ديثنا عن الفيلسوف أثيناغوراس كرئيس مدرسة الإسكندرية يستلزم
منا أن نأخذ فكرة سريعة عن " المدافعين
The Apologists
" لكونه واحداً منهم.
لقد وجد الدفاع – في معناه الواسع – قديماً قدم المسيحية
ذاتها، إذ بذل الكارزون بالإنجيل كل جهدهم في البرهنة على حق
الإنجيل و الإجابة على الإعتراضات الموجهة ضده
.
كان حديث الشماس الأول اسطفانوس St.
Stephen
أمام مجمع السنهدريم ( أع 6، 7 ) حديثاً دفاعياً، و هكذا أيضاً
خطاب الرسول بولس أمام فستوس Festus
( أع 24 )، و جاءت أعمال الشهداء حية في الدفاع عن الإيمان
المسيحي بكل مجاهرة أثناء محاكماتهم.
|
بقدر ما اتسمت المسيحية – منذ بدء انطلاقها – بالروح المسكونى،
فلم ترتبط بثقافة معينة أو أمة خاصة ... وجدت نفوس عطشى
للإيمان من أصل يهودى و رومانى و يونانى و مصرى و سريانى الخ.
هذا الأمر شكل خطراً يهدد كيان الدولة الرومانية التي و إن
أظهرت تسامحاً في ترك الدول التابعة لها أن تمارس عبادتها
المحلية و نشاطها الثقافي المحلى، لكنها أرادت أن تسود
بعبادتها الرومانية و ثقافتها لكى تضمن ولاء الدول لها، لهذا
اتهم المسيحيون بالخيانة للإمبراطور ... خاصة و أنهم كانوا
يرفضون السجود لتمثال الإمبراطور و التعبد له. و من جانب آخر،
هاجت الجماهير على المسيحيين إذ رأوا فيهم احتقاراً لمشاعرهم
الشعبية بسبب احجامهم عن المشاركة في الإحتفالات الدينية
العامة. هذا و قد كرس بعض الكتاب و الفلاسفة من يهود و أممين
جهدهم للهجوم على المسيحية و المسيحيين، يتهمونهم بالكفر و
الإلحاد، و يفترون على إنجيلهم، و ينسبون إليهم إتهامات
أخلاقية، بجانب الخيانة للامبراطور و احتقار الجماهير. و لعل
أهم هؤلاء الكتاب هم لوسيان الساموساطى
Lucian of Samosata
و الفيلسوف فرنتو Frento
من سيرتو Cirto
معلم الإمبراطور مركوس أوريليوس Marcus
Aurelius
و الأفلاطونى كلسس Celsus
...
و
كما تقدم كثير من المسيحيين من كل الفئات و الأعمار و الثقافات
للإستشهاد بفرح، انبرى أيضاً بعض الكتاب المسيحيين يدافعون عن
الإيمان المسيحي و المسيحيين هؤلاء دعوا " المدافعين ". ظهروا
على وجه الخصوص في القرنين الثانى و الثالث، وضعوا أمامهم
ثلاثة أهداف
:
-
الرد على الإتهامات العامة، خاصة الاتهام
بأن الكنيسة تمثل نكبة على الدولة.
فقد أكد هؤلاء المدافعين أن الإيمان المسيحي يمثل قوة تسند
سلام الدولة و تعمل على رفاهيتها، لا لصالح الامبراطور و
الدولة فحسب بل و الحضارة أيضاً.
-
كشفوا عن لا أخلاقيات الوثنية و ضلال
أساطيرها، كما أعلنوا عن الإيمان المسيحي بكونه وحده
القادر أن يقدم فهماً صحيحاً بخصوص الله و العالم و
الإنسان.
لقد دافعوا عن العقائد الرئيسية مثل وحدانية الله، لاهوت
السيد المسيح، قيامة الموتى الخ ... كما حملت كتاباتهم
روحاً كرازياً. فأهتمت بجذب القارىء ليقبل الحق و يتفهمه،
و دعته بلغة ذلك العصر أى خلال الفلسفة، لقبول الإيمان
الجديد و كشفت له عن جمال الحياة المسيحية و عفتها ...
-
تحدثوا عن الفلسفات بكونها اعتمدت على
العقل البشرى وحده، فحملت جانباً من الحق، لكن ليس كل
الحق، كما امتزج هذا الجزء بأخطاء كثيرة.
