|
” أولا أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم أن
إيمانكم ينادى به في كل العالم ” (8:1).
1ـ يبدأ الرسول حديثه بشكر لله قبل أي حديث آخر، وهذه البداية تليق
بنفس الرسول بولس الطوباوية وهو قادر أن يعلّم الجميع أن يقدموا
أعمالهم الصالحة وأقوالهم وباكوراتهم لله، وأن لا يفرحوا فقط لأجل ما
حققوه لأنفسهم بل أيضًا لأجل الغرباء، لأن هذا الأمر ينقي النفس من
الفساد والكلام البذيء، ويجلب عطف الله على أولئك الذين يشكرونه. ولهذا
فإنه يقول في موضع آخر " مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا
بكل بركة روحية"[1].
ويجب أن يشكره ليس فقط الأغنياء، بل الفقراء أيضًا، وليس الأصحاء فقط،
بل المرضى أيضًا، وليس فقط المتيسرين، بل المعوزين أيضًا. فالأمر ليس
بمستغرب عندما يشكر المرء وهو في حالة متيسرة. لكن عندما توجد أمواج
عاتية والقارب معرض للانقلاب وللخطر، وقتها يظهر البرهان الكبير على
الصبر والامتنان. ولهذا فإن أيوب بسبب هذا الصبر تُوّج إذ سد فم
الشيطان، وبرهن بكل وضوح أنه لم يشكر الله عندما كان غنيًا لأجل
الأموال الكثيرة، ولكنه يشكره دومًا بسبب محبته الكبيرة نحو الله.
|
لاحظ لأي الأمور يشكر بولس الرسول الله؟ لا لأجل الأمور
الأرضية والفانية ولا لأجل السلطة والمُلك والمجد. لأن لا شيء من كل
هذا يستحق الشكر عنه. لاحظ أيضًا كيف يشكر. لأنه لم يقل "أشكر الله"
لكن "أشكر إلهي" وهو أمر قد فعله الأنبياء اذ جعلوا الله خاصتهم أو
إلههم. وهل يعد أمرًا غريبًا لو فعل الأنبياء هذا لأن الله ذاته كان
يدعو نفسه إله إبراهيم واسحق ويعقوب؟
" إن إيمانكم ينادى به في كل العالم" ماذا إذًا؟ هل كل العالم كان قد
سمع بإيمان أهل رومية؟ نعم لقد سمع الجميع عن إيمان أهل رومية من بولس
الرسول، وهذا يعد أمرًا منطقيًا. لأن مدينة روما كانت مشهورة ومعروفة
جدًا، ومكانتها كانت تبدو من جميع الجوانب كما لو كانت فوق قمة عالية.
ولاحظ من فضلك قوة الكرازة وقوة الكلمة، وكيف أنه في مدة زمنية بسيطة
ساد العشارون والصيادون على هذه المدينة التي هي قمة المدن، وكيف صار
رجال سوريون معلّمين ومرشدين لأهل رومية[2].
إذًا فلقد حقق أهل رومية إنجازين، أنهم آمنوا وأن
إيمانهم قد أُستعلن مجاهرة وبلا خوف، حتى أن شهرتهم امتدت إلى كل الأرض
لأنه يقول " لأن إيمانكم ينادي به في كل العالم".
إن الإيمان هو الذي يُنادىَ به، وليست المعارك الكلامية ولا المناقشات
ولا الأفكار. لقد ساد الإيمان على الرغم من أن معوقات الكرازة كانت
كثيرة، لأن أهل رومية كانوا قد سادوا المسكونة قبل ذلك بقليل، أي قبل
إيمانهم، مفتخرين عائشين في الغنى والمتع. ثم قام صيادون يهود من أمة
منبوذة بتبشيرهم بالمسيح، ودعوهم أن يسجدوا للمصلوب الذي عاش في
اليهودية. ومن خلال الإيمان بدأ المعلّمون يعظون الناس ويحثونهم على
حياة الزهد، وهم الذين تعودوا أن يعيشوا في رفاهية، ويشتهون الخيرات
الأرضية بشكل كبير. مع أن هؤلاء الذين بشروا أهل رومية، كانوا أناسًا
فقراء وبسطاء ومجهولين، ومن آباء مجهولين، لكن لا شيء من كل هذا أعاق
طريق الكرازة. بل إن قوة المصلوب كانت عظيمة جدًا، حتى أنها نقلت
البشارة إلى كل مكان، ثم قال إن إيمانهم " ينادى به في كل الأمم" ولم
يقل إنه "ظهر"، لكن "ينادى" كما لو كان إيمانهم على كل الألسنة. هذا ما
أكده أيضًا لأهل تسالونيكي عندما كتب يقول: " لأن من قبلكم قد أذيعت
كلمة الرب ليس في مكدونية وأخائية فقط بل في كل مكان أيضًا قد ذاع
إيمانكم بالله حتى ليست لنا حاجة أن نتكلم شيئا"[3]
لأن التلاميذ أخذوا مكانة المعلمين، مُعلّمين الجميع بكل مجاهرة،
وجاذبين الكل إليهم. لأن البشارة لم تتوقف في مكان ما، لقد كانت أقوى
من النار، ووصلت إلى كل المسكونة. ولهذا حسنًا قال عن الإيمان إنه "
يُنادى به" فظهر أنه لا يجب أن يضيف أو ينزع شيئًا مما أعلنته الكرازة.
لأن عمل المبشر هو نقل الرسالة فقط، ولهذا فإن الراعي يسمى مبشرًا،
لأنه لا يعلن عن نفسه أو تعاليمه هو، ولكنه يعلن عن مَن يرسله.
” فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه، شاهد لي
كيف بلا انقطاع أذكركم ” (9:1).
2ـ هذا الكلام خارج من أحشاء الرسول المملوءة رأفة
ويكشف عن روح تتمتع بالرعاية والأبوة. لكن ما معنى هذا الذي قاله ولأي
سبب يدعو الله شاهدًا؟ لقد أراد أن يُعبّر لهم عما بداخله، ولأنه لم
يكن قد رآهم حتى ذلك الوقت، فإنه لم يدع أي إنسان لكي يكون شاهدًا،
ولكن دعي ذاك الذي يفحص القلوب " شاهد".
|
|
|
|
إذًا بعدما قال إنهم محبوبون، أراد أن يدلّل على هذا،
لذا قال إنه يصلي لهم بلا انقطاع، وأنه يأمل أن يأتي إليهم، ولما كانت
هذه الدلائل غير معلنة فإنه لجأ إلى شهادة أمينة. وهنا يمكن أن نتساءل
هل يستطيع أحد منكم أن يزعم بأنه يتذكر كل ملء الكنيسة عندما يصلي في
بيته؟ لا أعتقد، لكن القديس بولس يصلي إلى الله، لا لأجل مدينة واحدة،
ولكن لأجل كل المسكونة، وهذا حدث لا مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات،
لكن بلا انقطاع. ولن يحدث أن يتذكر المرء إنسانًا معينًا، إلاّ اذا
كانت هناك محبة كبيرة له، ولهذا يذكره دوما في صلواته. أرأيت إذًا أن
صلواته هذه هي دليل واضح على محبته الكبيرة تجاه الجميع.
وعندما يقول إن الله هو " الذي أعبده بروحي في
إنجيل ابنه" يوضح لنا تواضعه تحت نعمة الله، لأن نعمة الله سمحت له
بأمر عظيم جدًا وهو أن يُبشر، بينما يظهر تواضعه بوضوح، لأنه ينسب كل
شيء لمعونة الروح لا لإمكانياته الخاصة. واستخدامه تعبير " إنجيل ابنه"
قصد به إظهار نوع الخدمة. وبالحقيقة إن طرق الخدمة كثيرة ومتنوعة،
تمامًا مثل طرق العبادة. بالضبط كما في حالة الممالك، فالجميع خاضعون
لواحد فقط هو الذي يملك، ولا يقدمون جميعهم نفس الخدمات، لكن واحد تكون
مهمته خدمة وإدارة الجيوش، وواحد يدبر المؤن، وآخر يحفظ أموال الخزانة،
هكذا أيضًا في الأمور الروحية؛ واحد يعبد الله بأن يخدم ويدبر حياته
حسنًا، وآخر يتعهد خدمة الغرباء، وآخر يقوم برعاية من لهم احتياج. ومثل
هذا الأمر نجده في حالة الرسل أنفسهم، هؤلاء الذين كانوا مع استفانوس
ويخدمون الله، البعض في رعاية الأرامل، وآخرون في التعليم. ومن بين
الرسل أيضًا كان الرسول بولس يخدم الله بواسطة كلمة الإنجيل. وهذا كان
أسلوب خدمته ولهذه الخدمة أُرسل.
ولهذا فإنه لا يدعو الله شاهدًا فقط، لكنه يتكلم عن
خدمته التي تعهد بها، موضحًا أن قيامه بهذه الخدمة العظيمة لا يجعله
يدعو ذاك الذي استأمنه على هذه الخدمة شاهدًا إن لم يكن لديه هذا
اليقين وهذه الثقة. بل أراد فوق هذا أن يوضح أن محبته ورعايته لهم هو
أمر ضروري. ولكي لا يقولوا له مَن أنت ومن أين أتيت، وكيف تقول أنك
تعتني بمدينة كبيرة، ولها مكانة قيادية بين المدن نجد أنه أوضح أن
قيامه بمثل هذه الرعاية وهذا الإهتمام هو أمر مُلّح بالنسبة له. إذ
كانت الضرورة موضوعة عليه لكي يكرز هناك بالإنجيل. وكان يشعر باحتياج
أن يذكر هؤلاء الذين كرز لهم بلا انقطاع.
" الله الذي أعبده بروحي" هذه العبادة هي أسمى بكثير من العبادة
الوثنية والعبادة اليهودية. لأن العبادة الوثنية هي عبادة كاذبة
وجسدية، بينما العبادة اليهودية هي عبادة حقيقية، لكنها هي أيضًا
جسدية، لكن العبادة الكنسية هي عكس العبادة الوثنية وشيء أسمى بكثير من
العبادة اليهودية. لأن عبادتنا ليست بذبائح وعجول ودخان ورائحة شواء،
لكن هي عبادة روحية. هذا ما أعلنه لنا المسيح قائلاً: " الله
روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا"[4].
" في إنجيل ابنه ": لقد قال سابقًا " المفرز لإنجيل الله (الآب)"، هنا
يقول "إنجيل ابنه" أي أن هذا الإنجيل هو إنجيل الابن. لأنه تعلّم من
السيد له المجد أن كل ما للآب هو للابن وكل ما للابن هو للآب. لأن
المسيح يقول " كل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي"[5].
" كيف بلا انقطاع أذكركم متضرعًا في صلواتي ": هذا دليل
محبة حقيقية. وما يقوم به الرسول بولس هو أمر واحد له عدة جوانب: "أنه
يذكرهم" وذكره إياهم هو "بلا انقطاع"، وهذا التذكر هو محور "صلاته"
وأخيرًا أنها لأجل أمور عظيمة.
” متضرعًا دائمًا في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي
بمشيئة الله أن آتي إليكم. لأني مشتاق أن أراكم ” (10:1).
