بالمَاء والرّوح

دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة

الأب ألكسندر شميمن

الفصل الخامس: الإدخال إلى الكنيسة
د- الإدخال إلى الكنيسة

ظهر في الكنيسة بعض الغموض الخاص بطقوس اليوم الأربعين، وهو غموض تجب إزالته إذا أُريد لهذه الطقوس أن تقوم بدورها الصحيح والضروري في حياة الكنيسة. ونأمل أن نستطيع تبيان هذا الدور.

من الواضح أنَّ أساس هذا الغموض هو سوءُ فهم مبدأ الإدخال إلى الكنيسة نفسه. فإذا تساءلنا: من الذي يجري إدخاله إلى الكنيسة؟ نجد أنّ أمامنا طقسَ عودة الأم بعد تعافيها من (مرض واسترخاء)، الولادة، إلى المشاركة الكاملة في الحياة الأسرارية للكنيسة، وهو ما يمكن تسميته طقس إدخال الأم إلى الكنيسة. ولكنّ هذا الطقس يتضمّن صلوات من أجل الطفل الحاضر معها، وهو كما تشير الصلوات لم يعتمد بعد، ويمكن بالتالي أن يُقال إنَّ الإتيان بالطفل غير المعتمد هو الإدخال إلى الكنيسة:

في اليوم الأربعين يؤتى بالطفل إلى الكنيسة لكي يدخل إليها، أي لكي يبدأ انضمامه إلى الكنيسة. وتأتي به الأم...

ولكننا نجد في نهاية الطقس إدخالاً آخر، تجب إقامته – حسب التعليمات الطقسية الواضحة – إذا كان الطفل قد اعتمد.

السؤال الذي يجب أن نحاول الإجابة عنه هو التالي: ماذا حصل؟ ولماذا هذا الغموض الغريب، بل التناقض الواضح، حتى في التعليمات الطقسية؟

وتأتي الأم بالطفل بعد تطهيرها واغتسالها، وتقف هناك في المدخل، راغبة في تَقَبُّل الطقس، بعد المعمودية...

أيُّ طقس؟ ولماذا (بعد المعمودية)، إذا كانت كل كلمة فيه، كما رأينا، تدل ضمنياً على حصوله قبل المعمودية؟

قد يبدو أنّ السؤال صعب، ولكنّ الإجابة بسيطة. وما حصل هو أنّ طقسين، كانا في الأصل متمايزين ومستقلين كلياً، قد دُمجا معاً. وقد حصل هذا الأمر، مرة أخرى، بتأثير لاهوت أسراري ناقصٍ أفضى إلى سوء فهم الليتورجيا. وهذين الطقسين هما: إدخال الأم والطفل إلى الكنيسة قبل المعمودية، والإتيان بالطفل إلى الكنيسة بعد المعمودية. والواقع أنّ الطقس الأول هو الذي يجب أن يسمى إدخالاً إلى الكنيسة، ولكنّ الطقس الثاني هو الذي (احتكر) هذه التسمية، بشكل مغلوط ولأسباب غير صحيحة، مما أدَّى إلى الغموض المشار إليه.

نعلم أنّ ليتورجيا المعمودية كانت في البداية موجهةً في الدرجة الأولى إلى موعوظين راشدين، لذلك لم تتضمّن أيَّ طقس خاصّ بـ(الإدخال إلى الكنيسة). وحتى اليوم، فإنّ المعتمد الراشد لا (يُدْخَل إلى الكنيسة)، وسبب ذلك واضح. فالمعمودية نفسها هي إدخال إلى الكنيسة في المعنى الأعمق والأكمل لهذا التعبير، لأنها تعني الدخول إلى الكنيسة والانضمام إليها بوصفها جسدَ المسيح وهيكلَ الروح القدس، وشركةً في الحياة الجديدة. وبالتالي فإنّ الإتيان بالطفل إلى الكنيسة بعد المعمودية – وإلى المذبح إذا كان صبياً – ليس إدخالاً إلى الكنيسة، ويجب ألاّ نسميه بهذا الاسم كما نفعل اليوم. سنتكلّم على معناه لاحقاً، ولكننا نريد أن نشدّد  هنا على أنَّ طقساً منفصلاً للإدخال إلى الكنيسة ظهر وتطوّر ضمن معمودية الأطفال وحدها، وبوصفه طقساً يُقام قبل المعمودية. وهو قبل كل شيء تعبيرٌ ليتورجي عن واقع قائم. فالأم مضطرة إلى أن تأتي بالطفل إلى الكنيسة حتى قبل اعتماده، وهي حال سائر الأمهات أيضاً. وهذا الواقع هو الذي (أجازته) الكنيسة في طقس الإدخال. ومعناه الأساسي لا يختص بالمعمودية وحدها، بل بمفهوم الكنيسة للعائلة المسيحية.

