|
الكرازة الأولى:
"14
وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ
بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ، 15 وَيَقُولُ:«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ
مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ»". (مرقس1: 14-15).
يبدأ يسوع كرازته من الجليل (أنظر متى 4: 12-16 حيث يستند هذا الاختيار التفضيلي
إلى نبوءة خاصة به من العهد القديم) بعد القبض على يوحنا المعمدان. تكمن الكرازة
الأولى الواردة عند الإنجيلي مرقس بشكل موجز في هذه الجملة: "
قد كمل
الزمان و اقترب ملكوت الله، فتوبوا و آمنوا بالإنجيل". هذه الكرازة هي "إنجيل ملكوت
الله". "الزمان" هو فكرة تحمل محتوى رؤيوياً خاصاً. هو اللحظة الزمنية المناسبة
التي يحدّدها الله ليعلن عن مشيئته ولأجل خلاص البشر. هو ما يسميه الرسول بولس "ملء
الزمان" (غلا4: 4)، أي زمان مجيء ملكوت الله الذي ينتظره شعب الله منذ وقت طويل.
يكرز يسوع بهذا الملكوت الآتي. الفعل "اقترب" يعني أصبح قريباً جداً. وصل وأصبح
واقعاً. من هنا الحث على التوبة الذي لا يشكل، حسب التعليم اليهودي، شرطاً من أجل
مجيء الملكوت بل دعوة مستعجلة ناتجة عن حدث مجيء ملكوته.
ملكوت الله:
عندما يتكلم يسوع عن ملكوت الله لا يقول شيئاً مجهولاً لدى سامعيه. كانت هذه
التسمية مألوفة عندهم وتشكل موضوع رجائهم. لقد جعلت الخبرة التاريخية الأليمة للشعب
الإسرائيلي، الواقع باستمرار تحت نير أجنبي وتحت سلطة أجنبية، انتظار ملكوت الله
أمراً مهماً. وكان هذا الانتظار يُرافَق برجاء إصلاح وطني سياسي للشعب تحت إمرة
مسيا سياسي يمنح، بعد تطويعه لكل الأمم، الشعب الإسرائيلي السلام المنشود. كان هذا
هو المفهوم السائد عند الشعب، بينما نجد في النصوص الرؤيوية اليهودية (وهي نصوص
منحولة من الفترة الواقعة بين العهدين القديم والجديد) صدى لمفهوم أسمى عن ملكوت له
ميزة تتجاوز المفاهيم الشعبية.
تحديد ملكوت الله:
أمام توقعات الشعب الوطنية الضيقة الغليظة، شدّد يسوع على الميزة الروحية
الاسختولوجية (الأخروية لملكوت الله: ليس ملكوت الله مملكة محدّدة بل هو حالة جديدة
تتخذها الأمور داخل العالم، حياة جديدة لا تأتي من أعمال الناس بل من تدخُّّل الله
في العالم. إن هذا التدخل بصل على أوجه في مرحلة من التاريخ الإنساني وهي عند مجيء
المسيح. في شخصه يبدأ الملكوت، اكتماله ونهايته يشكلان الحدث المرتقب والمرتبط
بمجيء المسيح الثاني. في بعض تعاليمه، يؤكد يسوع على حقيقة واقع الملكوت داخل
العالم. بينما في تعاليم أخرى وخاصة في بعض الأمثال، يعبّر عن ضرورة السهر توقّعاً
لملكوت الله الآتي فجأة في المستقبل بشكله المكتمل. لا نستطيع أن نشدّد على أحد
الجانبين الكامنين في الكرازة بالملكوت لأن كليهما موجودان في كرازة يسوع التي
وصلتنا في الأناجيل. إن المفسرين الذين يشدّدون كثيراً على الجانب الأول هم أتباع
لِما يُدعى "بالأخروية المحققة"، ويمثل هذه المجموعة المفسّر الإنكليزي (C.
H. Dodd).
هؤلاء يهملون عدداً كبيراً من الأمثال التي تتلكم عن السهر الدائم والانتظار.