هكذا نرى أنه يشتاق لرؤيتهم ولا يريد أن يحدث هذا بدون مشيئة الله، بل
أن تكون هذه الرغبة مقترنة بمخافة الله. لقد أحبهم وكان متعجلاً للذهاب
إليهم، لكنه لم يُرد أن يراهم بدون أن يتأكد أن هذه هي مشيئة الله، وهو
في هذا مدفوع بمحبته لهم. هذه هي المحبة الحقيقية وليست كالمحبة التي
يكون الأنا هو مركزها، أقصد أن هناك مسارين للسلوك فيما يختص بأسلوب
محبتنا: فإما أن لا نحب أحدًا، أو عندما نحب فإننا نحب على عكس مشيئة
الله[6]
والحالتين هما ضد الناموس الإلهي. لكن لو كان مجرد الكلام عن المحبة
يثير في نفس المستمع ضيقًا، فهذا يعني أن ممارسة هذه المحبة ستسبب له
ضيقًا أكثر.
3ـ ويمكن للمرء أن يتساءل كيف نحب ويكون هذا على عكس مشيئة الله؟
ونُجيب عندما نغض البصر عن المسيح الذي يتضور جوعًا، بينما نعطي
لأولادنا ولأصدقائنا ولأقاربنا أكثر مما يحتاجونه. الأمر يحتاج إلى أن
نسترسل في حديثنا أكثر من ذلك. لأنه لو فحص كل واحد منا ضميره جيدًا
لوجد أن هذا الشيء واردًا في أمور كثيرة. لكن المطوّب بولس لم يكن
هكذا، لكنه عرف وتعلّم كيف يُحب، وأن تكون محبته كما ينبغي، وكما يليق.
لاحظ إذًا أن مخافة الله والاشتياق لرؤية أهل رومية موجودين بشكل كبير
في قلب القديس بولس، لأن صلاته لهم بلا انقطاع، دون توقف، هي دليل
محبته الكبيرة، كما أن استمرار خضوعه لمشيئة الله في محبته لهم هو دليل
على تقواه العظيمة. تلك التقوى التي اتضحت في موضع آخر عندما تضرع إلى
الرب ثلاث مرات لكي تفارقه شوكة الجسد، ومع هذا لم يُستجاب له، وبالرغم
من ذلك، فقد شكر الله كثيرًا لأنه لم يسمع له[7].
وهكذا نجده في كل الأمور كان ينظر نحو الله ويخضع لمشيئته. لكن هنا نجد
أن الله قد سمع له، ليس عندما طلب ولكن فيما بعد. وهذا يوضح أن عدم
إستجابة الله لطلبه في الحال لم يسبب له أي ضيق.
هذه الأمور أقولها، لكي لا نتضايق عندما لا تُستجاب
صلواتنا في الحال. لأننا لسنا أفضل من الرسول بولس الذي يشكر في
الحالتين. وهو إذ يصنع هذا يفعل حسنًا جدًا. لأنه وضع نفسه في يد ضابط
الكل وتحت سلطانه بخضوع كامل، مثل الطينة اللينة في يد صانعها،
مُسلّمًا قيادة حياته لله. وبعدما قال إنه يصلي لكي يراهم، يوضح سبب
هذا الاشتياق لرؤيتهم. وما هو هذا السبب؟
” لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم ” (11:1)
فالقديس بولس لم يقم برحلات بلا هدف أو بلا معنى كما
يصنع الكثيرون الآن. لكن لضرورات ولأجل موضوعات ملّحة جدًا. وهو لم
يُرد أن يوضح سبب رحلته، لأنه لم يقل لكي أُعلمكم أو أعظكم أو أكمّل ما
نقص، لكن قال " لكي أمنحكم هبة روحية" موضحًا أنه لا يعطيهم شيئًا مما
له، لكنه يهبهم ما قد أخذه من الله. وقد فعل هذا من أجل ثباتهم.
فثباتهم وعدم إهتزازهم هو من عمل النعمة. وعندما تسمع
عن عمل النعمة، فلا تظن أن أجر تعب الخدمة قد ضاع، بسبب ذكر عمل
النعمة، إذ أنه أراد فقط أن يقضى على الإفتخار بتعب الخدمة والتباهي به.
فالحديث عن النعمة، لا يعني احتقار جهد الرغبة في الخدمة، وما أراده
فقط، هو أن يقضي على الافتخار والزهو غير المقبول. إذًا يجب ألا تعتمد
على قوتك، لأن الرسول بولس دعى هذا التعب في الخدمة بالموهبة أو
العطية. لأنه يعترف وبتواضع أن تعب الخدمة لا يرجع إلى إمكانياته
الشخصية بل إلى الموهبة المعطاة له، لأن هذه المواهب تحتاج إلى دعم
وسند من الله. غير أنه بقوله "لثباتكم" أراد أن يوضح بشكل غير معلن
أنهم محتاجون إلى تقويم. فما أراد أن يقوله هو: إنني كنت أصلي ومشتاق
أن أراكم، لا لسبب آخر، إلا لأن أسندكم وأقويكم وأثبّتكم في مخافة الله
باستمرار. لكي لا تتزعزعوا. وبالتأكيد هو لم يتكلم هكذا لكي يجرح
مشاعرهم، لكنه بأسلوب آخر يشير إلى هذا المعنى بدون تشديد أو تأكيد على
هذا، إذ أنه عندما يقول " لثباتكم" فإنه يقصد هذا المعنى المشار إليه.