الميزة الأساسية لهذا الطقس، هي أنّ الأم والطفل متحدان كلياً، ويشكلان – إذا جاز التعبير – حقيقةً بشرية واحدة، وبالتالي موضوعاً واحداً للتبريك والتقديس والصلاة:

ويحني الكاهن رأسه أمام الأم، وهي واقفة مع الطفل، ويرسم علامة الصليب على الطفل، ثم يلمس رأسه وهو يقول الإفشين...

هذا (الاتحاد) الطقسي أمين للحياة نفسها، لأنه تعبير عن أمر حقيقي. فميزة الطفولة هي اتكالها التام، وحتى الجسدي، على الأم. كما أنّ ميزة الأمومة، في طورها الأول على الأقل، هي أيضاً اتكالها التام على الطفل. فكل منهما في حاجة إلى الآخر، وحياة كل منهما (تتكيّف) مع حياة الآخر. بل أكثر من ذلك، إنَّ لهما نفس الحياة: حياةُ الواحد هي حياةُ الآخر. ويجب ألاّ ننسى أنَّ (حاضنة الأطفال) والإرضاع من الزجاجة، ابتكاران حديثان نسبياً. أما في الماضي فكان ضرورياً، وبالتالي طبيعياً، أن تحمل الأم طفلها أينما ذهبت، وأن يكونا واحداً. ففي بدء الحياة البشرية، وفي طور تكوُّنها، يبدو وكأنّ الأم كانت تعبّر عن شخص الطفل، وأنّ الطفل كان هو حقاً حياةَ الأم بوصفها شخصاً.

إنّ لاهوتنا المعاصر الذي توقّف، في نواح عديدة، عن أن يكون لاهوتاً شخصياً، أي مرتِكزاً على الخبرة المسيحية لـ(الشخص)، صار على الرغم من هذا، وربما بسببه، لاهوتاً فردياً بالكلية. إنه ينظر إلى كل شيء في الكنيسة – الأسرار والطقوس وحتى الكنيسة نفسها – بوصفها (وسائل نعمة) فردية، هدفها الفردُ وتقديسُه الفردي. وهكذا فَقَدَ المقولات التي تعبِّر عن الكنيسة وحياتها، بوصفها تلك الحقيقة الجديدة التي تتغلّب على كل فردية وتتجاوزها، وتحوِّل الأفرادَ إلى (أشخاص). ففي هذه الحياة الجديدة يكون البشر أشخاصاً لأنهم يتّحدون بالله، ومن خلاله يتّحدون ببعضهم بعضاً وبكامل الحياة.

لقد تأثرت ممارستنا الحالية بهذا اللاهوت الناقص والأحادي الجانب و(الفردي)، حتى إنَّ الأم غالباً ما (تتقبَّل) طقس اليوم الأربعين وحدَها، وكأنه خاصُّ لها، لا بوحدتها مع الطفل، وبأمومتها التي بها تحقِّق نفسَها وتكونُ حياةَ شخص آخر، أو كأنّ (التطهير) الحقيقيَّ الوحيد للأم لا يكمن أساساً في إتيانها بالطفل إلى الكنيسة، ومن ثم إلى الله.

ما يعلنه طقس اليوم الأربعين هو إدخال الأم والطفل معاً إلى الكنيسة. إنّه يسمح بأن يُدخَل الطفل غيرُ المعتمد إلى الكنيسة، ويجعل هذا الإدخال (بدءَ انضمامه إلى الكنيسة)، كاشفاً مفهوم الكنيسة للعائلة المسيحية، وبالأحرى لدورها الفريد داخل الكنيسة. فليس في وسع أيّ طفل أن (يُدْخَل إلى الكنيسة)، ولكنّ الطفل المولود في عائلة مسيحية ومن والدين مسيحيين يمكنه ذلك، لأنه مولود في عائلة تخص الكنيسة، وتعيشُ في وحدة عضوية داخل عائلة الله. جوهرُ الكنيسة أن تحقِّق ذاتَها بوصفها عائلةً. والإنسانية نفسُها خٌلِقَتْ في البدء عائلة، وكان القصد أن تتحقَّق وحدتها الطبيعية كوحدةٍ مع الله، وأن يشترك الجميع في العطية الإلهية نفسِها، عطية الحياة والمحبة. والكتاب المقدّس يقدِّم لنا ولى ثمار الخطيئة في قتل الأخ لأخيه، أي في (انهيار) العائلة وبدءِ الحياة (اللاأخوية). ولذا كان افتداء الإنسان يعني افتداءَه بوصفه عضواً في عائلة، أي استعادةَ الحياة نفسها كعائلة: (... أنتم جميعاً إخوة) (متى8:23).