بينما يؤمن مؤيّدو ما يُدعى "بالأخروية المنتظرة" (J.
Weiss، A. Schweitzer).
بأن يسوع كرز بالملكوت الآتي. هؤلاء أيضاً يخطئون لأنهم لا يميّزون بين يسوع
والكتّاب اليهود الرؤيويّين. إنهم يتكلمون عن الملكوت كحدث مرتقب فقط مهملين الفرق
الأساسي بين اليهودية والمسيحية الذي بموجبه لا يؤكِّد فقط على المستقبل المنتظر بل
وأيضاً على الحاضر الذي يتضمّن التجسّد والصليب وقيامة المسيح.
فلنؤكد مرة أخرى على الطابع الروحي للملكوت الذي يكرز به يسوع. إنه يشكل واقعاً
جديداً داخل العالم، حياة جديدة تسود فيها المحبة بدل البغض، الإيمان عوض الشك،
الرجاء بالمستقبل الآتي عوض اليأس. هو حالة جديدة لعلاقات الإنسان مع الله ومع أخيه
الإنسان (أنظر كتاب يونّيذو
B. loannidou
"ملكوت الله بحسب العهد الجديد"، أثين، 1955).
دعوة التلاميذ الأول:
"16 وَفِيمَا
هُوَ يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ
يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 17 فَقَالَ
لَهُمَا يَسُوعُ:«هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ
النَّاسِ». 18 فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ. 19 ثُمَّ اجْتَازَ
مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ،
وَهُمَا فِي السَّفِينَةِ يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. 20 فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ.
فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبْدِي فِي السَّفِينَةِ مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا
وَرَاءَهُ.". (مرقس 1: 16-20، متى 4: 18-22، لوقا 5: 1-11).
يبدأ نشاط يسوع العلني بدعوة التلاميذ الأول الذين كانوا يتعاطون الصيد في "بحر
الجليل" المدعّو في مكان آخر "بحيرة جنيسارت" أو "طبريا". يتكلّم الإنجيلي عن
اختيار التلاميذ الـ 2 في 3: 13-19. أمّا بالنسبة لدعوة كل واحد على حدة فلا يذكر
شيئاً عن ذلك سوى ما جاء في هذا المقطع حيث يتكلم عن سمعان وأندراوس ويعقوب ويوحن،
وفي 2: 13 ... حيث يتكلم عن لاوي أي متى.
يعطي هذا الحدث انطباعاً أن التلاميذ الأربعة يتقبلون الدعوة للحال، و"للوقت"
يتركون شباكهم ويتبعون يسوع. ولكننا نعتقد أنهم قد سبق وعرفوه كما يستنتج من رواية
الإنجيلي الرابع (1: 35...). لا يفتش الإنجيلي على أن يعطينا معلومات تفصيلية عن
كيفية معرفتهم ليسوع بل يسعى أن يبرز لنا نموذجاً عن كيفية تقبل أتباعه للدعوة
الإلهية. يترك التلاميذ الشباك وأباهم والمركب لكي يخدموا مثالاً أسمى ويصبحوا
"صيادي الناس". لقد عرف ذلك العصر محاولات عديدة لاجتذاب الناس إلى تعليم ما أو إلى
إحدى الجماعات الدينية الفلسفية. يُدعى الصيادون الأربعة من قبل زعيم الإيمان
الجديد لكي يصطادوا المسكونة بشباك الكنيسة التي هي خزينة النعمة والخلاص. من هنا
إنهم سيبقون دائماً إلى جانب يسوع لكي يحصلوا في النهاية، من يد القائم من بين
الأموات، على وصية نقل بشارة القيامة "إلى أقاصي الأرض".
