بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الخامس: الإدخال إلى الكنيسة
ب- صلوات اليوم الأول

يتألف الطقس الأول من ثلاث صلوات يقرأُها الكاهن في اليوم الأوّل لولادة الطفل وفي المكان الذي ولد فيه. وهذه الصلوات تخص الأم في المقام الأول، وفيها يكتشف بعض الناس (إهانةً) للنساء، ومن خلالها يبررون اختزالهم حياةَ الكنيسة إلى مبدأ (الطاهر والنجس). ولكن دعْنا نستمع إلى الصلوات نفسها.

في أولى هذه الصلوات وأقصرها تطلب الكنيسة من الله (الشافي كلَّ مرض وكلَّ استرخاء)، أنْ يشفيَ أيضاً أمَتَهُ هذه (التي قد ولدتْ في هذا اليوم، وينهضها من سريرها المطروحةِ عليه). وتضيف الصلاة: (لأنه حسب ما قال داود النبي بالآثام حُبل بنا، ونحن كلنا مدنّسون أمامك...)

وتبدأ الصلاة الثانية بإشارة إلى ميلاد المسيح: (يا من ولدتَ من الكلية الطهارة سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم، واتكأتَ في مزود كطفل وظهرتَ مرضَعاً). وتتابع:

ارحم أمَتَك هذه التي ولدتْ هذا الطفل الحاضر في هذا اليوم، وتجاوزْ عن زلاّتها الطوعية والكرهية. وصُنها من كل تضييقات الشيطان. واحفظ الطفل المولود منها واحرسه من كلِّ سم قاتل، ومن كل نازلة، ومن كل مكايد المضادّ، ومن الأرواح الشريرة النهارية والليلة. وأما هذه فاحفظها بيدك العزيزة، وأنعمْ عليها بالقيام سريعاً، ونقِّها من الدنس، واشفِ أوجاعها، وامنحْها القوة والصحة نفساً وجسداً، وحُطْها بملائكة بهجين منيرين، واحرسْها من مفاجأة الأرواح غير المنظورة. نعم يا رب، اشْفِها من المرض والاسترخاء، واحفظها من الغيرة والحسد ومن كل عين حاسدة، وارحمها مع طفلها... وطهّرها من الدنس الجسدي، ومن كل ما يدهمها من الأوجاع الأحشائية المتنوعة، وأنهضْها برحمتك السريعة لتقويم جسدها الضعيف. وأهِّل الطفل المولودَ منها للسجود في هيكلك الأرضي الذي هيّأتَه لتمجيد اسمك القدوس...

ونجد أخيراً في الصلاة الثالثة، إلى جانب مواضيع الشفاء والغفران نفسها، إشارةً إلى الولادة بوصفها تحقيقاً لوصية الله إلى الإنسان في البدء:

لأنك أنت قلتَ، يا رب، انموا واكثروا واملأوا الأرض، فلذلك نحن عبيدك نطلب إليك... ونهتف بخوف إلى اسم ملكوتك القدوس قائلين: اطّلعْ من السماء وانظرْ إلى ضعفنا نحن المحكوم علينا. واغفرْ لأمَتِك هذه ولجميع المنزل الذي فيه الطفل، وللذين دنوا منها ولجميع الموجودين ههنا...

الموضوع الأساسي للصلوات الثلاث، إنْ لم نقل موضوعها الوحيد، هو الغفران. (لأنه بالآثام حُبل بنا...). ويبدو أنَّ نسبة الحَبَل، وبالتالي الجنس، إلى الخطيئة والنجاسة – كما يظهر من هذه الصلوات – هي بالذات (عثرة) الإنسان (المعاصر)، ولو كان مسيحياً. ولكنها ليست عثرةً إلاّ بالنسبة إلى أولئك الذين نسوا، أو تخلُّوا عن النظرة المسيحية إلى العالم، وعن المفهوم المسيحي للجنس. فعصرنا الحالي، الذي يُعلن تخلِّيه الجذري عن المسيحية، متأثرٌ بمحاولات تهدف إلى تحرير الجنس، وجعلِه – قبل كل شيء – حراً من كل مدلولات الخطيئة، ومن أي شعور بالذنب أو العار. والمعادلة الأساسية التي يتضمّنها (التحرير الجنسي) هي التالية: الجنس أمر (طبيعي) ولذلك فهو (حسن)، وإذا كان (حسناً) فيجب أن يكون (بريئاً). ولكنّ الكنيسة ترفض هذه المعادلة، مثلما ترفض كل مطابقة مانوية (Manichean) أو ثنائية (dualistic) بين الجنس والشر. فالنظرة المسيحية إلى العالم ترى أنّ طبيعة الإنسان التي كانت أساساً و(كيانياً) طبيعةً (حسنة)، صارت الآن (ساقطة). وسقوطها ليس جزئياً، بحيث تبقى بعض ملكات الإنسان سليمةً وبريئةً، بل هو سقوط كامل. وفرادة (الجنس) ناجمة عن كونه متصلاً اتصالاً عضوياً بأسمى المواهب الإلهية المعطاة للإنسان، ألا وهي موهبة المحبة، وبالتالي عن كونه النقطة التي تتمحور حولها الازدواجية (ambiguity) المأساوية الخاصة بطبيعة الإنسان الساقطة. فالجنس ليس مجرد تعبير عن المحبة، بل هو نفسه محبة. ولكنه من جهة ثانية (موضع) استسلام الإنسان لغرائزه الحيوانية، وانسحاق طبيعته وحياته، وخسارته كماله. إنّ (قطبي) الجنس و(الدافعين) إليه – المحبة والشهوة – متمازجان بشكل معقد، حتى أنّه من المستحيل فصل واحدهما عن الآخر أو عزله عنه. ومن هنا السمة المتناقضة في مدخل الكنيسة إلى الجنس، واستحالة اختزال هذا التناقض وتبسيطه إلى حل (أبيض وأسود).