هذه العائلة الجديدة هي الكنيسة. والكنيسة التي هي عائلة الله، تجدِّد العائلة (الطبيعية) المشارِكَة، مثل كل شيء آخر، في سقوط (هذا العالم). ولكنّ تحقُّقَ الكنيسة بوصفها عائلةَ الله وّقْفٌ على عائلةِ الإنسان المفتداة. الكنيسة تفتدي العائلة (لطبيعية)، بتحطيم أنانيّتها النابعة من الخطيئة، وتقويضِ انغلاقها وتمركزها على ذاتها، فتبدأ العائلة بخدمة الله، وهو ما يُعَبِّر عنه في سرّ الزواج، وفي تقديم الطفل، ثمرة الزواج الطبيعي، إلى الله. ولكنّ تحقّ الكنيسة وقفٌ على هذه العائلة المفتداة، لأنّ العائلة هي المصدر الوحيد للحياة البشرية، الذي أسَّسَهُ الله وسَمَحَ به.

الطفل المولود حديثاً يخص العائلة، وليس له أيّ وجود مستقل عنها. وانتماؤه إليها هو الذي يشكِّل ويحدِّد حياتَه في الحاضر وفي المستقبل القريب. والعائلة المسيحية التي تَخُصّ الكنيسة، تجد في الكنيسة المصدر والمضمون والهدف السامي لوجودها كعائلة. وبالتالي فالطفل الذي يخص العائلة، ويخص الأم بشكل بيولوجي محسوس، يخص الكنيسة أيضاً، وهو طفلها الذي قُدِّم إلى الله وعُهِدَ به إليه. منذ أن يحصل الطفل على الحياة من الأم، ويكون واحداً معها، ينالُ حياة مقدّسة وقابلةً للنعمة، مثلما يُهَيَّأُ الموعوظ للمعمودية عند (دخوله تحت جناح الكنيسة) (راجع الصلاة على الموعوظ)، وحصوله على الكنيسة بوصفها أماً وحياةً، حتى قبل المعمودية.

كل هذه المعاني تُعبِّر عنها الصلاة التي يقرأها الكاهن وهو ينحني أمام الأم ويبارك الطفل الذي تحمله بين يديها:

أيها الرب الإله الضابط الكل، أبو ربنا يسوع المسيح، يا من خلقتَ بكلمتك كل طبيعة... إليك نطلب وإليك نبتهل. فطهّرْ من كل خطيئة عبدتك هذه التي خلّصتها بمشيئتك. ونقّها من كل دنس إذ هي مقبلة إلى كنيستك المقدّسة، لكي تستحق بغير مداينة تناول أسرارك المقدّسة. وبارك هذا الطفل المولود منها وأنمه وقدِّسه وفهِّمه وامنحه عقلاً رصيناً وذهناً ذكياً، لأنك أنت الذي أخرجتَه من العدم إلى الوجود وأريتَه النور الحسي لكي يستحق النور العقلي أيضاً في الوقت الذي حدّدته، وينضم إلى عدد رعيتك المقدّسة...

إدخال الأم إلى الكنيسة هو إعادتها إلى هيكل مجد الله الذي انفصلت عنه أربعين يوماً بسبب (المرض والاسترخاء)، أي إعادتُها إلى الكنيسة بوصفها شركةً في جسد المسيح ودمه. يقول الكاهن: (السلام لجميعكم). وهذا يعني أنّ الإدخال إلى الكنيسة يتم أثناء اجتماع المؤمنين، وأنه عودة الأم إلى الوحدة المنظورة للجماعة المسيحية. ثم يتلو الإفشين الذي يطلب فيه من الله أن (يرحضها من وسخ الجسد ودنس النفس... وأن يجعلها مستحقةً لتناول جسد المسيح ودمه المكرَّمين...).