يجب علينا أيضاً أن نؤكد أن يسوع لا يفتش عن معاونيه بين أعضاء الطبقة الكهنوتية
اليهودية أو الطبقة الدينية الحاكمة (الفريسيون والكتبة) أي ليس بين المعتَبرين
أتقياء وأبرار، بل بين ممثلي الشعب الذين ربّما لا ينتمون، حسب رأي الرؤساء
الدينيين، إلى الطبقة المختارة بل يُعتبرون خطأة وجاهلين للناموس. ونلاحظ أيض، على
عكس العادة اليهودية التي بموجبها يفتش التلاميذ عن معلّم لكي يتتلمذوا عليه
ويتعلّموا منه الناموس، أن يسوع هو الذي يبحث عن تلاميذه ويدعوهم (أنظر يوحنا15: 16
"لستم أنتم الذي اخترتموني بل أنا هو الذي اخترتكم").
الخلاصة:
من الواضح إذاً أنه في محور الرواية الإنجيلية يوجد وجه وشخصية الراعي الذي عندما
يختاره تلاميذه الأول، يكون قد اختار هو رؤساء الكنيسة العتيدة التي يجمعها بنفسه
ويؤسسها بصليبه وقيامته.
تعليمه وشفاء الرجل
الذي كان فيه روح نجس في مجمع كفرناحوم:
"21 ثُمَّ
دَخَلُوا كَفْرَنَاحُومَ، وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ الْمَجْمَعَ فِي السَّبْتِ وَصَارَ
يُعَلِّمُ. 22 فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ
لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. 23 وَكَانَ فِي مَجْمَعِهِمْ رَجُلٌ بِهِ
رُوحٌ نَجِسٌ، فَصَرَخَ 24 قَائِلاً: «آهِ! مَا لَنَا وَلَكَيَا يَسُوعُ
النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا! أَنَا أَعْرِفُكَمَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ
اللهِ!» 25 فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «اخْرَسْ! وَاخْرُجْ مِنْهُ!» 26
فَصَرَعَهُ الرُّوحُ النَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ. 27
فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ، حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ:«مَا هذَا؟
مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ؟ لأَنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى
الأَرْوَاحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ!» 28 فَخَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ
الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيلِ.". (مر1: 21-28، متى7: 28، لوقا4: 31-37).
بعد دعوة التلاميذ الأول ينقل الإنجيلي في روايته الانطباع الذي تركه يسوع أمام
الشعب من تعليمه "كمن له سلطان"، ومن شفاء الرجل الذي فيه روح نجس. يقع الحدثان في
يوم السبت في مجمع كفرناحوم. الكلمة هذه تعني "بيت التعزية"، والمدينة كائنة على
بعد 6 كم من مصب نهر الأردن في بحيرة جنيسارت، وهي تشكل حسب روايات الأناجيل مركز
نشاط يسوع أو بالأحرى نقطة انطلاق عمله وعمل تلاميذه.
يتكلم يسوع في المجمع "وكان يمكن لكل عضو من الجماعة أن يطلب الكلام حالاً بعد
تلاوة الناموس والأنبياء" لكي يعطي التفسير الخريستولوجي أي التفسير الذي يعتمد على
الاستشهاد بمقاطع من العهد القديم تختص بشخص يسوع المسيح وعمله. بهذه الطريقة فهمت
الكنيسة العهد القديم. ويستطيع الواحد أن يتأكد من ذلك عند دراسة المؤلفات الآبائية
ومن خلال ترانيمنا الكنسية الغنية. كان تفسير يسوع صائب، يفرض نفسه بنفسه، ولذلك
أعطى الانطباع لدى الشعب أنه يختلف كثيراً عن تفسير المعلمين اليهود. هؤلاء
يستشهدون بآراء معروفة قديمة لكي يدعموا أقوالهم بينما يعلّم يسوع "كمن له سلطان
وليس كالكتبة". حسبنا أن نتذكر العبارة "أما أنا فأقول لكم" في الموعظة على الجبل
لكي نفهم طريقة تعليم يسوع الفعّالة ولكي نفهم أيضاً تعجب الشعب أمام "تعليمه
الجديد".
