بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الخامس: الإدخال إلى الكنيسة
ج- تسمية الطفل
(2)

يَظهر لنا البعد التالي لتلك الرؤية في صلوات تسمية الطفل في اليوم الثامن لولادته. وإذا كانت صلوات اليوم الأول تخصُّ الأم أصلاً، فإنّ الكنيسة تركّز اهتمامها الآن على الطفل.

ولا بدّ أن ننتبه أولاً إلى أنَّ صلواتِ اليوم الثامن ذاتُ شكل ليتورجي، خلافاً للطقس السابق. فهي تبدأ بالمجدلة المعتادة، فالتضرّع إلى الروح القدس، فالتريصاجيون، فالصلاة الربانية، وتختم بختم ليتورجي، مما يشير إلى أننا في طريقنا إلى الكنيسة الآن. لم تكن الصلوات السابقة سوى تحية أوَّلية، أو (لقاءٍ) أوَّل، أما الآن فإنّ الحياة التي بدأت منذ قليل تُجْعَل زياحاً إلى (الهيكل الأرضي) حيث سيتحقّق الخلاص.

بعد البداية يقول الكاهن:

أيها الرب إلهنا، إليك نطلب وإيّاك نسأل، أن ترسم نور وجهك على عبدك هذا، وليرتسم صليب ابنك الوحيد في قلبه وأفكاره لكي ينجوَ من أباطيل العالم ومن كل مؤامرات العدو الرديئة، فيتبع أوامرك. وامنحه يا رب، أن يكون اسمك القدوس ثابتاً عليه فلا يجحده. ضُمَّه في الوقت الموافق إلى كنيستك المقدّسة، وكَمِّله بأسرار مسيحك الرهيبة، لكي يسلك بحسب وصاياك ويحفظ الختم غير منفكّ، فيحظى بغبطة المختارين في ملكوتك...

يذكِّرنا الختمُ بالصليب والكلماتُ التاليةُ له بـ(الصلوات عند استقبال الموعوظين)، وهي التي تكلّمنا عليها في بدء دراستنا. والواقع أنّه الطقس نفسه، ولكنّه نُقِل من مكانه ليوافق معمودية الأطفال. إنّه طقس الكنيسة وهي تمتلك الطفل باسم المسيح، وترسِمُه بعلامة الصليب، علامة نصر المسيح وسيادته، وتبدأ بتهيئته للمعمودية.

ولكن ثمة عنصرٌ جديد هنا، هو تسمية الطفل. ففي طقس اليوم الأول لم يُلْفَظ أيّ اسم. ولكنّ الطفل الآن يدعى باسمه، وينسب هذا الاسم إلى اسم الله القدوس: (... وامنحه يا رب أن يكون اسمك القدوس ثابتاً عليه فلا يجحده). إنّ اسم الإنسان، الذي يميّزه عن سواه من البشر، يعطيه هويته بوصفه شخصاً، ويؤكِّد فرادته. وابنُ الله المتجسد صاحبُ اسم بشري لأنه شخصٌ، وليس (إنساناً بوجه عام). فهو لا يحمل طبيعة بشرية مجرَّدة ولا يحملها بشكل مجردٍ وغير شخصي، لأنّ الطبيعة البشرية لا توجد خارج الأشخاص، بل إنَّ كلاً منهم هو نمط شخصي فريد لتجسُّد تلك الطبيعة وتحقُّقها. وبالتالي فطقس التسمية هو اعتراف من الكنيسة بفرادة هذا الطفل بالذات، والعطية الإلهية (الشخصية) له. وعندما تنسب الكنيسة اسم الطفل إلى اسم الله القدوس، تُظهر أنَّ كل اسم هو قدوس، أس مقدّسٌ بالاسم البشري الذي للمسيح نفسه. ففي المسيح يتبيَّن أنَّ اسم كل إنسان هو اسم طفلٍ لله، مخلوقٍ بهدف إقامة علاقة شخصية مع الله، ومن أجل مشاركة شخصية في ملكوته الأبدي، لا من أجل الانحلال في (نيرفانا) لا شخصية. اسمي هو (الأنا) التي يخلقها الله عندما يخاطبها على أنَّها (أنت)، معلناً أنها شخصٌ، واسمٌ قدوس، و(ذاتٌ) لمحبة وشركة أبديتين. إنّ المسيح نفسه، بالنسبة إلى الكنيسة وإلى جميع قديسيها وإلى كامل خبرتها، موجودٌ في اسمه يسوع. وهذا الاسم القدوس هو، بالنسبة إلينا، حضور وشركة وفرح وقوة، لأنّ الاسم هو سرّ الشخص، أي ظهورُ جوهره وعطيتُه.