ثم بعد ذلك ـ لأن قوله كان ثقيلاً على نفوسهم ـ لاحظ
كيف يجعل قوله مقبولاً، وحتى لا يقولوا ماذا إذًا؟ هل نحن مهتزين،
ألسنا ثابتين، هل نحن في حاجة إلى كلامك لكي نثبت؟ لذا نجده يضيف
قائلاً " لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا إيمانكم وإيماني"
وبهذه الإضافة فإنه يزيل أي ارتياب يعتريهم. كما لو كان يقول لهم لا
ترتابوا، فأنا أتكلم لا لكي أتهمكم، فكلامي لا يحمل هذا المعنى. لكن ما
أريد أن أقوله هو إنكم عانيتم كثيرًا من المضايقات والاضطهادات
والعذابات من قِبل الحكّام والولاة، لذلك أردت أن أراكم لكي أعزيكم، بل
من الأفضل أن أقول، لا لكي أعزيكم فقط، لكن لكي أتعزى أنا أيضًا معكم.
4ـ أرأيت حكمة المعلم؟ قال أولاً " لثباتكم" ولأنه يعرف
أن هذا ثقيل ويضايق تلاميذه، فإنه أضاف " لنتعزى"، ولم يكتفِ بهذا فقط،
لكنه يقدم علاجًا أكبر قائلاً:
” لنتعزى بالإيمان الذي فينا جميعًا إيمانكم وإيماني ”
(12:1).
يالعظمة الإتضاع. فبولس الرسول بقوله هذا يوضح أنه هو
نفسه في احتياج لهم وليس هم الذين كانوا في احتياج إليه. إنه قد وضع
التلاميذ في موضع المعلّم، دون أن يحتفظ لنفسه بأي امتياز، بل إنه أكد
أيضًا على المساواة الكاملة بينه وبينهم لأن الربح سيكون مشترك، وذلك
بقوله: إنه محتاج إلى تعزيتهم كما أنهم محتاجون إلى تعزيته.
وبأي وسيلة يتم هذا " بالإيمان الذي فينا جميعًا
إيمانكم وإيماني " فكما أنه من الممكن أن يجمع المرء أكثر من شعلة لكي
يوقدها ليحصل على نار أشد، هكذا أيضًا بالنسبة للمؤمنين. فكما أنه
عندما نوجد متفرقين في أماكن مختلفة، فإننا نكون حزانى أو متضايقين،
لكن حينما يرى الواحد منا الآخر ونتعانق، فإننا نتعزى تعزية كبيرة.
ولذلك يجب ألاّ تقارن ما يحدث الآن بما كان يحدث فيما قبل، فالآن توجد
شركة بين المؤمنين في كل مدينة وقرية، بل وفي الصحراء حيث انتشرت
التقوى وتلاشي غضب الله. لكن تأمل في ذاك العصر عندما كان يرى المعلّم
تلاميذه وأيضًا الأخوة يرون أخوة لهم آتين من مدن أخرى بعيدة، كم كانت
فرحة اللقاء عظيمة.
ولكي أجعل ما أقوله أكثر وضوحًا، سأتكلم بمثال، فلو حدث
أن ذهبنا إلى بلاد الفرس أو السيكيثيين أو بلاد البربر وتوزعنا اثنين
اثنين أو ثلاثة ثلاثة في هذه البلاد، ثم بعد انقضاء فترة من الزمن،
رأينا فجأة شخص قد أتى من هنا، تخيل كم تكون التعزية التي سنحصل عليها.
ألا ترون المسجونين عندما يرون أحد أقاربهم، كيف أنهم يمتلئون حيوية
وفرح؟ فلو أننا شبهنا الظروف التي عاش فيها أهل رومية بالسجن والأسر،
فيجب عليك ألا تندهش، لأنهم عانوا أمورًا أكثر مرارة وقسوة مما يحدث في
هذا السجن والأسر. لقد عانوا التشرد والاضطهاد، عانوا الجوع والحروب،
وتعرضوا للموت كل يوم، والشك فيهم من قبل أصدقاء، ومعارف وأقارب،
وعاشوا كغرباء في بلادهم. ولهذا قال " لثباتكم، لنتعزى بينكم بالإيمان
الذي فينا جميعًا". كما أنه قال هذا الكلام، لا لأنه يحتاج إلى
مساعدتهم، فهذا الأمر كان مستبعد تمامًا. لأنه كيف يحتاج مَن هو عمود
الكنيسة، ومَن كان في إيمانه أقوى من الحديد والصخر، ومَن كان روحيًا
أصلد من الماس، ومَن كان يملك قوة لحكم وإدارة مدن كثيرة؟ ولكن قال إنه
هو أيضًا محتاجًا لتعزيتهم كي لا يجعل كلمته قاسية وشديدة. و لو تساءل
أحدكم قائلاً: طالما أن الرسول بولس مشتاق لرؤية أهل رومية، وأنه يصلى
ويتضرع إلى الله من أجل ذلك وأنه سيتعزى هو نفسه وسيعزيهم، فما هو
العائق من أن يذهب إلى هناك؟ وهل أراد أن يرد على هذا التساؤل بما
أضافه قائلاً:
” ثم لست أريد أن تجهلوا أيها الأخوة أنني مرارًا
كثيرة قصدت أن آتي إليكم ومنعت حتى الآن ” (13:1).
أرأيت مثل هذا الخضوع الكبير ودليل الامتنان العظيم.
يقول أنه مُنع، لكن لأي سبب مُنع؟ هو لا يجيب، وذلك لأنه لا يفحص أمر
الرب، لكنه يخضع له فقط، وإن كان من الطبيعي أن نتساءل بدهشة كيف يمنعه
الله عن الذهاب إلى مدينة مثل رومية تتمتع بحظ وافر من سبل الراحة
والبذخ وعظيمة جدًا كما أن نظر كل المسكونة كان يتجه إليها. ولعلني
أقول لقد منعه الله من الذهاب حتى لا تتمتع هذه المدينة المتشامخة بمثل
هذا المعلم العظيم ولوقت طويل.
