والرواية الأخيرة تنتمي
إلى القسم الثالث.
دعوة العشّار
لاوي وجلوس يسوع للطعام مع العشارين والخطأة:
"13
ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْبَحْرِ. وَأَتَى إِلَيْهِ كُلُّ الْجَمْعِ
فَعَلَّمَهُمْ. 14 وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا
عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ. 15
وَفِيمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِهِ كَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْعَشَّارِينَ
وَالْخُطَاةِ يَتَّكِئُونَ مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا
كَثِيرِينَ وَتَبِعُوهُ. 16 وَأَمَّا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا
رَأَوْهُ يَأْكُلُ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ، قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ:«مَا
بَالُهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟» 17 فَلَمَّا
سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ:«لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ
الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ»." (مرقس2: 13-17، متى9: 9-13، لوقا5:
27-32).
يتحدث هذا
المقطع عن دعوة العشار لاوي إلى العمل الرسولي. لا يبغي الإنجيلي هن، من خلال دعوة
تلميذ خامس، أن يستمر على نفس الأسلوب الذي استخدمه في روايته 1: 16-20 عن دعوة
التلاميذ الأربعة الأول. فهو لا يذكر شيئاً عن طريقة دعوة التلاميذ الباقين. إنما
يريد فقط أن يعطينا مثالاً عن طاعة أحد العشارين لدعوة يسوع.
في إحدى
المخطوطات يُدعى العشار المذكور يعقوب (ربما لعلم أنه كان ابن حلفى، أنظر3: 18).
أما عند متى 9: 9 فيدعى متى. وفي بعض الأحيان تميّز الكنيسة في التقليد الليتورجي
بين متى ولاوي ولكن، في الحقيقة، الشخص نفسه يحمل اسمين. الكلمة متى تعني هبة الله.
ولا نعرف شيئاً آخر من الأناجيل عن هذا التلميذ. يذكر بعض الكتّاب الكنسيين نشاط
متى الرسولي في الحبشة.
تم لقاء يسوع
مع لاوي في مكان الجباية في كفرناحوم. وجد المكان في تلك المدينة لأنه كان بين
مقاطعتي هيرودس انتباس وفيلبس. ما يميّز دعوة التلميذ هو أنه يأتي من طبقة
العشّارين المكروهة. سمعتهم سيئة لأنهم كانوا ظالمين، سارقين ومتقلبين إلى حدّ أن
الكلمتين "خاطئ" و "عشار" أصبحتا في النهاية مترادفتين. لقد كان
المؤمنون بشكل خاص يتجنبونهم، ومنهم الفريسيين، وكانوا يعتقدون أن غضب الله سوف
يحلّ عليهم، فلم يكن باستطاعتهم أن يفهموا كيف يمكن أن تظهر محبة الله. يبرهن يسوع،
بتصرفه هذا تجاههم، وبتقبل الشركة معهم التي من أجلها وصف بأنه "أكول وشريب خمر محب
للعشارين والخطأة" (متى11: 19)، أن محبة الله تتوجه إلى الجميع وخاصة إلى
هؤلاء الذين في حاجة أمسّ إليها. استعمل مثلاً شائعاً في ذلك الزمن "لا يحتاج
الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (الآية 178) ليبرّر مثل هذا الموقف كطبيب يتوجّه إلى
"المرضى" لا إلى "الأصحاء"، لأن الفريسيين كانوا يعتبرون أنفسهم مقتدرين أصحاء، لكن
في الواقع لا يختلفون عن العشارين لأنهم لا يقبلون بدعوة يسوع إلى التوبة. يواجه
يسوع هذا المقياس لتمييز البشر بين صالحين وخطأة تبعاً لقبولهم أو إنكارهم للدعوة
الإلهية. من يتقبّل كرازة يسوع للتوبة، مهما كانت الفئة التي ينتمي إليه، يصبح
ابناً للملكوت. أنا من يصرّ على إنكاره فهو ينغلق على نفسه خارج الخلاص الممنوح دون
أن يعطّل مسيرة عمل الله الخلاصي الذي تمّ في المسيح.
في هذه الحادثة
يمكننا أن نتحقق من مفهوم القداسة في المسيحية بالقياس إلى مفهوم الفريسيين لها.
