|
لننجب ذكورًا (الفضائل) ونحفظهم!
1. وُلد
موسى في الوقت الذي أصدر فيه فرعون أمرًا بقتل نسل العبرانيين من
الذكور (خر 1: 16). وإذا سُألنا: كيف يمكننا أن نقتدي باختيارنا
هذه الولادة السعيدة لموسى التي جاءت مصادفة؟ يعترض البعض - ولهم
الحق في ذلك - بأن الإقتداء بتلك الولادة الشهيرة ليست في سلطاننا.
ولكن ليس من الصعب أن نبدأ الإقتداء بها بالرغم من الصعوبة
الظاهرية.
|
2.
يعرف الجميع أن أي شيء يوضع في عالم متغير لا يمكن أن يظل كما هو
بدون تغيير، ولكن ينتقل باستمرار من حالةٍ إلى أخرى، ويجلب هذا
التغيير دائمًا معه شيئًا أفضل أو أسوأ.
ويجب أن نفهم قصة موسى في الكتاب المقدس طبقًا للقصد الحقيقي منها.
فإن النزعة المادية أو العاطفية التي تنساق إليها الطبيعة البشرية
عندما تسقط تمثلها الأنثى أو الصورة الأنثوية من الحياة، والتي
يُفضل الطاغية ولادتها. أما صرامة الفضيلة وشدتها فيمثلها ميلاد
الذكر، الذي يعاديه الطاغية ويشتبه في أنه سيثور على حكمه.
نحن آباء لأنفسنا
3.
من الضروري بالتأكيد لكل شيء خاضع للتغيير أن يحدث معه دائمًا
نوع من الولادة. وفي الطبيعة المتغيرة لا يمكن أن يكون هناك
شيء يظل كما هو بلا تغيير. والولادة - بمعنى حدوث تغيير
باستمرار - لا تحدث كنتيجة لمبادرة خارجية - كما هو الحال في
ولادة الجسد التي تحدث مصادفة - ولكن مثل هذه الولادة
(التغيير) تحدث باختيارنا.
ونحن نعتبر- من ناحية ما
-
آباء لأنفسنا،
نلد أنفسنا باختيارنا الحر طبقًا لما نريد أن نكون عليه، سواء
كنا
ذكورًا أو إناثًا، ونشَّكل أنفسنا حسب تعاليم الفضيلة أو
الرذيلة.
4.
ويمكننا
بالتأكيد أن ندخل في ولادة أفضل في مملكة النور، مهما انزعج
الطاغية الذي لا يرغب في ذلك، ويمكن أن يرانا والدانا أننا
ذرية صالحة، ويُسرا بنا، ويعطيانا الحياة رغمًا عن تصميم
الطاغية (والدا الفضيلة هنا هما الملكات العقلية).
الولادة التي تزعج الطاغية
5. وعندما نكشف المعنى الخفي لتاريخ موسى، نجد أن الكتاب
المقدس يعلمنا أن الولادة التي تزعج الطاغية هي بداية
الحياة الفاضلة. وأنا أتحدث هنا عن نوع الولادة الذي
تقوم فيه الإرادة الحرة بدور القابلة وتساعد في
ولادة الطفل وسط الألم الشديد،
لأنه لا يسبب أحد الحزن لخصمه ما لم يكشف في نفسه العلامات
التي تثبت انتصاره على الخصم.
6. وظيفة الإرادة الحرة هي إنجاب ذرية الذكور الصالحة
وتغذيتها بالطعام المناسب والتدبر في كيفية إنقاذ هذه
الذرية من الماء،
لأن هناك من يقدمون أطفالهم للطاغية، يلقونهم إليه عراة في
الماء بلا تروٍ. وأنا هنا أتحدث عن الحياة كنهرٍ هائجٍ
بفعل أمواج العاطفة التي تدفع بما في النهر إلى القاع
وتغرقه.
7. وعندما ترغم الحياة الأفكار العقلانية المتزنة والرصينة
- التي هي والدا الطفل الذكر - على إلقاء طفلهما الذكر في
أمواج هذه الحياة، فإنهما يجعلانه آمنًا في فلك بحيث عندما
ينزل إلى النهر لا يغرق.
