إنّ الطقسين الأخيرين في ليتورجيا المعمودية – غسلَ
الميرون المقدّس وقصَّ الشعر – يقامان الآن في
الاحتفال نفسه، وبعد قراءة الإنجيل. ولكنهما في الواقع
يندرجان تحت عنوان (طقوس اليوم الثامن). وقد كانت
الكنيسة الأولى تقيمهما فعلاً في اليوم الثامن، أي يوم
الأحد الذي يلي الاحتفال الفصحي بالمعمودية، لأنّ
المعمودية نفسها كانت آنذاك متصلةً بالفصح. وعلى الرغم
من أنَّ أحداً لا يهتم بالإشارة إلى (اليوم الثامن)،
فإنّ هذه الإشارة بالذات هي (المدخل) إلى فهم هذين
الطقسين فهماً صحيحاً
(7).
|
لم تكن ليتورجيا المعمودية، في التقليد القديم، تنتهي
بانتهاء ليلة الفصح. لأنّ المعتمدين الجدد كانوا
يجتمعون في الكنيسة يومياً، طوالَ الأسبوع التالي،
ويتلقون (تعليم الأسرار =
mystagogia).
وكان هذا التعليم يركز على تفسير سر الشكر الذي
كانت الكنيسة تحجبه عن الموعوظين، لاعتقادها الراسخ
بأنّ المعمودية وحدها تنوِّر فكر الإنسان وقلبه،
وتجعله قادراً على الاشتراك في سر الكنيسة، أي قادراً
على التذوُّق والرؤية. وكما أنّ ليتورجيا
(الفصح الثلاثي الأيام) قد تَطوَّرتْ في ارتباط مع
طقوسي المعمودية، فإنّ هذا الأسبوع الذي يتم فيه
تعليم الأسرار هو أساس (أسبوع التجديدات) الحالي
ذي البنية الليتورجية الفريدة، القائمة على تكرار خدمة
الفصح يومياً مع تبديل (اللحن). وكل التعليمات
الليتورجية تساهم في جعل هذا الأسبوع الفريد امتداداً
متواصلاً وبهيجاً للاحتفال الفصحي نفسه. فهذا الأسبوع
– وهنا المسألة كلها – ليس مجرَّد فترة مخصّصة لبعض
التعليم الإضافي، بل هو نفسه جزء من ذلك التعليم، أي
(ظهور) أمر ضروري لمعنى المعمودية، ولـ(جدّة الحياة)
المأخوذة فيها. وهذا الظهور متعلّق بالزمن،
لذلك يُجعل ممكناً عن طريق الزمن، أي عن طريق تلك
الرموز الكتابية العددية إلى الزمن، والتي من دونها
يتعذّر فهم الخبرة الليتورجية للكنيسة الأولى.
نجد في الإعلان الكتابي أنّ العدد سبعة هو
قاعدةٌ للعالم ورمزٌ إليه. فهو يرمز إلى العالم كما
خلقه الله، أي العالم الكامل والناجز والذي هو (حسن
جداً)، وإلى العالم الذي أفسدته خطيئة الإنسان، فصار
(هذا العالمَ) الخاضعَ للشر والموت؛ وأخيراً إلى
العالم بوصفه (تاريخ الخلاص)، أي مكان عمل الله
الخلاصي وموضوعه. واليوم السابع، الذي يقيس زمن العالم
و(ينظّم) حياته، هو خبرةُ كل هذه الأمور والتعبيرُ
عنها. إنه اليوم الذي استراح فيه الله من كل أعماله،
اليومُ الذي باركه الله، لذلك يكون يومَ ابتهاج
الإنسان بالله وبالخليقة بوصفها شركة مع الله. إنه ليس
نهايةَ العمل الحقيقية، بل مجرد توقف عنه، أي استراحةٌ
فرضها العمل نفسه، لذلك يكون تعبيراً عن عبودية
الإنسان للعالم. إنَّه يُذكِّر الإنسان بالله، عندما
يكشف له غربته عن الله وعبوديته للعالم، لذلك يكون
يومَ ترقُّب عند الإنسان، يوم رجائه الفداء والتحرُّر،
وانتظاره اليوم الذي يلي (السبعة)، أي اليوم الذي يلي
الرتابةَ الزمنيةَ الخاليةَ من المعنى وذاتَ الأفقِ
الواحد، ألا وهو أفق الموت والدمار.