الفريسي يتجنب الاختلاط مع الخطأة حتى لا يتدنّس، فهو ينغلق على نفسه ولا يمكنه
هكذا أن يتمم وصية المحبة. هو إذاًً مراءٍ لأنه يعتبر نفسه قديساً بينما في الواقع
تنقصه المحبة وليس بقديس. حسب إعلان يسوع، القداسة تكمن في معاشرة الخطأة بهدف
تحوّلهم وتوبتهم وخلاصهم. لا تخشى القداسة الشرّ بل تسعى إلى تحويله وتغيير شكله.
السؤال عن الصوم:
"18
وَكَانَ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا وَالْفَرِّيسِيِّينَ يَصُومُونَ، فَجَاءُوا وَقَالُوا
لَهُ:«لِمَاذَا يَصُومُ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَأَمَّا
تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟» 19 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«هَلْ يَسْتَطِيعُ
بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَالْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ مَا دَامَ الْعَرِيسُ
مَعَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصُومُوا. 20 وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ
يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. 21
لَيْسَ أَحَدٌ يَخِيطُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيق،
وَإِلاَّ فَالْمِلْءُ الْجَدِيدُ يَأْخُذُ مِنَ الْعَتِيقِ فَيَصِيرُ الْخَرْقُ
أَرْدَأَ. 22 وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق عَتِيقَةٍ،
لِئَلاَّ تَشُقَّ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ الزِّقَاقَ، فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ
وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاق جَدِيدَةٍ»." (مرقس2: 18-22، متى9: 14-17، لوقا5: 33-39).
يُسأل يسوع (ولا
يقال من هو السائل) لماذا لا يصوم تلاميذه كما يفعل تلاميذ يوحنا والفريسيين
(الآية18). فيجيبهم مفسراً: أنهم لا يصومون لأن "العريس"
(1)
معهم. أي أنه يربط الصوم بغياب العريس. إن "بني العرس" المدعوّين إليه لا يمكن أن
يصوموا. سيأتي أوان "يخطف" عنهم العريس حينئذ يصومون "في تلك الأيام" (الآيتان
19-20). للصوم إذاً طابع حزن، والصوم تعبير عن توبة الإنسان أمام الله، لذلك لا
ينسجم مع الطابع الاحتفالي لحضور المسيّا على الأرض. إن وصف المسيّا بالعريس غير
معروف في اليهودية، بينما يُستعمل هكذا في العهد الجديد (أنظر مثل العذارى العشر،
ورؤيا يوحنا وغيرها). يمكننا أولاً أن نذكر في العهد القديم وصف الأنبياء لعلاقة
الزواج بين الله والشعب الإسرائيلي (أنظر هوشع 1-3، حزقيال16: 7... و 23:" 4، أشعيا
50: 1، 54: 4 ...)، وكذلك نظرة الربانيين إلى زمن الشريعة في سيناء كزمن عربون وإلى
زمن المسيّا كزمن زواج.
بعبارته "فحينئذ يصومون
في تلك الأيام"، يعتقد بعض المفسرين أن يسوع يشير على يوم الصلب، ويرى كثيرون من
آباء الكنيسة في هذه الجملة مصدراً لنظام الصوم نهار الجمعة أو في اليوم الذي صُلب
فيه يسوع. في الواقع تُذكّر أيام الصوم المحددة من قبل الكنيسة بآلام المسيح.
طبعاً في اليهودية كان
الصوم تعبيراً عن الحزن والانسحاق. فإلى جانب أيام الصوم المحدّدة لكل الشعب، مثلاً
يوم التكفير وأيام الحزن أو فترات الصعوبة الطارئة (الجفاف، هجوم الجراد، خطر آخر)،
كانت هناك أيضاً أصوام خصوصية يفرضها الواحد على نفسه لفترة ما حتى يستجيب الله
لطلبه أو لأسباب أخرى. ونعلم أن في أوساط الفريسيين يصومون مرتين في الأسبوع.