وهو لم يهتم بأي شيء، بل سلّم نفسه لعناية
الله غير المحدودة، مظهرًا بذلك تقوى وحكمة ومعلّمًا إيانا ألاّ نُحمّل
الله مسئولية ما يحدث حولنا، حتى وإن كان ما يحدث يبدو أنه يسبب ضيق
للكثيرين.
لأن عمل الله هو أن يعطي وصايا، وعمل العبيد هو الطاعة ولهذا فهو يقول
لا تسألني عن قرار أو فكر الله " بل مَن أنت أيها الإنسان الذي تجاوب
الله. ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا "[8]
إذًا لأي سبب تطلب أن تعرف؟ ألا تعرف أن الله يعتني بكل شيء وأنه كلّى
الحكمة، وأن عمله دائمًا بتدبير وليس بلا سبب، أو بدون هدف؟ وأنه يحبك
محبة فائقة الوصف، وهذه المحبة تتجاوز رعاية الأب وحنان الأم بكثير.
إذًا يجب عليك الآن ألاّ تطلب أكثر من هذا، لأن هذا يكفي للعزاء. لأنه
حتى مطلب أهل رومية حينذاك كان قد تم تدبيره بحكمة كبيرة.
فعدم معرفة طرق الله في تعامله مع أبنائه، لا يدعو
للتذمر، بل إن ذلك يبعث على الإيمان، بمعنى أن يقبل المرء الكلام عن
تدبير الله، على الرغم من أنه غير مدرك لطريقة التدبير.
5ـ وقد تمكن بولس الرسول من توضيح قصده، بمعنى أنه
مُنع، على الرغم من رغبته في رؤيتهم والإشتياق الشديد إليهم. ولم تكن
هذه مجرد رغبة عابرة، فقد أكد لهم على أن إشتياقه لرؤيتهم يفوق بكثير
إشتياقهم لرؤيته. ومن خلال أمور أخرى كثيرة، بيّن محبته لهم. فلم يتوقف
عن محاولته الذهاب إليهم على الرغم من أنه مُنع، فقد كان دومًا يحاول
الذهاب إليهم، وكان دومًا يُمنع، لكنه لم يتوقف أبدًا عن المحاولة، وهو
في هذا لم يقاوم إرادة الله، فقد كان يحمل لهم كل حين، محبة كبيرة. وهو
بهذه النية وأيضًا في محاولاته المستمرة الذهاب إليهم، قد أظهر محبته
نحوهم، كما أنه أظهر محبة كاملة لله عندما أُعيق عن الذهاب ولم يقاوم
إرادة الله.
" ليكون لي ثمر فيكم" وعلى الرغم من أنه كان قد أعلن
سبب اشتياقه إليهم كما سبق الاشارة، لكنه هنا يركز على إيضاح هذا
السبب، لكي يزيل أي شكوك في نفوسهم. لأن مدينتهم كانت ذات شهرة ومتميزة
في كل المسكونة، فكان الكثيرون يتكالبون على زيارة هذه المدينة فقط.
ولكي يزيل أي ظن في نفوسهم أو أي شك من نحوه، وأن
زيارته لهم لم تكن بسبب شهرة المدينة وتميزها، بل بسبب اشتياقه لهم
وارتياحه لمسيرتهم الإيمانية، فكان دائمًا يُذكّرهم بسبب اشتياقه لهم.
وكما سبق وقال لهم " لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية
لثباتكم" هنا أيضًا يقول لهم بكل وضوح " ليكون لي ثمر فيكم كما في سائر
الأمم" بمعنى أن الثمر هو للجميع. فبرغم كل الإنتصارات العظيمة
والغنائم الكثيرة ورغم الرتب والمناصب التي كانت للنبلاء، فإنه لا
يفرّق بين الرؤساء وبين المواطنين البسطاء، وهو محق في هذا لأن عطية
الإيمان عندما توهب، لا يكون هناك فرق بين يوناني وبربري ولا بين مواطن
وأجنبي، الكل متساوون وفي نفس المرتبة السامية. لاحظ كيف يتكلم الرسول
بولس باعتدال، لأنه لم يقل لكي أعلّمكم أو لكي أعظكم، لكن " ليكون لي
ثمر فيكم" وهو لم يقل فقط ثمر بل " ثمر فيكم". هو هنا لم يعظّم من
شأنه، وأيضًا لم يعظّم من شأن أهل رومية. لأنه يقول " كما في سائر
الأمم" أي لا لأنهم أغنياء أو لأنهم على ثراء أكثر من الآخرين، يُبدي
لهم اهتمامًا أكثر من الآخرين، لأنه لا يطلب منهم غنى، بل يطلب إيمانًا
فقط. ولعلنا نتساءل أين تأثير فلاسفة اليونان الآن، الذين كان لهم لحى
كثيفة ويرتدون ملابس ثمينة، ويفتخرون كثيرًا بأنفسهم؟ إن كل بلاد
اليونان وكل بلاد البربر قد قادها الخيّام (بولس) إلى حظيرة الإيمان.
بل إن أفلاطون الذي نال شهرة واسعة وحاز ثناء الكثيرين، عندما أتى إلى
صقلية ليس لمرة أو مرتين بل لثلاث مرات، وكان الجميع متلهفين لسماع
كلماته، لم يستطع أن يؤثر في أي حاكم مستبد، بل إنه رحل عنهم وهو يجر
أذيال الخيبة والمهانة[9].