والفلك المصنوع من ألواح مختلفة، يمثل التعليم الشامل
لمختلف النظم والمذاهب، والذي يرفع ما يحمله فوق أمواج
الحياة.
|
|
8. وبالرغم من أن الأمواج المندفعة تحمل الطفل، إلا إنها
لا تقذفه بعيدًا حيثما كان هناك تعليم، بل تدفعه إلى جوار
الشاطيء وتلقيه حركة الماء بصورة طبيعية على الشاطيء
الراسخ، أي خارج خضم الحياة المتلاطم.
9. وتعلمنا الخبرة أن الحركة الفائرة التي لا تهدأ للحياة
تلفظ خارجها أولئك الذين لا يغمرون أنفسهم تمامًا في
الأمور البشرية الخادعة، حيث تعتبر المتمسكين بالفضيلة
عبئًا عليها ولا فائدة منهم. ويجب على من يهرب من مثل هذه
الأمور أن يتمثل بموسى ولا يضن بدموعه، حتى ولو كان آمنًا
في الفلك، لأن الدموع هي الحارس الذي لا يغفل لمن
تنقذهم الفضيلة.
الفلسفة
الدنيوية عقيمة حقًا
10. حيث أن ابنة الملك التي كانت عاقرًا (والتي أعتقد
أنها تمثل بحق الفلسفة الدنيوية) رتبت أن تُدعى أمًا
للصغير بتبنيها له (خر 2: 10)، يقرر الكتاب المقدس أن
موسى لم يرفض علاقته بالتي كانت تُسمى أمه بدون وجه حق
حتى أدرك عدم نضجه. ولكن الشخص الناضج - مثلما عرفنا
عن موسى - أبى أن يدعى ابنًا لمن هي عاقر بطبيعتها.
11. فالتعليم الدنيوي عقيم حقًا ويشبه المرأة
العاقر، إنه دائمًا في حالة مخاض ولكنه لا يلد أبدًا.
ما هي الثمرة التي تعطيها الفلسفة بعد كل هذا المخاض
الطويل والتي تستحق هذه الآلام؟ إن الأشخاص المملوءين
من الكلام الطنان الذي لا جدوى منه لا يصلون إلى مرحلة
الولادة، ودائمًا ما يجهضون قبل أن يصلوا إلى نور
معرفة الله.
الحاجة إلى لبن الكنيسة كأمٍ
12. بعد أن عاش موسى فترة طويلة مع الأميرة
المصرية حتى بدا وكأنه يشارك المصريين حياتهم، كان
لا بد أن يعود إلى أمه الطبيعية. وفي الواقع فإنه
لم ينفصل عن أمه بينما كانت الأميرة تربيه، ولكنه
كان يتغذى من لبن أمه كما يخبرنا التاريخ (خر 2:
7-9). ويبدو لي أن هذا يعلمنا أنه حتى لو
تعرضنا لتعاليم دنيوية أثناء تعليمنا، يجب ألا
نفصل أنفسنا عن التغذية من لبن الكنيسة الذي هو
قوانينها وتقاليدها، فإن الروح تتغذى وتنضج عليها
وتصبح وسيلة للارتفاع إلى أعلى.
|
13. من ينظر إلى المذاهب الدنيوية ومذاهب الآباء
يجد نفسه أمام نقيضين. فإن الغريب في العبادة
والدين يناقض التعليم اليهودي، ويحاول بإثارة
المشاكل أن يبدو أقوى من الإسرائيلي، ويصدقه كثير
من ذوي النظرة السطحية الذين يتخلون عن إيمان
آبائهم ويحاربون في صف العدو، مخالفين تعليم
الآباء. ومن ناحية أخرى، فإن من كان عظيمًا
ونبيلاً في الروح - مثل موسى - يقتل بيده من يثور
ويعارض الدين الحقيقي.
14. يمكننا أيضًا أن نجد هذا التعارض والصراع
بيننا. والجانب الذي يناصره الإنسان ينتصر على
الجانب الآخر.