في المسيحية وُضع نظام
الصوم على أسس جديدة. ليس هو مجرد "رقعة" جديدة موضوعة على ثوب عتيق، ولا خمرة
جديدة مسكوبة في زقاق قديمة، بل هو يفترض تحوّل الإنسان بكامله، هذا التحول الذي
يتم بالصليب وبقيامة المسيح. هذا هو معنى الآيات اللاحقة 21-22: فيما تشكّل
اليهودية تعبيراً عما هو قديم فإن المسيحية تحمل الجديد. لا يمكن للجديد أن يقترن
بالقديم "كرقعة" تخاط على ثوب عتيق أو كخمر جديدة توضع في زقاق قديمة، بل تفترض
وجود زقاق جديدة وقوية. إن تعليم يسوع الذي هو "تعليم جديد كمن له سلطان" هو مختلف
بالكلّية عن التعليم اليهودي القديم وعن المظاهر اليهودية القديمة. إنه جديد ويتطلب
أشكالاً تعبيرية جديدة. ولقد ساد الصوم في الكنيسة المسيحية استناداً إلى مبدأ جديد
كلي، إلى تفسير جديد: الصوم يذكر بآلام المسيح. إن الوضع الجديد الذي دخل العالم
بواسطة يسوع لا يرتبط بالمفاهيم الدينية القديمة، لا يقبل مثلاً بتمييز الناس إلى
خطأة وصدّيقيين استناداً إلى حفظ الناموس، لا يقبل بالأشكال الدينية العتيقة، لا
يعترف ببطالة السبت بالمعنى السائد عند اليهود كما يظهر من المقطع التالي:
المعنى الحقيقي للسبت:
"23
وَاجْتَازَ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَابْتَدَأَ تَلاَمِيذُهُ يَقْطِفُونَ
السَّنَابِلَ وَهُمْ سَائِرُونَ. 24 فَقَالَ لَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ:«انْظُرْ!
لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟» 25 فَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا
قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ
مَعَهُ؟ 26 كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ فِي أَيَّامِ أَبِيَأَثَارَ رَئِيسِ
الْكَهَنَةِ، وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلاَّ
لِلْكَهَنَةِ، وَأَعْطَى الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَيْضًا». 27 ثُمَّ قَالَ
لَهُمُ:«السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ
السَّبْتِ. 28 إِذًا ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا»." (مرقس 2: 23-28، متى 12: 1-8، لوقا 6: 1-5).
تظهر حرية
التعليم الجديد بالنسبة إلى التعليم القديم من خلال موقف يسوع من قضية السبت. فيما
يلي حادثتان :
أولاً: سير يسوع مع تلاميذه بين الزروع (مرقس2: 23-28).
ثانياً: شفاء
الذي كانت يده مشلولة (مرقس3: 1-6).
أولاً: اجتاز
يسوع مع تلاميذه حقلاً في يوم سبت. فأخذ هؤلاء يقطفون سنابل (لأنهم كانوا جائعين
كما يشرح متى). اعتبر الفريسيّون هذا العمل إلغاء لعطلة السبت. إن هذا العمل
(المسموح به حسب تثنية 23: 26) يُعتبر من بين الممارسات الممنوعة يوم السبت. يعرف
الفرّيسيون ذلك، ولذلك يدفعون يسوع إلى المناقشة حول الموضوع. هل اعترض الفريسيون
أيضاً على مخالفة المسافة المسموح باجتيازها نهار السبت؟ هذا لم يُذكر في النص.
يجيب يسوع عن
انتقادات الفريسيين بأسئلة ("أما قرأتم قط ما فعله داوود"...) مستشهداً بالحادثة
الواردة في سفر الملوك الأول 21: 1-7 حين وُجد داود في حاجة مع الذين معه فطلب من
رئيس الكهنة أبيملك (وهو والد ابيتار المذكور عند مرقس فقط) أرغفة التقدمة المقدسة،
التي هي 12 حسب وصية اللاويين 24: 5-9، تُحفظ لمدة أسبوع في مسكن الشهادة ويأكلها
الكهنة. وحسب تقليد الربّانيين تحصل هذه العملية نهار السبت. فيأتي يسوع لينسب إلى
نفسه وإلى تلاميذه هذه الحرية التي سمح بها داود، ويبرّر هذه الحرية قائلاً بحسب
إنجيل متى: إن ههنا أعظم من الهيكل". إن كان الكهنة يأكلون خبز التقدمة وهم
"أبرياء"، فكم بالأحرى المسيّ، وهو "بريء"، هو بحسب النظرة اليهودية الأخروية ربّ
الهيكل؟!
تنتهي المناقشة
بجملتين تشكلان محور الحادثة كلّها: الجملة الأولى: "السبت إنما جُعل لأجل الإنسان
لا الإنسان لأجل السبت"، يذكرها مرقس وحده. أما الجملة الثانية "ابن الإنسان هو ربّ
السبت أيضاً" فهي مذكورة أيضاً في الإنجيلين الإزائيين الآخرين. تشدّد هذه الجملة
على سيادة المسيّا على السبت وبالتالي سيادة كل من تبعه.
(1) باليوناني nymphios
العريس أو الخَتَنْ .....