أما الإيمان المسيحي فقدم الحق خلال اللوغوس " كلمة الله "
الذي نزل على الأرض معلناً الحق الإلهي للبشر. لهذافلا وجه
للمقارنة بين المسيحية و الفلسفة اليونانية. فالأولى إلهية
و الثانية بشرية.
|
|
|
|
و
فيما يلي صورة مختصرة جداً عن أهم المدافعين المسيحيين الأولين
:
-
القديس كوادرانس
St. Quadrans:
يعتبر أقدم المدافعين المسيحيين، كتب دفاعه عن الإيمان
المسيحي في آسيا الصغرى، موجهاً إياه للإمبراطور هادريان
.
في هذا الدفاع هاجم آلهة اليونان و مصر الوثنية، كما ذم
الأخلاق اليونانية الوثنية. يرى هاريس
J. R.
Harris
أن الدفاع قدم للامبراطور أنطونيوس بيوس
Antonius
Pius
( 138 – 136 م ) في بداية حكمه.
عرفه القديس جيروم Jerome
كأسقف لأثينا، عاش في أيام حكم أوريليوس، و هو أمر مرفوض
تماماً
.
-
أرستيديس
Aristides:
من رجال القرن الثاني، فيلسوف مسيحي و مدافع من أثينا. قرر
يوسابيوس
Eusebius
أنه كالمدافع السابق له، قدم دفاعه لهادريان
Hadrian،
و لو أن البعض يرى أنه قدمه لأنطونيوس بيوس
Antonius
Pius.
في دفاعه أوضح أن المسيحيين لهم ادراك لطبيعة الله
بطريقة أكمل مما للبرابرة و اليونان و اليهود، و أنهم
وحدهم يحبونه حسب وصاياه، دافع فيه عن وجود الله و أبديته،
كما شمل التماساً وجهه إلى جميع الذين ليس لهم معرفة الله
أن يقتربوا إلى الإيمان المسيحي ليكونوا مستعدين للظهور
أمام الله
.
-
أرسطون
Ariston of Pella:
يبدو أنه أول مسيحي دافع عن المسيحية ضد اليهود كتابة. و
قد جاء دفاعه ( حوالي عام 140 م ) في شكل حوار بين جاسون
Gasson
المسيحي من أصل يهودي و بابيسكوس
Papiscus
يهودي اسكندري.
-
الشهيد يوستين
St. Justin the
Martyr:
( حوالي 100 م – 164 م ). ولد فلافيا نابوليس
Flavia
Napolis
بفلسطين من أبوين وثنيين. التحق بمدارس فلسفية لعلها تقدر
أن تشبعه حتى انتهي بحه بالإيمان المسيحي.
فتح مدرسة في روما تتلمذ فيها تاتيان
Tatian
و ربما أيضاً ميلتيادس Militiades.
كتب دفاعين و حوار مع اليهودي تريفو. و في كتاباته لم يفرق
القديس بين اللاهوت و الفلسفة بطريقة دقيقة
.
-
تاتيان السرياني
Tatian the Syrian
:
ولد عام 120 م من أبوين وثنيين، و تعلم البلاغة و الفلسفة،
و قبل الإيمان المسيحي في روما ما بين 150 و 165 م، و
تتلمذ على يدي القديس يوستين
Justin،
لكنه اختلف عنه في آرائه.
عرف بالتطرف في آرائه، فقد علم بالرفض التام لكل
فلسفة يونانية، و أظهر امتعاضه حتى للحضارة اليونانية من
فن و علم و لغة، لكنه لم يقدر أن يتخلص من الفكر اليوناني
تماماً. و إذ عاد إلى الشرق سقط في بدعة فالنتينوس
Valentinus
الغنوسي، ثم عاد و انتمى إلى طائفة الانكراتيين
Encratites
الذين يمتنعون عن شرب الخمر معتبرينه أنه مادة نجسة بحد
ذاتها حتى استعاضوا عنه بالماء فقط، في سر الافخارستيا و
يحرمون أكل اللحوم كنجاسة طقسية مصنوعة من إله الظلام و
ينظرون إلى الزواج كزنى، و يحرمون على النساء استخدام
الحلي.
كتب " مقالاً لليونانيين " في هذا المقال لم يهدف الدفاع
عن المسيحية بقدر ما كان يدعو لمدرسته.
|
|
|
|
-
ميلتيادس
Miltiades
:
خطيب ولد في آسيا الصغرى، معاصر لتاتيان
Tatian،
و ربما كان تلميذاً للقديس يوستين
Justin.