وعلى العكس نجد أن الخيّام (بولس) قام بالتبشير ليس فقط في صقلية
وإيطاليا بل وفي بلاد كثيرة. والجدير بالذكر أنه عندما كرز، لم يتوقف
عن عمله، بل إنه استمر في نشاطه كصانع للخيام. وعمله هذا لم يقف حجر
عثرة أمامه في كرازته للنبلاء، فلا الحِرَف ولا المهن المختلفة هي التي
تقلل من شأن المعلّمين، لكن الذي يجعلهم بلا قيمة هو الكذب والتعاليم
المضلة.
وبينما يلتف أهل أثينا حول هؤلاء المعلّمين الكذبة نجد
أن الرسول بولس يذهب إلى البربر والغير متعلمين والبسطاء، لأن الكرازة
هي للجميع. وهو لم ينظر إلى الرتب المختلفة، ولا لأجناس متميزة ولا
شيء من كل هذا، بل هو يحتاج فقط إلى إيمان، لا إلى الأفكار الفلسفية.
ولذلك فإن كرازته تستحق كل الإعجاب، ليس فقط لأنها أتت
بثمر وقادت إلى الخلاص، بل لأنها بسيطة وسهلة ويفهمها الجميع، هذه
الكرازة هي ثمر عناية الله الذي يغدق على الجميع بلا حدود. وهذه
العناية نجدها في خلق القمر والأرض والبحر والأشياء الأخرى، فعطايا
الله ليست هي للأغنياء فقط، بل هي للفقراء أيضًا، فالجميع يتمتعون
بخليقة الله بنفس القدر. هكذا أيضًا دبر الله الكرازة للجميع. إذ أن
الكرازة هي أكثر أهمية من هذه الأمور.
ولهذا نجد المطوب بولس يقول باستمرار " في سائر الأمم".
ثم بعد ذلك يوضح لهم، كيف أنه لم يقدم لهم أي شيء من عنده، لكنه ينفذ
وصية الرب فقط ويشكر الله من جهة جميعهم ويقول:
” إني مديون لليونانيين والبرابرة والحكماء والجهلاء ”
(14:1).
وما يكتبه هنا إلى أهل رومية قد كتبه أيضًا إلى أهل
كورنثوس. وفي كل الحالات يعترف بهذا الدين لله.
” فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية
أيضًا ” (15:1).
6ـ كم هي عظيمة خدمة القديس بولس، إذ أنه وضع على عاتقه عمل ضخم ملىء
بأخطار كثيرة، أخطار بحار، تجارب متنوعة، هجوم، ومواجهات عنيفة. وكان
من الطبيعي أن يعبر على هذه التجارب الكثيرة، ما دام قد عقد النية على
الكرازة في هذه المدينة الكبيرة التي إفتقرت إلى التقوى. هذا وقد انتهت
حياته في هذه المدينة واستشهد بقطع رأسه على يد الإمبراطور نيرون"[10].
وعلى الرغم من أنه عانى ولاقى عذابات كثيرة، إلاّ أنه لم يحاول تجنب
هذه الآلام مطلقًا. ومع كل هذه الآلام لم تخر عزيمته، ولم يتوان عن
كرازته، بل كان دائمًا مستعدًا للبشارة. ولهذا يقول: "ما هو لي مستعد
لتبشيركم أنتم الذين في رومية"[11].
” لأني لست استحي بإنجيل المسيح ” (16:1).
ماذا تقول يا بولس؟ لأنه كان ينبغي أن تقول " إني افتخر وأزهو " لكنه
قال " لست استحي" إذًا لأي سبب تكلم هكذا وما معنى ذلك؟ ومع أنه كان
يفرح لأجل الإنجيل، فقد كتب إلى أهل غلاطية قائلاً " أما من جهتي فحاشا
لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح "[12].
إذًا فلأي سبب هنا يقول " لست استحي" ولا يقول إني افتخر؟ السبب أن أهل
رومية كانوا محصورين في أمور هذا العالم الحاضر، بسبب الغنى الذي كانوا
يتمتعون به، وبسبب السلطة والانتصارات الكثيرة، هذا بالإضافة إلى أنهم
اعتبروا ملوكهم مساوين للإلهة، ولهذا أيضًا بنوا لهم هياكل ومذابح
وقدموا لهم الذبائح. ولأنهم كانوا يفتخرون بوضعهم هذا، ولأن الرسول
بولس كان ينوي أن يبشر بيسوع الذي اعتقدوا أنه ابن النجار الذي تربى في
اليهودية في منزل بسيط، بلا حراس حوله ولا تبدو عليه علامات الثراء، بل
إنه مات وأُدين مع لصوص وصبر على أمور كثيرة مهينة. من أجل هذا كله كان
من الطبيعي أن يشعروا نحوه بالخجل، طالما أنهم لم يكونوا قد عرفوا بعد
أي شيء عن الأمور السامية والتي لم تُستعلن لهم بعد. ولهذا قال " لست
أستحي" معلّمًا إياهم، خطوة خطوة، ألا يستحوا، لأنه يدرك أنه إذا تحقق
هذا، فإنهم سوف يتقدمون سريعًا وسيصلون إلى مرحلة الإفتخار.
وأنت أيضًا إن سمعت أحد يقول لك، هل تسجد للمصلوب؟ لا
تخجل ولا تنظر إلى أسفل، بل يجب أن تفتخر وتزهو وتعترف بإيمانك برأس
مرفوعة ولا تستحي. ولو قالوا لك هل تسجد للمصلوب؟ أجبهم إنني لا أسجد
لشخص زاني ولا قاتل لأبيه ولا قاتل لأبنائه، لأن هذه الأمور تصنعها
آلهتهم. لكن المسيح بصليبه أسكت الشياطين وأعوانهم وقضى على أعمالهم
المضللة. لأن الصليب بالنسبة لنا هو عمل محبة الله نحو البشر، تلك
المحبة التي لا يُعبّر عنه. فالصليب هو رمز العناية الغير محدودة بنا.