أما الطفل فإنّ إدخاله إلى الكنيسة هو الإتيان به إليها وتقديمه إلى الله، مثلما قَدَّمت مريمُ المسيح نفسه (إلى الهيكل في تمام الأربعين يوماً، وحمله سمعان الصدّيق على ذراعيه...). إنه بدء (زياح) الطفل إلى المعمودية، كما يرد بوضوح في الإفشين الرابع والأخير:

فأنتَ أيها الرب الحافظُ الأطفال، باركْ هذا الطفل مع والديه وعرّابيه، وأهِّلْه في الوقت الموافق لإعادة الولادة بالماء والروح، وأحْصِهِ في عدد رعيتك المقدّسة، رعيةِ الخراف الناطقين المدعوين باسم مسيحك.

ولكنّ بهجةَ هذا الطقس ومعناهُ الأخير، كما عرفته الكنيسة واختبرته، يكمن في نور وفرح سرِّ مريم والدة المسيح. فالأم التي تقف عند مدخل الكنيسة، وهي تحمل الطفل بين يديها، وتستعد لتقديمه – وبالتالي لتقديم أمومتها نفسها – لله، تواجهها أم ثانية مع طفل ثانٍ بين يديها. إنا أيقونة والدة الإله، أيقونة التجسّد وقبولِ الخليقة له. لذلك توحِّد الكنيسةُ في صلواتها هاتين الأمومتين، مالئة الأمومة البشرية بالفرح والكمال الفريدين لأمومة مريم الإلهية. لقد ولدتْ مريم الطفل، وكانت متحدةً معه بوصفها أماً، وكان حياتَها كلَّها، وجعلَها (مملوءةً نعمة). أما الآن فتملأ هذه النعمة الكنيسة، وتأخذها الأم، ثم تعطيها حين تأتي بالطفل إلى الله.

وينتهي الإدخال إلى الكنيسة بعد الصلاة الرابعة والختم المعتاد. وعلى ضوء ما قلناه عنه، يمكننا أن نفهم الآن معنى الطقس الذي يلي المعمودية، والذي تشير إليه التعليمات الطقسية بوصفه إدخالاً إلى الكنيسة، وهو في الواقع الخاتمة الخاصة بمعمودية الأطفال، والتي تميِّزها عن معمودية الراشدين. علمنا أنّ الليتورجيا الأخيرة (تحقَّقتْ) في زياح المعتمدين الجدد من بيت المعمودية إلى الكنيسة، وفي اشتراكهم بسرّ الشكر. ولكنّ الطفل لا يسعه أن (يتقدّم) في زياح، بل يجب أن يُؤخذ وأن يُؤتى به إلى الكنيسة. وهذا الطقس هو في الواقع الزياح نفسه ولكن بعد تكييفه مع الأوضاع الخاصة بمعمودية الأطفال:

يتناول الكاهنُ الطفلَ ويرسم به شكل صليب أمام أبواب الكنيسة، ويقول:

- يدخل عبد الله إلى الكنيسة، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.

إنَّ عبور الباب هنا يشير إلى المعمودية بوصفها دخولاً إلى الكنيسة، أي إلى الحياة الجديدة في ملكوت الله.

ثم يدخله إلى الكنيسة قائلاً:

- يدخل إلى بيتك ويسجد نحو هيكل قدسك.

يدخله إلى حياة الكنيسة بوصفها تسبيحاً وعبادة، أي (فرحَ وسلامَ وبِرَّ) الملكوت.

وحين يبلغ وسط الكنيسة يقول:

- في وسط الجماعة (الكنيسة) يسبّحك يا رب.

في وسط الكنيسة نفسها بوصفها (زياحاً) وصعوداً إلى الملكوت، إلى التحقّق النهائي لكل حياة في الله.

ثم يذهب به إلى أمام المذبح.

ويكتمل الطقس بالتسبيح الأخروي للقديس سمعان: (الآن تطلق عبدك أيها السيد بسلام... لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك...). تأخذنا المعمودية إلى الكنيسة، وتأخذنا الكنيسة إلى مائدة المسيح، فتجعلنا – منذ الآن، وفي هذا العالم وهذه الحياة – شركاء وشهوداً للخلاص الذي أعدَّه الله وتحقَّق في المسيح.