|
يبدأ قص الشعر الذي يلي المعمودية بصلاة مهيبة تلخّص
معنى السر، وتظهر أنّه يستعيد الإنسان بوصفه أكمل
خلائق الله وأجملها. فكأنّ الكنيسة، بعد أن
أتمّتْ عمل الاستعادة هذا، تنظر إلى الإنسان وتصرخ
بفرح وابتهاج: ما أجمله!
أيها السيد الرب إلهنا، يا مَن كرّمتَ الإنسان بصورتك
وأتقنتَه من نفس ناطقة، وجسد بهي الجمال، لكي يخدم
الجسدُ النفسَ... ووضعتَ الرأس في أعلى البدن وركزتَ
فيه أكثر الحواس... وحصَّنتَ هامته بالشعر... وغرستَ
فيه جميع الأعضاء لمنافع حميدة، ليشكرك بها كلها أيها
المهندس الأعظم...
الإنسانُ هو صورة مجدِ الله وجمالِه غير الموصوفين.
والتأمل في جمال الإنسان والابتهاج به هما تقدمةُ
الشكر إلى الله نفسه. ولكنّ الجمال، مثل كل شيء في
(هذا العالم)، قد حُجب ووُضع وشُوِّه، فصارَ جمالاً
(ساقطاً). ونحن نميل دائماً إلى رفضه ببساطة، معتبرين
أنَّه تجربةٌ شيطانية. ولكنّ خبرة الكنيسة للجمال ليست
على هذا النحو. فإنه، على الرغم من تدنّيه يبقى إلهياً
على الدوام، لأنه علامةُ الله وسِمَتُه في مخلوقاته.
الإنسان جميل ويجب أنْ يستعاد إلى جماله. وعليه هو أنْ
يبتهج بهذا الجمال ويُقدِّم الشكر إلى الله من أجله،
كما فعل ذلك الراهب المصري القديس الذي، بطهارة قلبه،
رأى جمالاً إلهياً حتى في عاهرة.
في هذا العالم الساقط لا سبيلَ إلى الجمال الإلهي وإلى
استعادته في الإنسان سوى طريق الطاعة والتضحية. وهكذا
تبدأ الحياة الجديدة بتضحية إلى الله، أي
تسليمه بفرح وعرفان ذلك الشعرَ الذي صار في (هذا
العالم) رمزاً للجمال (الساقط). وهذا هو معنى قص الشعر
الذي يلي المعمودية: إنّه أول تضحية حرَّة ومبهجة
يقدّمها الإنسان من نفسه إلى الله. ويصير هذا المعنى
حقيقياً وحياً عند اعتماد الطفل المولود حديثاً. فهو
لا يملك شيئاً يمكن أنْ يقدّمه إلى الله، لذلك نأخذ
منه الشعيرات القليلة التي لديه. إنّه الإذلال المجيد:
بدء الطريق الوحيدة والصحيحة إلى الجمال الحقيقي، وإلى
الفرح وملء الحياة.
وهكذا تكون ليتورجيا المعمودية قد أُنجزتْ وتحقّقتْ،
والحياةُ (الطبيعية) على وشك أن تبدأ. ولكنها حياة
مختلفة جذرياً عن الحياة (الطبيعية) التي يبشّرنا بها
(هذا العالم) ويفرضها علينا. ولن نستطيع تحقيق هذا
الاختلاف الجذري في حياتنا إلاّ إذا كانت المعمودية
مصدَرَها وقوّتَها المحتجبين والحقيقيين في آن. فكما
أنّ حياة الكنيسة تنشأ من الفصح، وتأخذنا – عبر
العنصرة و(ما بعد العنصرة) – إلى فصح آخر، فإنّ حياتنا
الناشئة من المعمودية قد جُعلتْ (عبوراً) أي مسيرةً
وحجاً وصعوداً إلى (النور الذي لا يعروه مساء) في
ملكوت الله الأبدي. وفي نموّنا وحربنا وعملنا، يرافقنا
هذا النور السري، وينيرُ طريقنا منذ الآن، ويشعُّ في
كل مكان، ويغيِّر كل شيء ويجعله حياةً في الله وطريقاً
إليه. فعندما تُنجَزُ ليتورجيا المعمودية، تبدأ
المعمودية نفسها بالعمل فينا. |