يتكلم يسوع "بسلطان". ليس مجرد معلّم بسيط بل هو المسيّ، هو ابن الله الذي يكشف
ملكوت الله. لا يعتلن الملكوت فقط من خلال الأقوال العجائبية بل أيضاً من خلال
الأعمال التي تستدعي إعجاب الشعب. إن مثل هذا العمل يرويه الإنجيلي باختصار من خلال
شفاء إنسان كان فيه "روح نجس". فالشيطان يدخل في الناس ويتسلط عليهم عن طريق
الأمراض. ورسالة ابن الله هي في "حلّ أعمال الشيطان"، في تحرير الناس من سيادته. إن
الشيطان الموجود في المريض يعترف بالبعد الشاسع الذي يفصله عن يسوع "ما لنا ولك"،
كما يعترف بقوته "أتيت لتهلكنا" وبشخصيته المسيانية "أنا أعرف من أنت، قدوس الله".
إن العبارة "قدوس الله" هي صفة مميزة للمسيّا حسب ما جاء في يوحنا 6: 69 عند اعتراف
بطرس "أنت هو قدوس الله". يتكلم الشيطان تارة بصيغة المفرد "أعرفك" وتارة أخرى
بصيغة الجمع "أتيت لتهلكنا"، الأمر الذي يُفسَّر من خلال ازدواجية شخصيته أو من
خلال انفصام الشخصية الحاصل بسببه عند المرض.
يطرد يسوع الشيطان بأمرٍ قاطع "اخرس واخرج منه" ويحرر المريض من سيادته. يهمل بعد
ذلك الشخص الذي شُفيَ لأن الرواية لا تتلكم عنه ولا تذكر حتى اسمه كما يحصل في
العجائب الأخرى. فالوجه الرئيسي في الرواية هو وجه المسيّا الذي له سلطان، الذي
يطوّع الشيطان ويحرر الناس من أمراضهم التي ما هي أعراض لخضوعهم لرئيس هذا الدهر.
يريد الإنجيلي أن يبرز سلطة المسيّا وصدى تعليمه وأعماله لدى الشعب فقد انتشر كل
ذلك ليس في كفرناحوم فقط بل في "كل الكورة المحيطة بالجليل".
الخلاصة:
يربط الإنجيلي بين "التعليم الجديد كمن له سلطان" والعجيبة كما يلي: يكرز يسوع بأن
ملكوت الله قد أتى ويعطي العلامات الظاهرة لمجيء الملكوت عن طريق العجائب المصنوعة.
وبسبب كثرة العجائب التي سوف ترد في الإنجيل لا بد لنا هاهنا أن نتكلم عن المعنى
اللاهوتي للعجائب.
عجائب المسيح:
يروي الإنجيليون أربعين عجيبة محددة ليسوع ويذكرون إلى جانبها عجائب كثيرة وبالجملة
كما في متى 4: 24 و8: 16، 41: 35، مرقس1: 32 وغيرها
(2)،
حتى صدقت ملاحظة لوقا بأنه طيلة حياته "جال يصنع خيراً ويشفي المتسلط عليهم إبليس
لأن الله كان معه" (أعمال10: 38). ومن عجائبه الكثيرة ينتقي الإنجيليون بعض الحوادث
المميزة لكي يقولوا لنا من هو يسوع المسيح، ما معنى شخصه وعمله بالنسبة إلى الناس.
يستعملون للعجائب التعابير التالية: معجزات، آيات، قوات، غرائب، أعمال إلخ.
ولا يتوانى الإنجيليون
عن الإشارة إلى مقاومات الناس لأعمال المسيح العجائبية: الشعب يمجد الله لأنه يستمد
من هذه الأعمال حضوره وقوته، بينما لا يستطيع الفريسيون طبعاً أن ينكروا حقيقة
أعماله لكنهم ينسبونها إلى تعاون المسيح مع "رئيس الشياطين". وقد حاول بعض
العقلانيين Rationalistes
في العصور الحديثة "القرون 18 و19" أن يعطوا تفسيراً عقلانياً طبيعياً للعجائب
نازعين عنها الطابع الإلهي الفائق الطبيعة. لا يهمنا هنا أن نقف ضدهم بل يهمنا
تفسير النصوص الشريفة التي أمامنا. لنفتش إذاً عن المعنى اللاهوتي لعجائب المسيح
التي يرويها الإنجيليون.