إنه لمن الخطأ فعلاً أن نظنَّ أنَّ الكنيسة حينما تشجب وتدين الجنس خارج الزواج بوصفه (شراً)، تكون قد أكَّدت أنه (حسن) داخل الزواج. فالمسألة كلها أنَّ الجنس من حيث أنّه شهوةٌ – سواءٌ أكان (خارج) الزواج أم (داخله) – ينتمي إلى (هذا العالم)، أي إلى العالم الذي (يزول شكله)، والذي لا يسمح له (شكله) الحاضر هذا بأن يرث ملكوت الله. فالجنس يقع تحت الناموس لا تحت النعمة، لأنه محور (شهوة الجسد، وشهوة العين، وكبرياء الغنى) التي تشكّل وتحدّد حياة (هذا العالم). ولكنّ كونه تحت الناموس لا يعني أنّه مدان، بل يعني أنه يُنظَّم على ضوء رؤيةٍ شاملة للحياة ومن خلال علاقة معها، وأنَّه يُخضَعُ إلى تلك الرؤية ويُحتَوَى داخلَ حدودها، أي داخلَ ذلك النظام الذي يستطيعُ وحدَه أن يحمي (هذا العالم) من قوى تدمير الذات المظلمة واللاعقلية. وإذا كان الجنس (يُمْنَع) خارج الزواج و(يُسمح) به داخله، فلأنّ الزواج – رغم فساده في العالم الساقط – ينتمي إلى تلك الرؤية السامية، وهو قادرٌ على (دخول) ملكوت الله. أما مجرّد إرضاء الإنسان لدوافعه وحوافزه، مهما بدا طبيعياً و(محقّقاً للذات)، فإنه لا ينتمي إلى تلك الرؤية، بل أكثر من ذلك، إنّه يقودها في النهاية إلى دمارها، وهكذا يبدو (مخالفاً للطبيعة). ليس في وسع الناموس أن يُغَيِّر أو يفتدي، ولكنه حين يضع حدوداً ويحافظ على نظام محدَّد، إنّما يسعى إلى أن يتجاوز ذاتَه والطبيعةَ الساقطة، لكي يقدِّم للإنسان رؤيةً سامية للحياة، ويجعلَه راغباً فيها. ولهذا السبب بالذات ترفض الكنيسة كلّ تلك الأفكار والنزعات المطالبة (بالتحرّر الجنسي) بوصفها أفكاراً ونزعاتٍ (شيطانيةً). وإذا كان الجنس – من حيث مفهومه والقيمة المعطاة له – قد كان بالنسبة إلى الكنيسة (المحكَّ) لكل خُلُقية بشرية، فهذا لا يعود إلى هواجسَ جسدية سوداوية نابعةٍ من الشعور بالذنب، كما يعتقد الكثيرون اليوم. فالواقع أنَّ مثل هذه السويداء ومثل هذه الهواجس صارت، شيئاً فشيئاً، علامةَ (الجنس المحرّر)، وسمةَ كل المحاولات الرامية إلى جعل الجنس، والجنس فقط، المضمونَ الوحيد للحياة والمحبة البشريتين. أما الكنيسة فترفض هذا لأنها تعرف طبيعةَ الإنسان الحقيقية، ودعوتَه الحقيقية، وتعرف أيضاً أنّ (تحريراً) كهذا سيستعبد الإنسان كلياً، ويقودُه في النهاية إلى تدمير نفسه كإنسان.

تعتقد الكنيسة أنّ كل ما يستطيع الإنسان (العائشُ في العالم واللابسُ البَشَرة) أن يفعله، أو بالأحرى ما يجب أن يفعله، هو قبولُه – في طاعة وتواضع – الناموسَ الذي أعلنه الله، لأنّ هذا الناموس هو الذي (يحرِّره) – إلى حد ما على الأقل – من طغيان الجنس عليه طغياناً مظلماً ولا عقلياً، وهو الذي يجعل الجنس خادماً للمحبة لا سيِّدَها أو مضمونها الوحيد، على الرغم مما قد يبدو من ازدواجية في هذه الخدمة. الناموس لا (يقدِّس) الجنس ولا (يلعنه)، ولكنه يكشف أمام الإنسان حقيقة الجنس وازدواجيته المأساوية التي لا مفرَّ منها، وبذلك يساعده على أن يحفظ، في نفسه، رؤية طبيعته الحقيقية، وأنْ يكافح من أجل (كمالها)، وبكلمات أخرى أن يسعى وراء النعمة.

