|
العشّار في الأحد الماضي عندما سَبَرَ نفسه وأدرك أنه خاطئ قال: إن
الصلاة الوحيدة التي يجدر بي أن أرفعها إلى الله، وهي صلاة استرحام
واستغفار: (إني خاطئ). والابن الأصغر الذي ترك بيت والده وذهب يعيش
كما شاء، هذا الابن وعى وقتاً ما بعد أن تدهورت كرامته إلى مستوى
أدنى من الخنازير، وسأل نفسه: (لِمَ كلَّ هذا ؟ ولماذا لا أعود إلى
أبي ؟). فكان أن عاد.
والشخص
الثالث في مثل الفرّيسي والعشّار صامت لا يتكلم. الله الذي صلّى
الفرّيسي أمامه، وصلّى العشّار أمامه لا يُسْمِع صوته، ولكن لوقا
الإنجيلي يؤكد أن العشّار بنتيجة صلاته أمام ذاك الصامت، عاد إلى
بيته مبرراً: (لأن من وضع نفسه ارتفع، ومن رفع نفسه اتضع).
هنا في
إنجيل اليوم الأب يتكلم، وحديثه مع ابنه الصغير غيره مع ابنه
الكبير. فمع صغيره لم يقل كلمة عتاب بعد كل ما حصل. ما قال له: يا
ابني كنت عائشاً في هذا البيت على أفضل حال، لكنك مزّقت العائلة،
قَسَّمت الرزق، وتركتنا نتألم لابتعادك. من هم أولئك الذين آمنت
بحبهم لك أكثر منّا ؟ الذين في عينيك يفضلوننا أهلاً لك ؟ لم يقل
الأب هذه الأقوال إذ – كما يقول الإنجيلي لوقا – حالما رأى ابنه
الصغير يعود صفح عنه وضمّه وقبّله. ومن الجليّ الواضح أن الأب في
استقباله ابنه لم يقم بعملية محاكمة داخلية، ولم يعطِ وقتاً لأي
تساؤل: هل كان على حق ؟ هل له الحق بذلك ؟ هل يستحق الاستقبال أم
لا يستحق ؟ ما أثر عودته في العائلة ؟ في البيت ؟ أحَسَنٌ هو أم
سيئ ؟
لم
يترك الأب مجالاً لأيٍ من هذه التساؤلات، بل أسرع لتوّه ودون تردد
وعانق ابنه وقبّله وصفح عنه.
الإنجيلي يريد أن يقول لنا: الصفح والغفران عند الله صفة من صفات
طبيعته وليسا أحد الوجوه العملية لصفاته الجوهريّة، إنهما أصلٌ لا
فرع. الله غفور قبل كل شيء. الآب الأب لا يردّ سائلاً ولا يخيِّب
تائباً. هذه طبيعته، لذلك سارع إلى استقبال العائد دونما تلكؤ.
لقد
ورد عنه أنه ديّان، لكنه أولاً محبّ، أولاً مسامح وغفور. وكل صفة
من صفاته تأتي بعد هذه الصفة لا قبلها. هذا كله معكوس إذا نُظر
إليه من وضعنا نحن كآباء. إننا نحاسب بينما ذاك الأب الذي منه
الحياة والكرامة لا يحاسب. نحن ماذا نعطي ؟ ماذا نعطي أبناءنا ؟ ما
هو المثل الذي نقدمه لهم ؟ حياتهم معنا دينونة متواصلة، نهي مستمر
وأمر مستمر، لكن الويل لهم إذا هم قابلوا ذلك بمحاسبتنا، وويل لهم
إذا حاكمونا: كيف نعيش ؟ ماذا نقول ؟ كيف نتصرّف؟ إذا رأوا ما
العلاقة بين ما نقول وما نفعل، بين ما نُظْهِر وما نُبْطِن. |