اسم المسيح هو الذي يقدِّس اسمي، ويجعلُه قدوساً، ويُصيِّره تعبيراً وسراً لشخصي أنا الموجودِ في المسيح إلى الأبد. وخدمةُ اليوم الثامن التي تعطيني اسمي في المسيح وفي اسمه القدوس، تعطيني بالتالي تلك (الشخصية) التي خلقها الله. والتي ستستعاد وتُخَلَّص في المعمودية لكي تدخل ملكوت الله.

في الماضي كان يُشار إلى اسم كلِّ مسيحي بوصفه اسماً قدوساً، ويُعَلَّم صاحبُه احترامَه منذ طفولته. ومن هذا الشعور المسبق بقدسية الاسم تطوَّر تقليدُ إعطاء الطفل اسم أحد القديسين، أي اسماً (تحقَّقت) قداسته بواسطة إنسان مسيحي. ولم يكن هذا الأمر مجرَّد سعيٍ إلى حماية (شفيع) سماوي، بل كان ثمرةَ خبرة حية للكنيسة بوصفها (شركة قديسين)، ونتيجةَ يقينٍ بأنّ القداسة هي المصيرُ الحقيقي الوحيد، والدعوةُ الحقيقية الوحيدة للإنسان. وعلى ضوء هذا التقليد، كم يبدو محزناً وحتى شيطانياً، نزعُ صفة القداسة عن اسم الإنسان في الوقت الحاضر، واختزالُه إلى أنواع من الألقاب المحبّبة المبتذلة، وتزايدُ اللامبالاة بالمفهوم المسيحي للكلمة بشكل عام، وللاسم بشكل خاص! وكم يكون رائعاً لو أننا نحن المسيحيون الأرثوذكسيون العائشين في الغرب، بَدَلَ أن ننقاد بكل بساطة إلى الحطِّ من شأن الاسم الإنساني – وبالتالي من شخص صاحبه – نبدأُ باستعادة الاسم بوصفه اسماً قدوساً، بأن نعود إلى استعمال الأسماء المقدّسة بقداسة القديسين، وأن نستعملها بنفس المحبة والتكريم اللذين بهما نتضرّع إلى اسم يسوع الفريد والقدوس.

تتم تسمية الطفل في اليوم الثامن لولادته. وقد علمنا أنّ اليوم الثامن هو رمزُ ملكوت الله، رمزُ الحقيقة السماوية التي تتجاوز (هذا العالم)، ونشترك فيها بالمعمودية وسر المسحة. وهذا يعني أنَّ خدمة التسمية تقود إلى هذين السرين، فأُفُقُها ليس الحياةَ القديمة بل الحياةُ الجديدةُ الأبدية. وعندما تحيّي الكنيسةُ طفلاً مخلوقاً للأبدية، فإنها تنظر إلى ما هو أبعدُ من (هذا العالم).

إنّ تاريخ الخلاص بكامله يتحقّق ثانية كلَّما عُهِدَ بطفل جديد إلى المسيح وملكوته، لذلك يُخْتَم طقس التسمية بطروبارية عيدِ تقدمة المسيح نفسه إلى الهيكل. إننا نقدّم هذا الطفل إلى الله بنفس الطريقة التي بها، في لحظة وحيدة من الزمن، قُدِّم طفل وحيد إلى الله. لقد صار طفلاً ليصير جميع الأطفال أطفالاً لله، ويَدْخُلوا إلى الفرح الذي لا يوصف، فرحِ حياة الله وملكوت الله، ولكي يَظْهَرَ كلُّ طفل بوصفه موضعاً فريداً لمحبة فريدة. إننا نعهد إلى الله بمن تعهَّده المسيح منذ الأزل. وفي هذا التعهُّد وحده يمكن أن تجدَ كلُّ حياة بشرية فريدة تحقُّقَها.

 

 


 2- - حول المعنى الديني للأسماء، راجع:

_H. Usener، Gotternamen، 1929;

_van der Leeuw، Religion، section 17.