هذا هو الإطار الذي من خلاله يجب أن (نسمع) ونفهم تصرُّف الكنيسة إزاء دخول مولود بشريٍّ جديد إلى العالم. فما تكشفه صلوات اليوم الأول الثلاث هو الفرح بذلك الحدث، أي بدخول طفلٍ آخر لله إلى (نور الله العجيب)، وفي الوقت نفسه، الحزن على فساد العالم بالخطيئة. فسموُّ العطية هو الذي يجعلنا نقيِّم وندرك عمق سقوط إنسان. وإذا كانت هذه الصلوات، قبل كل شيء، صرخة من أجل المغفرة، فلأنّ المغفرة الإلهية – المعطاة والمتحقّقة في المسيح – هي وحدها التي يمكنها أن تطهّر ذلك الفرح، وتُعيده إلى ملئه، وتجعل بداية حياة الطفل بداية الخلاص والفداء أيضاً. تَعْتَلن الحياة البشرية، مرة أخرى، في مجدها وجمالها الإلهيين الحقيقيين، ولكنها مَشُوبَةٌ بارتهانها إلى نواميس (هذا العالم) الساقطة، وهو ارتهان لا مفرَّ منه. الحَبَل ليس خطيئة، بل هو بالفعل تحقّقُ أروع المواهب الإلهية: القدرة على إعطاء الحياة. ولكن (بالإثم) يُحبل بنا، لأنّ الشهوة صارت عنصراً لا مفرَّ منه في الحَبَل. الولادة فرح، ولكنها أيضاً (مرض واسترخاء)، عذاب وألم. تبدأ الحياة وهي قابلةٌ للنور والفرح، وحتى للأبدية نفسها، ولكنها ضعيفة، ومعرَّضة لكافة أنواع الأخطار، ومُهدَّدة بالشر تهديداً جذرياً.

هذا ما تتأمله الكنيسة وتعلنه وهي واقفة، في شخص الكاهن، أمام هذه الأم وهذا الطفل، لكي تعطيهما بركتها الأولى، وتجعل هذا (اليوم الأول) على علاقة بسرِّ الخلاص. كيف يمكن للكنيسة أن تساعد الأم التي قَدَرُها في (هذا العالم) أن تختبر الولادة بوصفها (استرخاءً ومرضاً)، وعبوديةً للطبيعة الساقطة، إلاّ بطلب الغفران، أي الشفاءِ الحقيقي الوحيد، والعودةِ الحقيقية الوحيدة إلى الكمال الذي حطّمته الخطيئة؟ فالواقع أنّ الكنيسة لا تطلب الغفران من أجل الخطايا (الطوعية والكرهية)، أي من أجل الخطيئة بوصفها حقيقة (هذا العالم)، ومن أجل النجاسة والدنس الكامنين فيها. ماذا يمكن أن تقدّم الكنيسة إلى هذه الأم سوى المغفرة، أي العبور إلى الحياة التي افتداها المسيح، وإلى الفرح والكمال اللذين يحميهما (ملائكةٌ بهجون نيّرون)؟ وأي عطيَّة يمكن أن تقدِّمها الكنيسة لها سوى أن تعلن أمامها أنَّها تحوّل هذه الولادة، وكلَّ ولادة، والأمومةَ نفسها إلى مشاركةٍ في فرح أمومة مريم الفريدة وكمالِها، تلك الأمومة التي بواسطتها أتَى الخلاص والفرح إلى العالم كله؟ وبأيةِ تحية يمكن أن تحيّي الكنيسة هذا الطفل سوى أن تَعِدَه بإدخاله إلى مجد اسم الله القدوس، أي معرفة الله وشركته، وهما الحياة الأبدية نفسها؟

لا يكفي أنْ يكون الإنسان على خطأ، بل لا بدَّ أن يكون صغيرَ النفس وضيّق الأفق، لكي يجد (إهانةً) في هذه الصلوات الممتلئة بالمحبة الإلهية والاهتمام بالإنسان واحترامه، وهو الاحترام الأصيل الوحيد، لأنه إلهيّ بالفعل. من واجبنا ألاّ ننقاد إلى (هذا العالم) في ثوراته الرخيصة التي يعلنها باسم (حقوق) فارغة، و(كرامةٍ) لا معنى لها، و(سعادةٍ) بلا جدوى، بل علينا أن نستعيد رؤية الكنيسة للحياة، ونجعلَها رؤيتنا نحن: الرؤية التي تعلنها الكنيسة في (اليوم الأول) من كل حياة بشرية جديدة.