1) العجائب بصورة خاصة هي علامات مسيانية فارقة أي أنها دلائل على مسيانية يسوع هذا
الذي يصنع مثل هذه الأعمال الغريبة والعجيبة لا يعتبر مجرد واحد من الرجال الخارقين
صانعي العجائب، إنه المسيّا المرسل من الله الذي كانوا ينتظرونه لكي يعطي النور
للعميان حسب نبوءة أشعيا 61: 1...، والحرية للمأسورين من الشيطان، والصحة للمرضى.
يسوع نفسه في مواقف مختلفة، كما في الكرازة الأولى في الناصرة(أنظر لوقا 4: 16...)
(3)،
وفي مناقشته مع التلاميذ المرسلين من يوحنا (متى 11: 2-6)، وغيره، يعتبر نبوءات
العهد القديم محقّقة بأعماله. ليست العجائب إذاً مجرّد مواقف عاطفية أمام المتألمين
ومظاهر مشاعرية لخدمة البشر بل "علامات" أو "آيات" (حسب التعبير الشائع عند يوحنا
الإنجيلي)، علامات زمن جديد، علامات ملكوت الله، دلائل على شخصية وسلطة يسوع
المسيانية.
2) مما سبق نستنتج أن العجائب تدشّن زمناً جديداً في الإنسانية، مع العلم أن هذا
الزمن الجديد لم يَسُد بعد بصورة كاملة محددة. العجائب إذاً هي علامات لمثل هذا
الواقع الجديد. تشير إلى ملكوت الله، تشير من خلال الظروف الواردة إلى الحالة
الأخيرة التي لملكوت الله. كان الشيطان من قبل متسلطاً على الناس مع كل ما ينتج عن
هذا التسلّط من مرض، من فساد، من ألم ومن موت. في ملكوت الله هذا الذي يُعلن عنه
المسيّا يحققه: يتراجع المرض، الألم، الفساد وأخيراً الموت. هذه هي الحالة النهائية
(عودة إلى "الجمال القديم" للفردوس وحتى تجازوه)، وعجائب المسيّا هي التي تسمح لنا
أن نتطلع إلى هذه الحالة الأخيرة.
3) تُصنع العجائب من قبل المسيّا بسلطان، إما بأمر بسيط (من قريب أو بعيد) أو
بواسطة عمل ما (مسح العينين بالطين، وضع اليد على الرأس ...). في كل الحالات هذه
يتذكر الواحد عمل الله عند الخلق كما هو مكتوب في سفر التكوين الفصل الأول: كما أن
الله بمجرّد كلمته خلق كل شيء وجبل الإنسان من التراب، هكذا فإن ابن الله، المسيّ،
يعيد خلق الإنسان المفقود والمفسود والمشوّه من الخطيئة، يعيد خليقته بواسطة الكلمة
المحيية أو بواسطة عمل ما كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.
من هنا إن العجائب لم تحصل أبداً بطريقة مسرحية لإعطاء مجرد الانطباع العجيب، بل
بالعكس كثيراً ما كان المسيح يبتعد عن الجمع قبل أن يصنع العجيبة أو أنه يطلب
المحافظة على السرّية من قبل الذين شفاهم إلخ... والمسيح لا يبغي من خلال عجائبه أن
يشتهر بل أن يحث على التوبة بالنظر على ملكوت الله. يدعو الناس ويدفعهم إلى التوبة
لأنه "قد اقترب ملكوت الله".
4) من المميز أن المسيح قبل أن يصنع العجيبة كان يسأل عن إيمان المريض الذي هو
أمامه أو عن إيمان الذين يرافقونه، أو في حالات أخرى يُقال للمريض أو للمريضة
"إيمانك خلّصك"، معتبراً هكذا الإيمان كشرط للعجيبة، بعكس الفريسيين المعاصرين له
الذين كانوا يطلبون العجائب لكي يؤمنوا.