ويأتي هذا (اليومُ الجديد) ويُدشَّن بقيامة المسيح.
فبعد أنْ أتمَّ المسيح تاريخَ الخلاص، وأعاد خلق
الإنسان والعالم في نفسه، واستراح في السبت المبارك،
قام ثانيةً من بين الأموات في (اليوم الأول بعد
السبت). وفي ذلك اليوم بدأ زمن جديد، يعرف
المؤمنون أنه – على الرغم من بقائه ظاهرياً داخل الزمن
(القديم) لهذا العالم، وقياسه بالعدد سبعة – زمنٌ جديد
حقاً، لأنه يتّجه نحو الأبدية، ويَشِفُّ عن ملكوت
الله، ويجعل حضور الملكوت وقوّته وفرحه ظاهرة بوضوح في
(هذا العالم). أمّا رمز هذا الزمن الجديد في
الكنيسة الأولى وكتابات الآباء والتقليد الليتورجي فهو
العدد ثمانية. صحيح أنّ اليوم الثامن لا وجود
له في زمن (هذا العالم)، أي في الزمن (القديم) الذي لا
بدّ أنْ يُقاس بالعدد سبعة، ولكنه موجود فعلاً في خبرة
الكنيسة، بل إنّه بالتحديد (مركز) تلك الخبرة. فمنذ
البداية كان المسيحيون يجتمعون بوصفهم (كنيسة)، لكي
يحتفلوا بسرِّ الشكر في اليوم الأول من
الأسبوع، أي اليوم الذي يلي اليوم السابع. هذا اليوم
هو، بلغة (هذا العالم) أحدُ الأيام السبعة، أي أنه
يخصُّ زمن هذا العالم. ولكنّ معنى ذلك الاجتماع،
والاحتفال المقام فيه، هو أنّ الكنيسة كانت تختبر
نفسها فيه بوصفها كنيسةً صاعدة إلى السماء، أي محقّقةً
لذاتها خارجَ الزمن، ومشتركةً على مائدة المسيح في
ملكوته الأبدي. لقد اختبرتْ اليوم الأول من زمن (هذا
العالم) بوصفه (اليومَ الثامن) – اليوم الذي يتجاوز
الزمن، والسبعة، وهذا العالم في آن – أي يومَ اشتراك
الكنيسة في (النور الذي لا يعروه مساء)، نور الملكوت.
وهذه الخبرة التي عبّرتْ عنها الكنيسة الأولى بتسمية
يوم الأحد (يومَ الرب)، أي يومَ صعود الكنيسة
إفخارستياً إلى السماء، هي الخبرةُ التي تشكّلَتْ منها
الحياةُ الليتورجية كلُّها، والتي ما تزال تتشكّل
منها، رغم جهل أكثرية المسيحيين الساحقة. |
|
يمكننا أن نعود الآن إلى أسبوع التجديدات، وإلى معناه
في ليتورجيا المعمودية. فقد كان القصد من هذا الأسبوع
أنْ يمنح خبرة الزمن هذه للمعتمدين الجدد، وكان هو
نفسه (ظهور) وعطية هذه الخبرة: خبرة الحياة الجديدة
على أنها بالفعل ليست من هذا العالم، وعطية
الكنيسة في (وطنها الأصلي)، في ملئها السماوي، أي عطية
الملكوت نفسه. ففي هذه الأيام السبعة يتحقّق كامل
الزمن بوصفه أبدية، بعد أن صار الزمنُ نفسه فصحاً
دائماً و(فرحاً وسلاماً وبِرّاً في الروح القدس). وحتى
اليوم، فإنّ القليلين الذين يُتاح لهم فَرَحُ الاشتراك
في خدمات هذا الأسبوع الفريد يعرفون أنهم، في هذا
الفصح الدائم، يَخْتَبرون جوهرَ الكنيسة النهائيّ،
ويتذوَّقون (ما لم تَرَهُ عين، ولم تسمع به أذن...
