|
وتبدأ الصلاة الثانية بإشارة إلى ميلاد المسيح: (يا من
ولدتَ من الكلية الطهارة سيدتنا والدة الإله الدائمة
البتولية مريم، واتكأتَ في مزود كطفل وظهرتَ مرضَعاً).
وتتابع:
ارحم أمَتَك هذه التي ولدتْ هذا الطفل الحاضر في هذا
اليوم، وتجاوزْ عن زلاّتها الطوعية والكرهية. وصُنها
من كل تضييقات الشيطان. واحفظ الطفل المولود منها
واحرسه من كلِّ سم قاتل، ومن كل نازلة، ومن كل مكايد
المضادّ، ومن الأرواح الشريرة النهارية والليلة. وأما
هذه فاحفظها بيدك العزيزة، وأنعمْ عليها بالقيام
سريعاً، ونقِّها من الدنس، واشفِ أوجاعها، وامنحْها
القوة والصحة نفساً وجسداً، وحُطْها بملائكة بهجين
منيرين، واحرسْها من مفاجأة الأرواح غير المنظورة. نعم
يا رب، اشْفِها من المرض والاسترخاء، واحفظها من
الغيرة والحسد ومن كل عين حاسدة، وارحمها مع طفلها...
وطهّرها من الدنس الجسدي، ومن كل ما يدهمها من الأوجاع
الأحشائية المتنوعة، وأنهضْها برحمتك السريعة لتقويم
جسدها الضعيف. وأهِّل الطفل المولودَ منها للسجود في
هيكلك الأرضي الذي هيّأتَه لتمجيد اسمك القدوس...
ونجد أخيراً في الصلاة الثالثة، إلى جانب مواضيع
الشفاء والغفران نفسها، إشارةً إلى الولادة بوصفها
تحقيقاً لوصية الله إلى الإنسان في البدء:
لأنك أنت قلتَ، يا رب، انموا واكثروا واملأوا الأرض،
فلذلك نحن عبيدك نطلب إليك... ونهتف بخوف إلى اسم
ملكوتك القدوس قائلين: اطّلعْ من السماء وانظرْ إلى
ضعفنا نحن المحكوم علينا. واغفرْ لأمَتِك هذه ولجميع
المنزل الذي فيه الطفل، وللذين دنوا منها ولجميع
الموجودين ههنا...
الموضوع الأساسي للصلوات الثلاث، إنْ لم نقل موضوعها
الوحيد، هو الغفران. (لأنه بالآثام حُبل
بنا...). ويبدو أنَّ نسبة الحَبَل، وبالتالي الجنس،
إلى الخطيئة والنجاسة – كما يظهر من هذه الصلوات – هي
بالذات (عثرة) الإنسان (المعاصر)، ولو كان مسيحياً.
ولكنها ليست عثرةً إلاّ بالنسبة إلى أولئك الذين نسوا،
أو تخلُّوا عن النظرة المسيحية إلى العالم، وعن
المفهوم المسيحي للجنس. فعصرنا الحالي، الذي يُعلن
تخلِّيه الجذري عن المسيحية، متأثرٌ بمحاولات تهدف إلى
تحرير الجنس، وجعلِه – قبل كل شيء – حراً من كل
مدلولات الخطيئة، ومن أي شعور بالذنب أو العار.
والمعادلة الأساسية التي يتضمّنها (التحرير الجنسي) هي
التالية: الجنس أمر (طبيعي) ولذلك فهو (حسن)، وإذا كان
(حسناً) فيجب أن يكون (بريئاً). ولكنّ الكنيسة ترفض
هذه المعادلة، مثلما ترفض كل مطابقة مانوية (Manichean)
أو ثنائية (dualistic)
بين الجنس والشر. فالنظرة المسيحية إلى العالم ترى أنّ
طبيعة الإنسان التي كانت أساساً و(كيانياً) طبيعةً
(حسنة)، صارت الآن (ساقطة). وسقوطها ليس جزئياً، بحيث
تبقى بعض ملكات الإنسان سليمةً وبريئةً، بل هو سقوط
كامل. وفرادة (الجنس) ناجمة عن كونه متصلاً اتصالاً
عضوياً بأسمى المواهب الإلهية المعطاة للإنسان، ألا
وهي موهبة المحبة، وبالتالي عن كونه النقطة التي
تتمحور حولها الازدواجية (ambiguity)
المأساوية الخاصة بطبيعة الإنسان الساقطة. فالجنس ليس
مجرد تعبير عن المحبة، بل هو نفسه محبة. ولكنه
من جهة ثانية (موضع) استسلام الإنسان لغرائزه
الحيوانية، وانسحاق طبيعته وحياته، وخسارته كماله.
إنّ (قطبي) الجنس و(الدافعين) إليه – المحبة والشهوة –
متمازجان بشكل معقد، حتى أنّه من المستحيل فصل واحدهما
عن الآخر أو عزله عنه. ومن هنا السمة المتناقضة في
مدخل الكنيسة إلى الجنس، واستحالة اختزال هذا التناقض
وتبسيطه إلى حل (أبيض وأسود). |