قبل أنْ نختم دراستنا يجب أنْ نوجِّه انتباهنا إلى
سلسلة صلوات وطقوس، لا تتصل مباشرةً بليتورجيا
المعمودية نفسها، ولكنها تكشف بعض الأبعاد الجوهرية
والمؤكَّدة لسر المعمودية. وهي: الصلاة على المرأة
في يوم ولادتها، وصلاة تسمي الطفل في اليوم الثامن
لميلاده، وأخيراً صلاة الإدخال إلى الكنيسة،
أي إدخال الأم والطفل إلى الكنيسة في اليوم الأربعين
للولادة (1).
|
يندر أنْ تقام هذه الطقوس اليوم، كما أنَّ كثيراً من
المسيحيين – وفيهم كهنة ولاهوتيون – يشكُّون في الحاجة
إليها، مدّعين أنها تُعبِّر عن نظرةٍ إلى العالم عفاها
الزمن، وأنّ إبقاءها في الكنيسة هو إبقاءٌ لأفكار
ومعتقدات بدائية، مهيبةٍ لطبيعة الإنسان عموماً،
وللمرأة خصوصاً، ولا مبرر لها. ويزعمون أنَّها تُصوِّر
بعض الظواهر الطبيعية وكأنها (نجسة)، وتظهر أنّ
الأمومة نفسها خطيئة يجب أن تُغفر و(تُطَهَّر)، وأنَّ
المرأة عضو (ثانوي) في الكنيسة. ومن جهة أخرى ثمة
(تقليديون) يعارضون هذه الآراء ويصرُّون على إلزامية
هذه الطقوس ووجوب إقامتها. ولكنّ العجيب في الأمر أنهم
يدافعون عنها من أجل الأسباب نفسها التي جعلتْ
(المجدّدين) يرفضونها. فكلاهما معاً يتبنيان حياةَ
الكنيسة الليتورجي ونظرةَ الكنيسة إلى العالم، من خلال
مقولتي (الطاهر) و(النجس)، ويختزلان حياتها ونظرتها
هاتين إلى سلسلة من (المحرَّمات) التي يجب معالجتها
بعدد من (التطهيرات) الطقسية.
ولكنّ الموقفين كليهما على خطأ، لأنهما نابعان من فهم
مغلوط للاستمرارية بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات
العهد القديم التي هي في الواقع مصدر التقليد
الليتورجي المسيحي وشكله الأساسي. ولكي تُدْرَكَ هذه
الاستمرارية إدراكاً صحيحاً، يجب أنْ يُنْظَر
إليها وأنْ تُفهم دائماً على ضوء انقطاعٍ
جذريٍّ وأساسيّ موازٍ لها. وهذا يعني أنه إذا كانت
الكنيسة في استمرارية مع (مؤسسات) العهد القديم، فإنّ
هذه المؤسسات حين تصير مسيحية تكتسب معنى جديداً
تماماً، وتتجدّد فعلاً. ولكن لماذا نقول بهذه
الاستمرارية؟ لأنّ المسيح لم يأتِ لينقض الشريعة بل
ليحقّقها (متى 17:5). وبالتالي فإنّ الرجوع الدائم
والحيَّ إلى (القديم) هو وحده الذي يمكّننا من فهم
(الجديد) وجعلِهِ خاصّتنا، ويجعل في وسعنا قبولَ
المسيح بوصفه تحقيقاً للقديم. ولكنّ المسيح نفسه، أي
مجيئه، هو الذي يجعل الأشياء كلها جديدةً. إنها
لا تصير أشياء جديدة (غير الأولى)، ولكنها هي
نفسها تتجدّد، وتظهر في معناها النهائي، وتصير علامات
للملكوت الآتي. وعلى هذا النحو تُحقِّقُ
(الاستمراريةُ) نفسَها بوصفها انقطاعاً، كما أنَّ
(الانقطاع) يتضمّن ويفترض الاستمرارية، لكي يسعه أنْ
يكون تحقيقاً و(تجديداً).
إذا طبّقنا هذا الكلام على طقوس (التطهير)، فإنه يعني
قبل كل شيء أنَّ مقولتي (الطاهر) و(النجس)، وهما
مقولتان أساسيتان قبل المسيح، تغيّرتا جذرياً
بمجيء المسيح، ولكنهما لم تُلغيا. (كل شيء طاهر
للأطهار، وأما الأنجاس والكفار فما لهم من شيءٍ طاهر)
(تيطس 15:1). لولا وجود التمييز بين (الطاهر) و(النجس)
– وهو تمييز يخص الإنسان (القديم) وديانته (القديمة) –
لما وُجدتْ فكرةُ (الطهارة) ومفهومُها، وبالتالي لما
كُشفَتْ الطهارةُ للإنسان في معناها الأخير. ولكن حين
يُكْشَفُ هذا المعنى الأخير في المسيح، يَظْهَرُ أنَّ
التمييز القديم ليس تمييزاً (كيانياً) بل (تربوي)،
وأنه وسيلةٌ لهادية الإنسان إلى سر الفداء. الأشياء
كلُّها طاهرة، لأنها كلَّها تأتي من الله، وكلُّها
(حسنةٌ جداً) لأنها جزءٌ من الخليقة الإلهية (الحسنة
جداً). ولكنّ الأشياء كلَّها نجسةٌ أيضاً، لأنّ
الإنسان (حَرَفَها) عما خلقها الله من أجله. إلاّ أنّ
الأشياء كلها افتُديَتْ عندما افتُدى الإنسان في
المسيح، وكلها تكون مجدداً (طاهرة للطاهرين)، لأنها –
في النهاية – خُلقتْ لكي تكون وسيلةً لحياة الإنسان مع
الله ولدخوله إلى ملكوت الله. |
|
هذا المدخل المسيحي الأساسي إلى فهم العالم، والذي
يتجاوز تعابير (الطاهر) و(النجس) إلى تعابير (القديم
والجديد)، هو ما يجري تجاهله وخيانته كلما اختُزِلَتْ
حياة الكنيسة إلى استمراريةٍ محضة أو إلى انقطاعٍ بحت.
والطريقة الفضلى للتغلّب على هذا الاختزال، هي أنْ
نفهم ما تفعله الكنيسة، وأن نُصغي إليها ببساطة، وأن
نتلقى منها المعنى الحقيقي لطقوسها، لا أنْ نمليَ
عليها فرضياتِنا المسبقة وعواملَ كبتنا.
1-
حول الخلفيّة الدينية العامة لهذه الطقوس، راجع:
_M. Eliade،
The Sacred and the Profane،
New York،
1959.
وخصوصاً الفصل الرابع، (الوجود الإنساني والحياة
المقدّسة)، ص162 وما يليها.
_M. Eliade،
Rites and Symbols of Initiation،
New York،
1958.
_van der Leeuw،
Religion،
section 22: (The Sacred Life)،
and section 49: (Purification).
حول الطقس نفسه، راجع:
_Almazov،
Istoriia،
p. 476ff.