ولأن أهل رومية افتخروا بصناعة الكلام جدًا، وانتفخوا بالحكمة
العالمية، أتى الرسول بولس يبشرهم بالصليب وهو لا يخجل من ذلك.
لأن الإنجيل هو " قوة الله للخلاص " كما أنه هو قوة الله للدينونة. لأن
الله عندما عاقب المصريين قال "جيشي العظيم الذي أرسلته عليكم"[13].
وأيضًا يقول " خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما
في جهنم"[14].
ولهذا فالرسول بولس يقول لهم بأنني لم آت لأبشركم بالأمور الخاصة
بالدينونة، لكن لأبشركم بالأمور المختصة بالخلاص. ماذا إذًا؟ ألم يبشر
الإنجيل بهذه الأمور الخاصة بالدينونة؟ بلا، فالإنجيل يخبرنا أيضًا عن
الدينونة. وإن كانت هناك دينونة، فكيف يقول إذًا إن الإنجيل هو " قوة
الله للخلاص". اسمع ما يقوله فيما بعد " لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم
لليوناني". إذًا فالإنجيل ليس للجميع بشكل عام، ولكن لكل من يقبله.
لأنه لو أنك يوناني، ولو فعلت كل شر، أو أنك سكيثي، أو بربري، ولو أنك
مليء بكل جهالة، محمل بخطايا كثيرة، فعندما تقبل البشارة بالصليب
والمعمودية، فإن كل هذه الأمور سوف تختفي.
لكن لماذا قال هنا " لليهودي أولاً ثم بعد ذلك
لليوناني؟" ماذا يريد بهذا الترتيب؟ فعلى الرغم من أنه في مواضع كثيرة
قال: " لا الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة" فكيف يُميز هنا، واضعًا
اليهودي أولاً ثم بعد ذلك اليوناني؟ وماذا يعني هذا؟ الترتيب هنا هو
ترتيب شرفي فقط، فهذا لا يعني أن اليهودي حاصل على نعمة أكثر لأنه
أولاً، لأن نفس العطية أُعطيت لليهودي واليوناني. كما في حالة
المعمدين، فإن الجميع يذهبون للمعمودية، لكن ليس في الوقت نفسه، بل إن
واحدًا يذهب أولاً والآخر بعده. لكن الأول لا يأخذ نعمة أكثر من
الثاني، بل الجميع يتمتعون بنفس النعمة. إذًا فكلمة (الأول) هنا هي
كلمة شرفية وليس المقصود بها نعمة أكثر.
بعد ذلك، عندما قال " إنه قوة الله للخلاص" فإنه يعني
أن العطية تتزايد، مظهرًا أنه لا يتحدث عن الأمور الحاضرة، لكنه فقط
يشير إلى أمور الدهر الآتي. لأن هذا قد أوضحه قائلاً:
” لأن فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان. كما هو مكتوب
أما البار فبالإيمان يحيا” (17:1).
إذًا فهذا الذي صار بارًا بالإيمان، سيحيا ليس فقط في
هذا الدهر، ولكن في الدهر الآتي أيضًا. كما أنه يشير إلى شيء آخر، وهو
أن هذه الحياة هي حياة مشرقة وممجدة. لأنه من الممكن أن يُنقذ المرء
وهو غير مستحق، مثلما يُنقذ الكثيرون ولا يتعرضون لعقاب بسبب إحسان
الملك لهم، ولكي لا يتشكك أحد في هذا عندما يسمع عن الخلاص، يضيف كلمة
"البر" والبر ليس برًا ذاتيًا، لكنه بر من الله، مشيرًا إلى أن هذا
البر يمنح بإغداق.
وبكل تأكيد، فإن المرء يحصل على هذا البر لا بجهد وتعب
بل كمنحة من الله. وهذه المنحة التي يقدمها الله هي عطية الإيمان.
وعندما يتحدث عن الزناة ومضاجعي الذكور ونباش القبور، والمخادعين،
بأنهم سينجون من العقاب، وليس هذا فقط، بل أنهم سيصيرون أبرارًا وفي
أعلى درجات البر، فإن حديثه هذا يبدو صعب التصديق. ولهذا فإنه يؤكد
كلامه باستخدام شواهد من العهد القديم بقوله: " كما هو مكتوب أما البار
فبالإيمان يحيا"[15]
ونراه هنا يُحيل المستمع لتدبير الله الذي اتضح في العهد القديم، ثم
يشرحه بكل حكمة، عندما يكتب أيضًا إلى العبرانيين، موضحًا كيف أن
الأبرار والخطاة، حينذاك قد تبرروا. ولهذا أشار إلى راحاب وإبراهيم.
وهو لم يشر إلى ذلك فقط، لكنه أكد كلماته أيضًا من أقوال الأنبياء،
لأنه أشار إلى حبقوق في حديثه الذي نادى وقال " والبار بإيمانه يحيا".
إذًا لأن هذه الأمور التي يمنحها الله تتجاوز كل منطق، فإننا في احتياج
إلى إيمان.