ولكنْ ما أعدّه الله للذين يحبونه).
|
غير أنَّ هذه الخبرة يجب أن تنتهي، لأنّ
المعتمدين الجدد يجب أنْ يعودوا إلى العالم.
صحيحٌ أنّ الكنيسة (ليست من هذا العالم)، ولكنها
موجودة (في هذا العالم)، حيثُ أسَّسها المسيح وأرادها
أنْ تبقى حتى اكتمال العالم نفسه. ومهمتها أنْ تشهد
للمسيح في العالم الذي لا خلاصَ له إلاّ في المسيح،
وأنْ تُكْمِلَ عمله الخلاصي بجعله حاضراً، وبإسماع
كلمته، وإعلان ملكوته وإظهاره. لولا صعود الكنيسة إلى
السماء، وتحقيقها لذاتها بوصفها جسد المسيح وهيكلَ
الروح القدس، وبعبارات أخرى، لولا تركها (هذا العالم)
الذي هو طريقها ومسيرتها وترقُّبها لملكوت الله، لما
كان لديها شيء تشهد له. ولولا عودتها إلى العالم، لما
أنجزتْ رسالتها الإلهية، ولما كانت عمل المسيح
وذبيحته. ومن هنا هذه الوتيرة المزدوجة في حياة
الكنيسة: الانسحاب من (هذا العالم) إلى (اليوم
الثامن) لملكوت الله، والعودة إلى زمن (الأيام
السبعة) وواقعها. وهذا هو سبب انتهاء ليتورجيا
المعمودية بطقسين يعبّران عن تلك العودة، ويدلاّن على
بدء الحياة المسيحية بوصفها رسالةً وشهادة.
يقام هذا الطقسان في اليوم الثامن الذي يلي
المعمودية، مما يعني أنّ هذه البداية هي بالفعل
عودة. فمن عمق الخبرة الفصحية، أي الخبرة الجوهرية
للكنيسة، يُؤمَر المعتمدون الجدد بالعودة ويُرْسَلون
إلى العالم. وهذا الأحد، وهو الأول بعد الفصح، يسمّى
(الأحد الجديد)، بمعنى أنّ (الدهرَ الجديد)، الذي
تجلَّى وبدأ في الفصح، يبقى – بشكل أسراريّ – حاضراً
وحقيقياً وفاعلاً في الزمن (القديم) لهذا العالم، وأنه
القوةُ التي تتيح للكنيسة ولأعضائها، إنجاز مهمتهم
ورسالتهم في العالم. يبدأ زمن ما بعد الفصح،
ولكنه زمن يتخلّله فرحُ الفصح ونورُه، والقوة الناشئة
منه، وهي القوة التي تجعله مصدر الحياة وكلِّ فعل
فيها. والمعتمدون الجدد يُرْسَلون الآن إلى هذا الزمن
الذي يقوم على التوتر والحرب ما بين القديم والجديد،
فينا وفي العالم وفي الحياة.
6-
حول (طقوس اليوم الثامن)، راجع:
|
|
_Almazov،
Istoriia،
pp. 466-475;
_Symeon of Thessalonica،
op. cit.،
pp. 74-75;
_F. Cabrol،
(La Semanine Sainte et les origines de l'Année
Liturgique)،
in (Les Origines Liturgiques)،
Paris،
1906.
7-حول
(اليوم الثامن) في اللاهوت المسيحي والروحانية المسيحية، راجع (يوم الرب)، وهو
مجموعة مقالات منشورة في باريس 1948. وراجع أيضاً الفصل السادس عشر من (الكتاب
المقدّس والليتورجيا) لدانيلو (Daniélou)
وهو بعنوان (اليوم الثامن).