بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الرابع: الدخول إلى الملكوت
د- غسل الميرون المقدّس

غسل الميرون المقدّس هو الطقس الذي يهيئ المعتمد الجديد لتلك الحرب، مظهراً أنَّها هي مضمون الحياة المسيحية:

وفي اليوم الثامن يؤتى بالمعتمد إلى الكنيسة ليُغسل...

كان يسبق هذا الطقس، في الممارسة القديمة، طقس آخر هو وضع يد الأسقف على رأس المعتمد الجديد. ولا تزال هناك إشارة إليه في الصلاة الأولى من خدمة (ليوم الثامن). إنّ المسيحيَّ الجديد موشكٌ أنْ يُرسَل إلى العالم ليكون، كما ذكرنا آنفاً، شاهداً (حرفياً: شهيداً) للمسيح، وداعياً إلى ملكوت الله. ومحارباً ضد (أمير هذا العالم). وستكون حياته عرضة لخطر دائم وتجارب لا تنتهي. فقد ذكر الإنجيل أنّ العدو الذي هُزم بانتصار المسيح، يشنُّ معركته الأخيرة اليائسة ضد أولئك الذين (ربحهم) المسيح منه، (حتى يضلِّلَ المختارين أنفسهم، لو استطاع) (متى24:24). إنّ الأفق التاريخي للإنجيل بعيدٌ جداً عن التفاؤل، وغريب تماماً عن خرافة التطوّر المعاصرة: (... متى جاء ابن الإنسان، ألعلَّه يجد الإيمان على الأرض؟) (لو8:18). والنتيجة الأخيرة للحرب ستكون إمّا الحياة الأبدية أو الموت الأبدي، الخلاص أو الدينونة. ومن هذا المنطلق نشأت اللغة والرمزية (العسكريّتان) في الكنيسة الأولى، ولكنهما غريبتان تماماً عن المسيحي (المعاصر) الذي ينتابه هاجس (المشاكل). وإنّه لأمرٌ مثيرٌ للاهتمام أنْ نتابع ذلك التحوُّل التدريجي في العقلية المسيحية، وتخلِّيها عن (رجوليّتها) الأولى. فالواقع أنّ الكنيسة الأولى كانت تعلم أنَّها (جيشُ المسيح = militia christi)، أي شعب لله المجنَّدُ لمحاربة العدو، في حين أنَّ المسيحي المعاصر يفضّل أن يُقيِّم نفسه وإيمانه بتعابير (المعالجات الطبية)، فيرى أنَّه مريض في عيادة لا محاربٌ مجنَّدٌ من أجل معركة طويلة.

ولكننا لن نفهم طقسَيْ (ليوم الثامن) ما لم نسترجع الروح (العسكرية) التي كانت سائدة في الكنيسة الأولى. فالأسقف يواجه الآن المعتمدين الجدد بوصفه قائداً يتولى أمرته على مجنّدين جُدْد. إنهم لا يزالون في بِزَّاتهم الجديدة المشعة، يملأهم الحماس والتوق إلى الحرب وإلى إثبات الذات. ولكنّ القائد يعرف أنّ الحرب ستكون طويلة ومريرة، وأنَّ رجاله سيتعرضون للألم والتعب، وأحياناً إلى الخيبة والهزيمة. لذلك فأوّل صلاة يقرأها الكاهن هي الصلاة التي تطلب الحماية والمساعدة والشجاعة والوفاء والثبات:

... احفظ ترس إيمانه غير محتال عليه من الأعداء. وصُنْ فيه بغير عيب ولا دنس لباس عدم الفساد الذي لبسه...

ثم يضع يده على رأسهم ويقول:

... ضَعْ عليهم يدك العزيزة، واحفظْهم بقوة صلاحك، واحرسْ عربونهم غير مسلوب. وأهّلْهم للحياة الأبدية ولمرضاتك...

لا أحد سوى الله يمكنه أنْ يحفظنا وسط اليأس والمآزق التي يمكن أن تنتابنا خلال حربنا الأرضية. ووضع الأيدي هنا هو (تفويضُ) الضباط الجدد وإعطاؤهم (أمرَ السير). إنّه علامةُ وعطيةُ تلك البطولة التي لا وجود لحياة مسيحية من دونها.

ويَقْبَل المسيحي الجديد هذا التفويض. فعندما يقول الكاهن: (احنوا رؤوسكم للرب...)، يحني رأسه مظهراً طاعته واستعداده لقبول نظام (جيش المسيح)، وللبقاء في الصفوف، وللسعي إلى انتصار سيده، لا إلى مجده ورضاه، الذاتيين.

ويقول الكاهن:

- إنّ الذين لبسوك أيها المسيح إلهنا، قد حنوا لك هاماتهم معنا. فاحفظهم ليلبثوا مجاهدين غير مغلوبين تجاه المعادين لهم ولنا باطلاً. وأظهرنا جميعاً غالبين حتى النهاية بإكليلك غير البالي، لأنّ لك أنْ ترحمنا وتخلّصنا...

لقد صار بالإمكان نزعُ كلِّ العلامات والرموز الخارجية، لأنّ أيّاً من الأمور الخارجية البحتة، لن يسعه أنْ يقدّم العون بعد الآن. والأمرُ الوحيد الذي سيكون سنداً للإنسان هو امتلاكه الداخلي لعطية النعمة والإيمان والإخلاص. وعندما تبدأ الحرب الحقيقية لا تبقى البذلةُ المشعَّةُ الغنيَّةُ الألوان مفيدةً للابسها، لذلك يستعاض عنها ببزَّة القتال. وهكذا تُنزع الحلة البيضاء عن المعتمد. فالمسيح نفسه وضع رداءه المجيد جانباً، واتّخذ صورة عبد، لكي يتغلّب على العدو. ولكنّ مجده تجلّى أكثر ما تجلّى حين (تجرَّد من ذاته متّخذاً صورة عبد... وأطاعَ حتى الموت، الموت على الصليب) (فيلبي 8:2- 9)، وإذّاك تمجّد ابن الإنسان. لذلك تُنزع الحلة البيضاء ويُغسل الميرون المقدّس، فهما لم يعطيا للمعتمد بوصفهما علاماتٍ وحسب، ولكنهما أعطيا له يكونا الحقيقة نفسها، ولكي يتحوّلا إلى الحياة. لهذا يخاطب الكاهن الإنسان بالذات حين يغسل الميرون المقدّس عن الجسد، قائلاً:

- قد تبررت، قد استنرتَ، قد تقدَّستَ، قد اغتسلتَ باسم ربنا يسوع المسيح وبروح إلهنا.. (8)

لقد صار المعتمد الجديد على أهبة الاستعداد لكي يواجه تحدِّي العالم، ويبدأ شهادته (martyria).

 

 


 8- (قد تبرّرتُ، قد استنرتُ، قد تميرنتُ، قد تقدّستُ، قد اغتسلتُ...)

كتب الأسقف بنيامين: (Benjamin) (إنّ كل هذه الكلمات، ما عدا الأخيرة (اغتسلت) تشير إلى الأسرار الثلاثة التي تحققتْ في المعتمد الجديد. فـ(تبرّرتُ) تشير إلى أنّ خطاياه قد غفرتْ، و(استنرتُ) تشير إلى المعمودية، و(تميرنتُ) إلى المسحة المقدّسة، و(تقدّستُ) إلى المناولة المقدّسة

 (Novaia Skrizhal، ed. 14، St. Petersburg، 1844، p. 364، in Russian).