ويشبه قتال المصري مع العبراني حرب الوثنية ضد
الديانة الحقيقية، والانحلال ضد ضبط النفس،
والغطرسة ضد التواضع، والظلم ضد الحق، وكل شيء ضد
عكسه.
15. ويعلمنا موسى بقدوته الشخصية أن نقف مع
الفضيلة كما مع قريبٍ لنا، وأن نقتل عدو الفضيلة.
وانتصار الديانة الحقيقية هو موت ودمار للوثنية.
وهكذا أيضًا فإن الحق يقتل الظلم والتواضع يقتل
الغطرسة.
16. الخصام بين الشخصين العبرانيين يحدث مثيله
أيضًا فينا. فلن تكون هناك فرصة الآراء الشريرة
والهرطوقية للظهور لولا مقاومة المنطق الخاطئ
للحق. ولذلك فإذا كنا وحدنا فإننا أضعف من أن
ننصر الخير - لأن الشر أقوى دائمًا في هجماته
ويرفض سيطرة الحق - فيجب علينا أن نهرب بأسرع
ما يمكن (كما يعلمنا المثال التاريخي في قصة موسى)
من الصراع إلى التعليم الأعظم والأسمى للأسرار.
17. وإذا اضطررنا أن نعيش مع غريبٍ - أي إذا
اضطررنا للاحتكاك بالحكمة الدنيوية - يجب علينا أن
نصر على صد الرعاة الأشرار عن الاستخدام الظالم
للآبار - ويعني هذا أنه يجب علينا أن نوبخ معلمي
الشر على استخدامهم الشرير للتعليم.
18. وبنفس الطريقة يجب أن نحيا حياة عزلة،
غير مختلطين بالخصوم، ولا متداخلين بينهم، بل نعيش
مع من يماثلوننا في الطبع والتفكير، الذين نغذيهم،
بينما ترعى إرادة العقل المرشد كل حركات أرواحنا
مثلما يرعى الراعي الخراف.
نار العليقة هو الرب!
19. إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير
في هذا المساء الهادئ الوادع في الحياة، وينير
أعين أرواحنا بأشعته. وهذا الحق الذي تجلى لموسى
بنورٍ غامض لا يُوصف ولا يُنطق به - هو الله.
20. وإذا كان اللهب الذي أنار روح النبي قد اشتعل
من شجيرة ذات أشواك، فإن هذه الحقيقة نافعة لنا في
تأملنا. لأنه إذا كان الحق هو الله، والحق هو
النور، فإن الإنجيل يشهد بتلك الأسماء السامية
والإلهية لله الذي أظهر لنا ذاته في الجسد.
إن مثل هذا الإرشاد في الفضيلة يقودنا لمعرفة ذلك
النور الذي وصل حتى إلى الطبيعة البشرية. وحتى
لا يظن أحد أن البريق لم يكن منبعثًا من مصدر
مادي، فإن الضوء لم يسطع من أجسام مضيئة بين
النجوم، ولكنه انبعث من شجيرة أرضية وفاق الأجرام
السماوية المضيئة في البريق.
العليقة وسرّ العذراء!
21. من هذا نتعلم أيضًا سرّ العذراء، فإن
ضوء الألوهية الذي شعّ منها على الحياة
البشرية من خلال الولادة لم يحرق العليقة
المتقدة، وذلك كما أن زهرة البتولية فيها لم
تذبل بإنجابها الطفل!
|
|
نزع النعال من أقدام الروح للتمتع بالنورٍ والحقٍ
22. ويعلمنا النور ما يجب أن نفعله لنقف في
أشعة النور الحقيقي: لا يمكن أن تصعد أقدام
ترتدي نعالاً إلى الارتفاع الذي يمكن عنده
مشاهدة النور، ولكن يجب أن تنزع من أقدام
الروح الأغطية الميتة والأرضية الجلدية التي
وضعت حول طبيعتنا في البداية عندما وجدنا عراة
بسبب معصية الإرادة الإلهية.
وعندما نفعل هذا يمكننا معرفة الحق ويُستعلن
لنا. وتحدث المعرفة الكاملة للكينونة بتطهير
رأينا بخصوص عدم الكينونة.