شفاء حماة سمعان وعجائب
أخرى:
"29
وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ
وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، 30 وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ
مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ عَنْهَا. 31 فَتَقَدَّمَ
وَأَقَامَهَا مَاسِكًا بِيَدِهَا، فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حَالاً وَصَارَتْ
تَخْدِمُهُمْ. 32 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَدَّمُوا
إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ. 33 وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ
كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. 34 فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى
بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَلَمْ يَدَعِ
الشَّيَاطِينَ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ.". (مرقس 1: 29-34،
متى8: 14-17، لوقا 4: 38-41).
إن الحدث الوارد هنا يشكل تتمة للرواية السابقة. بعد انتهائه من المجمع ذهب مع
تلاميذه الأربعة إلى بيت أحدهم والأرجح للطعام. ويظهر أن يسوع كثيراً ما كانت ينتهي
إلى بيت عائلة سمعان. من الطبيعي أن نفترض أن كلّما تكلّم الإنجيليون عن "البيت"
دون تحديد فإنهم كانوا يقصدون بيت سمعان. كان هذا الأخير متزوجاً (أنظر1كور 9: 5)،
يسكن في بيت امرأته العائلي الأبوي حسب العادة في فلسطين. سمع عن مرض حماة تلميذه
فشفاها للحال "ماسكاً بيدها" (الآية 31). لا يذكر نوع المرض ("قد أخذتها حمى شديدة"
حسب لوقا)، والذي يهمّ الإنجيلي هو قوّة المسيّا الذي يشفي الذين يتسلّط عليهم
الشيطان أكانوا رجالاً أن نساءً. يعتبر الربّانيون اليهود أنه من غير اللائق بهم أن
يتكلموا مع النساء لكن يسوع لا يميّز بين الرجال والنساء. يناقشهنّ، يشفيهن، يأكل
معهنّ، يَقبلهن تائبات، يظهر لهنّ بعد قيامته. كل الناس من خليقة الله وقد أتى ابن
الله لكي يخلّص الجميع. من هذا المنطلق يأتي تعليم بولس عن المساواة (الخلاصية لا
الاجتماعية) بين الرجال والنساء (أنظر غلاطية 3: 28 وغيرها) "ليس ذكر وأنثى لأنكم
جميعاً واحداٌ في المسيح يسوع". ولذلك برز نشاط النساء "كشماسات" خادمات للكنيسة.
عند المساء بعد غياب الشمس (لأنه كان نهار السبت ولم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك من
قبل)، "قَدَموا إليه جميع السقماء والمجانين" إلى باب البيت. ويلاحظ الإنجيلي
بطريقة مميزة "إن المدينة كانت كلها مجتمعة على الباب" (الآية 33). أن يكون يسوع قد
شفى الكثيرين، هذا لا يعني أن البعض بقيَ بدون شفاء. الكلمة "كثيرون" لا تأخذ هنا
صفة التحديد بل صفة التعجب. تعني هنا أيضاً "الجميع". من هنا نرى في كثير من
الأحيان أن الأناجيل الإزائية تستعمل بدل "كثيرين" كلمة "الجميع". وبالفعل فإن متى
يقول في روايته إنه "شفى الجميع" (8: 16).
ما نقرأه في الآية الأخيرة له طابع مميز: "ولم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه"
(أي عرفوا أنه المسيح). يمكن للشياطين أن تعترف به أنه المسيح "أي المسيّا" لكن
إعلان مثل هذه الصفة المسيانية هو عمل يختص به وبالله الآب، عمل يتم بطريقة تربوية
في الزمن وبالطريقة المناسبة. لذلك يَمنع يسوع الشياطين من تسميته بالمسيّا.
الخروج إلى مكانٍ قفر:
"35
وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ،
وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ، 36 فَتَبِعَهُ سِمْعَانُ وَالَّذِينَ مَعَهُ. 37
وَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالُوا لَهُ: «إِنَّ الْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ». 38 فَقَالَ
لَهُمْ: «لِنَذْهَبْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضًا،
لأَنِّي لِهذَا خَرَجْتُ». 39 فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ
الْجَلِيلِ وَيُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ." (مرقس 1: 35-39، لوقا 4: 42-44).