وضع عدة أعمال دفاعية : واحد ضد اليونانيين، و الآخر ضد
اليهود، و ثالث " للسلاطين الحاكمة " مدافعاً عن الفلسفة
التي اتبعها، كما كتب أيضاً ضد الغنوسية و المونتانية.
-
القديس أبوليناريس
St. Claudius
Apollinaries
:
أسقف هيرابوليس
Hierapolis
بفريجيا. من رجال القرن الثاني. مدحه معاصروه كثيراً بسبب
سمو معرفته و فضائله
.
كتب سلسلة من الكتب الدفاعية.
-
ثيؤفيلس
Theophilus
أسقف أنطاكية
:
اجتذبته القراءة في الكتاب المقدس إلى الإيمان المسيحي.
كتب دفاعه حوالي عام 180 م في ثلاث كتب وجهها إلى صديقه
الوثني أوتوليكس
Autolucum،
حيث أظهر الفكر المسيحي لله و سمو التعليم بالخليقة.
مندداً بالأساطير الدينية الامبلبية.
-
ميليتو
Melito
أسقف ساردس :
أحد أقطاب الكنيسة في القرن الثاني
غزير في علمه. وجه دفاعه للامبراطور مركوس أوريليوس
Marcus
Aurelius
ما بين عامين 170، 171 م
-
الرسالة إلى ديوغنيتس
Diognetus:
هي دفاع عن المسيحية في شكل رسالة موجهة إلى أحد الوثنيين،
ذي شأن، يسمى ديوغنيتس
Diognestus.
لا يعرف على وجه التحديد من هو الكاتب، و لا من الذي ارسلت
إليه. و هي تحمل اتجاهات أرستيديس
Aristides،
كما استخدم الكاتب عبارات وردت في القديسين ايريناؤس
Irenaus
و هيبوليتس
Hippolytus
الروماني.
-
مينوكيوس فيلكس
Minucius Felix
:
أفريقي، من رجال القرن الثاني أو الثالث. كتب باللاتينية
دفاعاً عن المسيحية في شكل حوار بين أوكتافيوس
Octavius
المسيحي و كاسليوس الوثني، انتهي بقبول الأخير الإيمان. في
هذا العمل يفند الكاتب الاتهامات الموجهة ضد المسيحيين،
مهاجماً الاساطير الوثنية .
و لفيلكس Felix
عبارته المشهورة : " ليست بلاغة أعظم من الحياة "، معلناً
أن الحياة المسيحية هي أعظم شهادة للحق و فوق كل بلاغة .
يرى بعض المؤرخين أن فيلكس Felix
جاء بعد ترتليان Tertullian
و اعتمد عليه.
-
ترتليان
Tertullian
:
أحد آباء الكنيسة الأفريقية، نشأ في قرطاجنة، حيث تعلم
الأدب و البلاغة و مارس المحاماة. قبل الإيمان المسيحي قبل
عام 197 م. لكنه سقط في البدعة المونتانية
.
أخذ موقفاً معادياً للفلسفة، إذ يقول في دفاعه : " أي شركة
بين الفيلسوف و المسيحي ؟! بين تلميذ يوناني حليف الباطل و
تلميذ السماء عدو الباطل و حليف الحق ؟! " ( دفاع 46 ) .
هرمياس
Hermias
:
لا نعرف شيئاً عن حياته. وضع مقالاً قصيراً يسمى إريسس
Irrisis
أو " سخرية بالفلاسفة الوثنيين ". فيه ينقد آراءهم في
النفس و في العناصر الأساسية للعالم .
أقوال سكتوس
Sextus
:
قام روفينوس
Rufinus
بترجمة 145 قولاً له إلى الاتينية قدمه كفيلسوف فيثاغوري
صار أسقفاً لروما و شهيداً ( 257 – 258 م ). لكن القديس
جيروم
Jerome
نفى ذلك بشدة. و قد مالت أقواله بالأكثر إلى الجانب
الأخلاقي التي تحكم الحياة، و هي تذكرنا بفلسفة الحياة عند
القديس أكليمنضس السكندري
Clement
of Alex.
.
+ + +
بعد عرضنا في اختصار لحياة بعض المدافعين المسيحيين الأول
نتحدث عن الفيلسوف أثيناغوراس
Athenagoras
كرئيس لمدرسة الإسكندرية و أحد المدافعين الأول.