|
في صيف سنة 1950 دعيت
مع رهط كبير من طلاب اللاهوت إلى معهد الدراسات المسكونية لتلقي عدد من الدروس طيلة
عشرين يوماً.
وكان لقاؤنا في (بوسي)
من أعمال سويسرا. وكنا نقضي النهار بكامله وجزءاً من الليل في القراءة والنقاش.
وكانت الآنسة سوزان دي ديتريخ من الأساتذة الذين لفتوني إليهم جداً. فهي على تقدمها
في السن كانت منفتحة الصدر لتساؤلات الطلبة المراهقين حول أعمق ما يثير الإنجيل من
قضايا. وكان فهمها للكتاب المقدس من النوع الذي شعرت أننا في شديد الحاجة إليه إذ
إنها تتمسك بنص الكتاب ولكن ضمن روحه العام. لم أسمعها مرة تجتزئ من الكتاب أجزاء
لتستخدمها لأغراضها الجدلية أو العقائدية. ولفتتني سوزان كذلك بخضوعها الداخلي
كلياً لمضمون الكتاب الإلهي ونفاذ بصيرتها إلى المقاصد الإلهية من خلال تشعبات
التاريخ ومضاعفاته كما يعكسها العهدان القديم والجديد. ولكنها أثرت فيّ بصورة خاصة
لما رأيتها دائمة البسمة تتوكأ على عكازيها اللذين يدعمان رجليها المشلولتين في
سيرها, وصليبها المعدني الكبير غير البراق يتقدمها بمقدار تقوس ظهرها.
وبعد سنين لقيتها في
(جنيف) بعد أن كنت قرأت لها كتابها Le dessein de Dieu
وأعجبت بوضوحه وسهولته وعمقه وشموله. قلت لها إننا محتاجون في بلادنا وخصوصاً في
أوساطنا الأرثوذكسية التي كثيراً ما تهمل مطالعة السفر الكريم إلى دليل لنا يقودنا
إلى الكتاب المقدس وسألتها ما إذا كانت تسمح بترجمته إلى العربية وماذا تطلب لقاء
ذلك. فأجابت بأنها تسمح شكورة ولا تطلب إلا الصلاة من أجلها ونسخة من الترجمة
العربية.
واليوم, والترجمة بين
أيديكم أيها القراء المحبوبون, أطلب إليكم بدوري أن تذكروا في صلواتكم كاتب الكتاب
وتفيدوا من هذا الدليل لمعرفة القصد الإلهي في التاريخ وفيكم فإن الله لا يعمل في
الهواء بل في حياتكم وفي عالمكم.
وختاماً أود القول بأن
الكتاب ليس تعريباً حرفياً بالمعنى الضيق المحصور ولكنه ترجمة لروح المؤلف وقصده.
لقد حاولت جهدي أن أتحرر من النص الأجنبي وأكون على أشد ما يمكن من الأمانة للكاتب
وروحه. إذن فكل الهنات في الترجمة العربية أنا مسؤول عنها كما أنني مسؤول عن كل
غموض فيها أو لبس. وإني لأستميحكم عذراً عن هذه كلها.
|