تنتهي الرواية السابقة بذكر عجائب يسوع الشفائية عند "المساء" بعد غروب الشمس.
ويبدو للقارئ هنا أن الإنجيلي يعرض هنا نشاط يسوع الكامل خلال يوم واحد: شفاء الذي
به روح نجس يوم السبت في المجمع، شفاء حماة سمعان والأشفية في المساء، كلها مرتبطة
بصورة وثيقة يمكن أن تشكل نشاط يسوع خلال نهار واحد. أما بالنسبة لحادثة دعوة
التلاميذ الأول فلا نستطيع أن نقول عنها كذلك لأن الحادثة لم تقع يوم السبت (إذ من
غير المفترض بهم أن يعملوا في يوم عطلة). كثيراً ما يربط الإنجيلي بصورة غير وثيقة
الحوادث الواردة بواسطة الكلمات "و" "للوقت" وغيرها. لا يهمه إعطائنا برنامجاً
يومياً لنشاط يسوع لكنه ينتقي من تقليد الكنيسة الغني بعض التعاليم وبعض العجائب
رابطاً إياها ليس بالضرورة زمنياً أو مكانياً بل بالأحرى لاهوتياً. كل ذلك بغية أن
يعرّفنا على يسوع، على معنى شخصيته وعمله من أجل الكنيسة.
إن الرواية الحاضرة تحصل على كل حال في الصباح التالي، "وفي الصباح الباكر جداً"
يترك يسوع البيت. يلتجئ إلى مكان قفر ليصلي. ربما افترض أن نشاطه خلال النهار
السابق قد قاد الشعب إلى فكرة اعتباره المسيّا المنتظر السياسي الوطني، فأراد أن
يهرب من سوء الفهم هذا لرسالته. وقد حاول بطريقة تربوية تدريجية أن يُظهر صفته
كمسيّا روحي، ولذا تجنب مظاهر الشعب الباهرة. ربما كان يحسب سكان كفرناحوم راغبين
في وجود مثل هذا الرجل الصانع العجائب دائماً معهم. ولذلك قال لسمعان وللذين جاؤوا
يطلبونه: عندي رسالة يجب أن أوصلها إلى قرى أخرى وهي الكرازة بملكوت الله. ويلاحظ
الإنجيلي في الآية الأخيرة (39) أنه كان يكرز في مجامع الجليل كلها وكان يحرر الناس
من الشياطين المتسلطة عليهم. لم يكن كارزاً وصانعاً للعجائب في مدينة واحدة بل لشعب
الله كلّه. وبأعمال أخرى سوف يبرهن أنه المخلص لا لشعب واحد بل لكل الناس.
شفاء الأبرص:
"40 فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلاً لَهُ:
«إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي» 41 فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ
وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ:«أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». 42 فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ
يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَطَهَرَ. 43 فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ
لِلْوَقْتِ، 44 وَقَالَ لَهُ:«انْظُرْ، لاَ تَقُلْ لأَحَدٍ شَيْئًا، بَلِ اذْهَبْ
أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى،
شَهَادَةً لَهُمْ». 45 وَأَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وَابْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيرًا
وَيُذِيعُ الْخَبَرَ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً
ظَاهِرًا، بَلْ كَانَ خَارِجًا فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ، وَكَانُوا يَأْتُونَ
إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ." (مرقس 1: 41-45، متى 8: 1-4، لوقا 5: 12-16).
تتكلم حادثة شفاء الأبرص هنا أيضاً عن خبر انتشار شهرة يسوع في صنع العجائب. إن
تظاهرات الشعب الكبيرة جعلته يتحاشى الدخول إلى المدينة علناً بل كان يمكث في أماكن
مقفرة، ومع ذلك كانوا يأتون إليه "من كل ناحية". والأرجح هنا أن غاية الإنجيلي ليست
في رواية شفاء أحد المرضى بل في إبراز صدى مثل هذا الشفاء عند الشعب.
