكر هو الذي يجعل هذه الحياة الناهضة تتجلّى، وينقلها إلى الكنيسة، جاعلاً أعضاءها شهوداً للأمور العتيدة.

يمكننا أنْ نفهم الآن لماذا كان الانفصال التدريجيُّ بين المعمودية وسرِّ الشكر، لاهوتياً وليتورجياً، أكثر من مجرد انحراف خارجيّ عن التقليد القديم. فالواقع أنه يشوِّه السرَّيْن كليهما، لا في ملئهما الموهوب، الذي لا يتأثّر بأخطائنا ونواقصنا، بل في فهمنا واقتبالنا لذلك الملء. فبعد أن جُعلت المعمودية طقساً مستقلاً ومتمتعاً باكتفاء ذاتي، لم تعد تُخْتَبَر بوصفها الدخولَ الحقيقي إلى الكنيسة، والمصدرَ الدائم لحياتها وللحياة فيها. أمّا سرُّ الشكر فإنّ فصله، أي (قَطْعَه) عن سائر الأسرار، هو المسؤول قبل كل شيء آخر، عن اختزاله إلى مجرد خدمة و(وسيلة للنعمة) من بين خدم ووسائل متعددة، وعن توقّفنا عن فهمه واختباره بوصفه سرَّ الكنيسة.

ولكنّ ليتورجيا المعمودية، حتى في شكلها الحالي، تدلّ على أنها تتجاوز ذاتها، وتذكِّرنا بتوجهها الجوهري نحو الكنيسة. ونجد هذين (التجاوز) و(التوجه) في القراءتين التاليتين للزياح حول الجرن (الرسالة: رومية 3:6- 11، والإنجيل: متى16:28- 20) فهما ليستا مجرَّد (تفسيرين) للمعمودية، على غرار التفاسير الكتابية التي كانت تُعطى قبل المعمودية، وتشكِّل جزءاً أساسياً من التعليم الذي يهيّئ لها، ولكنهما – قبل كل شيء – إعلان عن (جِدَّة الحياة)، وعن (مضمون) الحياة الجديدة الذي يُؤخذ في المعمودية. إنَّ ثمرةَ المعمودية وتحقّقها الفعلي هما حياة جديدة، وهي ليست مجرّد حياة فضلى، أو حياة أكثرَ أخلاقيةً أو أكثر تديّناً، بل حياةٌ مختلفةٌ (كيانياً) (أنطولوجياً) عن الحياة (العتيقة). وهذا الاختلاف، أي مضمون هذه الجدة، هو في كونها حياة مع المسيح: (... فإذا كنا قد مُتنا مع المسيح، فإننا نؤمن بأننا سنحيا معه) (رومية 8:6). حياة المسيح الناهضة من الموت هي التي تُعطى لنا وتصير حياتنا وقيامتنا. والكنيسة هي، بالتحديد، حياتُنا في المسيح، وحياةُ المسيح فينا، وليس لها أيُّ وجود أو أيَّة غاية أو أية حياة سوى أن تكون هي (المسيح فينا، ونحن في المسيح)، لأنه سيكون (معنا طوال الأيام إلى انقضاء الدهر) (متى20:28). ولهذا السبب فإنّ سرَّ حضور المسيح ومجيئه، سرَّ إشراكه إيّانا في حياته الناهضة، هو بالفعل سرُّ الكنيسة، وتحقيقُ المعمودية.

 

 


 5- راجع القديس يوحنا الذهبي الفم الذي يقول:

بعد خروجهم من الماء يقادون إلى المائدة المهيبة المملوءة بخيرات لا تحصى، حيث يتذوقون جسد السيد ودمه، ويصيرون مسكناً للروح القدس (التعليم عن المعمودية 2، 27).

وثمة دراسة عامة حول هذا (الارتباط)، موجودة في الفصلين التاسع والعاشر من كتاب دانيالو (Daniélou) (الكتاب المقدّس والليتورجيا).

راجع أيضاً: _Almazov، Istoriia، p. 438.

وهذا الارتباط كان أمراً بديهياً بالنسبة إلى سمعان التسالونيكي (القرن الخامس عشر)، الذي كتب: (بهذا تتحقّق الأسرار كلها. فبعد أنْ تحرَّرنا من نجاسة الخطيئة، وصرنا مطهَّرين ومختومين للمسيح في الروح القدس، نتناول جسد المسيح ودمه، ونتحد به جسدياً) (Pisaniia Sv. Ottsov: Uchitelri Tserkvi، vol. 2، St. Petersburg، 1856، p. 73، in Russian).

ولكنّ كتيّبات العقائد تتجاهل كل هذا ببساطة تامة. راجع:

_Sylvester، op. Cit.، p. 455ff;

_Gavin، op. cit.، p. 316ff;

_Trembelas، op. Cit.، p. 139ff;