فليسمع الهراطقة هذا الصوت الروحي. لأن طبيعة أفكارهم
تشبه طُرقات مظلمة كما أن أقوالهم معقدة، ولا يوجد فيها ما يبني، فهي
تبدأ بالتعالي والزهو لأنهم يشعرون كما لو أن قبول الإيمان يجلب الخجل،
ويعتقدون أنهم لا يعرفون شيئًا عن الأمور السمائية، وهم في ذلك يلقون
أنفسهم في سحابة من غبار الأفكار الكثيفة. أيها التعس والبائس، المستحق
البكاء عليك لو سألك أحد، كيف صارت السماء؟ وكيف جاءت الأرض؟ ولماذا
أتكلم عن السماء والأرض؟ كيف وُلدتَ أنت نفسك؟ وكيف تربيت وكبرت، ألا
تخجل لجهلك؟ وإذا جاء حديث عن الابن الوحيد الجنس، فإنه بسبب خجلك من
قبول الإيمان بالمسيح، فإنك تلقى بنفسك إلى حافة الهلاك، وهل تظن أن
عدم معرفتك بكل الأشياء هو أمر لا يستحق منك الاهتمام؟ لكن ما لا يستحق
الاهتمام هو الرغبة في المشاجرة والانشغال بموضوعات عديدة وغريبة في
وقت غير مناسب.
ولماذا أتحدث عن الأمور الإيمانية؟ لأننا لن نتخلص من شرور هذه
الحياة الحاضرة إلاّ بالإيمان. ولهذا فقد تميّز كل مَن عاش بالإيمان،
إبراهيم واسحق ويعقوب، وهكذا أُنقذت راحاب الزانية، وهؤلاء الذين وردت
أسماءهم في العهد القديم وأيضاً الذين وردت أسماؤهم في العهد الجديد.
لأنه يقول: " بالإيمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاه إذ قبلت
الجاسوسين بسلام"[16].
ولم تفكر في نفسها، كيف سيستطيع هؤلاء الأسرى والمنفيون والمهاجرون
الذين يعيشون حياة ترحال "حياة البدو"، أن ينتصروا علينا نحن الذين
نملك مدينة وأسوار وأبراج؟ لأنها لو قالت هذا، لدمرت نفسها وهؤلاء
معًا، الأمر الذي كابده أجداد هؤلاء عندما أُنقذوا آنذاك. لأن الجواسيس
ـ في القديم ـ بسبب عدم الإيمان، عندما رأوا أناس طوال القامة وعمالقة،
انهزموا بدون حرب، لأنهم قالـوا " لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم أشد
منا. فأشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل قائلين الأرض
التي مررنا فيها لنتجسسها هي أرض تأكل مكانها. وجميع الشعب الذي رأيناه
في هذه الأرض هم أناس طوال القامة فكنا في أعيننا كالجراد وهكذا كنا في
أعينهم"[17].
أرأيت كيف أن هوة عدم الإيمان هي عميقة، وكيف أن سور الإيمان هو عظيم؟
لأن عدم الإيمان أهلك آلاف، بينما الإيمان لم ينقذ راحاب فقط، بل جعلها
أيضًا حامية لكثيرين.
ولأنكم تعرفون هذه الأمور بل وأكثر منها، فلا ينبغي لنا أن نطلب من
الله مسئوليته عن هذه الأمور التي تحدث، بل يجب أن نقبل ما يأمر به، لا
أن نُحلله ونفحصه كثيرًا، حتى لو كان الأمر يبدو كأنه غير معقول
بالنسبة للفكر البشرى. لأنه هل يوجد أمر يبدو غير معقول أكثر من أن
يذبح الأب ابنه الوحيد؟ لكن إبراهيم البار عندما أُمر، لم يفحص هذا
كثيرًا، لكنه قَبِلَ وأطاع. وعندما أمر شخص آخر أن يضرب أحد الأنبياء
في وجهه، ولم يخضع، فقد عوقب بالموت[18]،
لأنه فحص هذا الأمر ورأى أن هذا المطلب هو أمر غير معقول. بينما الآخر
الذي أطاع وضربه شعر بالفرح. وعندما أنقذ شاول أناس بغير إرادة الله،
خسر مملكته وعانى من أمراض لا تُشفى[19].
وأمثلة أخرى كثيرة يستطيع المرء أن يجدها. ولذلك ـ فمع
كل ما تعلمناه ـ علينا ألاّ نطلب سبب أو دافع لتنفيذ أوامر الله، بل
علينا أن نسمع ونخضع فقط. كما أنه من الخطورة أن نحلل الأوامر التي
يأمر بها، إذ أن أولئك الذين يدققون كثيرًا في أوامر الله سيتعرضون
لعقاب أشد. وبالحري أولئك الذين يفحصون أمورًا تفوق قدرات العقل
البشري، أي كيف تم ميلاد الابن وبأي طريقة وما هو جوهره، أي دفاع
سيقدمون عن أنفسهم وقتها؟ ولأننا نعلم هذه الأمور، فلنقبل الإيمان الذي
هو تاج كل الفضائل، بكل امتنان وشكر، حتى أننا كمثل من يبحر في ميناء
هادئ، نحفظ الإيمان المستقيم، ونقود حياتنا في أمان، ونحصل على الخيرات
الأبدية بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به
المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر
الدهور آمين.
يقصد هؤلاء الذين بشروا أهل رومية
بالإنجيل.
يقصد المحبة التي يكون مصدرها الأنا
وليست مشيئة الله.
لقد زار أفلاطون (427 ـ 347 ق.م) مدينة صقلية
وطالب أهلها بإصلاحات سياسية،
لكن دون أن يحقق نجاح يذكر.
غير
معروف على وجه الدقة تاريخ استشهاد ق. بولس لكن
بحسب تقليد الكنيسة، فإن القديس بولس قد استشهد في
زمن
اضطهاد نيرون (64ـ68).
أو بحسب النص اليونانى " ومن هنا
رغبتى في أن أبشركم ".
|