لا يحدد الإنجيلي أين حصل شفاء الأبرص ولكن حسب رواية متى المشابهة يقع الحدث بعد
نزول يسوع من الجبل حيث تمت الموعظة، وحسب رواية لوقا: "وكان في إحدى المدن". وعدا
ذلك يتكلم لوقا عن شفاء عشرة برص (لوقا 17: 12-19).
يوصف البرص في الفصول 13 و14 من سفر اللاويين ويميز في الربّانيون شكلين: البسيط
والصعب. فقد كان وضع الأبرص في مجتمع ذلك العصر مأساوي، لأنه كان يحرّم عليه أن
يتصل ببقية الناس. وكان يعتبر مرضه عقاباً من الله بسبب خطاياه، وساد الاعتقاد أن
شفاء الأبرص صعب جداً كعملية إقامة الميت. ولكن خلافاً لموقف الجميع وخاصةً
الربّانيين الذين كانوا يهربون من البرص "مدّ يسوع يده ولمسه" (آية 41) ومن الملاحظ
استعمال الإنجيلي لكلمة "فتحنن"
(4).
إن يسوع أمام خليقة الله "الحسنة جداً" والمتسلط عليها الشيطان يشعر بالشفقة ولا
تأتي عجيبته نتيجة له. إنه كمسيا يحرر الناس مما فعل الشيطان بهم من سوء ويمنحهم
صحتي النفس والجسد.
وللحال بعد الأمر القاطع "أريد فاطهر" تحرر المريض من البرص و"طهر". ويوصي يسوع
الذي شفاه بأن يري نفسه للكاهن حتى يأخذ منه الأذن للانضمام من جديد إلى الجماعة
بعد أن يقدم حسب شريعة اللاويين (13: 49، 14: 2-32) ذبيحة التطهير. وكذلك يوصيه
بألا يقول شيئاً عن الحدث. لكن هذا الأخير لم يستطع أن يحفظ الوصية "فأخذ ينادي
كثيراً ويذيع الخبر".
ويبدو من العجيبة الحاضرة ومن غيرها كثيراً أن يسوع يمنع الذين شفاهم وبلهجة قاسية
من أن يتكلموا عنه أو عن الحادثة. في بداية هذا القرن كتب المفسر
Wrede
كتاباً شهيراً: "سرّية المسيّا في الأناجيل"، يؤكد فيه أن مثل هذا الموقف ليسوع،
خاصة عند مرقس، يعود إلى أن يسوع لم يكن يعي مسيانتيه، وإن الجماعة المسيحية الأولى
أخذت تؤمن لاحقاً بمسيانية المسيح. وفي إنجيل مرقس حسب رأيه، هناك صِدَام بين ضمير
يسوع وإيمان الجماعة الأولى به.
لكن وجهة النظر الصحيحة هي أن "سرّية المسيّا" قائمة في الواقع في الأناجيل، لكن
هذا الموقف يعود إلى خطة يسوع التربوية أمام اليهود المعاصرين له: يهرب من اعتباره
كمسيّا عالمي سياسي ينتظره اليهود ويعتقدون أنهم رأوه في شخصه. يبتعد عن تظاهرات
الشعب الحماسية (أنظر يوحنا 6: 14-15) لأنه ليس ذلك المسيّا بحسب معتقدهم. إن صليبه
وقيامته سوف يظهران من هو المسيّا. من هنا ما يُدعى بسرّية المسيا ما هو إلا موقف
تربوي يتخذه يسوع أمام اليهود معاصريه وليس ابتكار الكنيسة الأولى.
(1) في العهد القديم كان ينزل الروح القدس ويُمنح للآباء والأنبياء بصورة
مؤقتة prosorinos،
بينما يأتي الروح القدس ويُمنح للناس في العهد الجديد بصورة دائمة
monimos.
(2) مثلاً متى 4: 24 (فأحضروا إليه جميع السقماء بأمراض وأوجاع مختلفة
والمجانيين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم).
(3) "روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري
القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين إلى الحرية...".
(4) المخطوطة D
تستعمل بدلاً منها كلمة "فغضب". |