23. وفي رأيي أن تعريف الحق هو: "حالة ليس
فيها فهم خطأ للكينونة"، والزور أو الزيف هو
نوع من الانطباع ينشأ عن عدم فهم الكينونة،
فيبدو ما لا يوجد كأنه في الحقيقة يوجد، ولكن
الحق هو الفهم المؤكد للكائن الحقيقي. وهكذا
فإن من يفرغ نفسه في هدوء لفهم الأفكار
الفلسفية الأسمى يمكنه بالكاد أن يفهم ما هي
الكينونة الحقيقية، أي ما له وجود في طبيعته
ذاتها، وما هو عدم الكينونة - أي ما له الوجود
بالمظهر فقط وليس له مقومات البقاء في طبيعته.
24. يبدو لي أنه في الوقت الذي كان فيه
موسى العظيم يتعلم في أثناء الإعلان، فقد أدرك
أنه لا شيء من تلك الأشياء التي تُدرك
بالإدراك الحسي وتُستوعب بالفهم البشري لها
استمرار حقيقي، ولكن الذي يمكنه البقاء
والاستمرار فقط هو الجوهر الذي يتخطى الوجود
المادي، وسبب وجود الكون، الذي يعتمد عليه كل
شيء.
25. لأنه إذا نظر الفهم البشري إلى أي أشياء
أخرى موجودة في الكون، فإن العقل لن يلاحظ في
أي منها على الإطلاق الكفاية الذاتية التي
تستطيع بها أن توجد دون الاشتراك في الكائن
الحقيقي.
ومن ناحية أخرى فإن ما هو ثابت دائمًا وهو هو
نفسه - لا يزيد ولا ينقص - لا يقبل التغيير
سواء إلى أفضل أو إلى أسوأ (لأنه أعلى بكثير
مما هو أدنى، وليس هناك ما هو أعلى منه) والذي
لا يحتاج لشيء آخر وهو وحده المرغوب فيه،
يشترك فيه الكل ولكنه لا ينقص باشتراكهم - هذا
هو حقًا الكائن الحقيقي، وإدراكه يعني معرفة
الحق.
26. بنفس الطريقة التي توصل بها موسى إلى
هذه المعرفة في تلك المناسبة، يفعل الآن أيضًا
كل إنسان يجرد نفسه – مثل موسى من الغطاء
الأرضي، وينظر إلى النور الذي يشع من العليقة
(شجيرة الأشواك)، إي إلى البهاء الذي يشع
علينا من هذا الجسد المليء بالأشواك والذي هو
كما يقول الكتاب) النور الحقيقي والحق(يو 1: 9؛ 14: 6). يصبح مثل هذا
الشخص قادرًا على أن يساعد الآخرين على الخلاص
والقضاء على الطغيان الذي يستولي على السلطان
بالقوة وأن يحرر المقيدين في عبودية الخطية.
أصبح تحول يد موسى إلى اللون الأبيض كالثلج
وتحول العصا إلى ثعبان هما أول المعجزات (خر
4).
أول معجزتين كرمزٍ لسرّ تجسد الرب
27. يبدو لي أن هاتين المعجزتين هما رمز لسرّ
تجسد الرب، استعلانًا للألوهية أمام الناس،
نتج عنه موت الطاغية وتحرير الذين يسيطر
عليهم.
28. ما يقودني إلى فهم المعجزتين بهذا الشكل
هو شهادة الأنبياء والإنجيل حيث يعلن النبي:
"هذا ما يعني تغير يمين العلي(مز
76: 11 LXX)،
مبينًا أنه بالرغم من أن الطبيعة الإلهية
يُنظر إليها في ثباتها وعدم تغيرها، فبتنازلها
إلى ضعف البشرية تغيرت إلى شكلنا وشبهنا.
29. عندما أخرج معطي الناموس يده من صدره
تحولت إلى لون غير طبيعي للجلد، وعندما وضعها
مرة ثانية في صدره عادت إلى جمالها الطبيعي.
ومرة أخرى فإن "الابن الوحيد الذي هو في حضن
الآب هو خبر" (يو
1: 18)،
وهو "يمين العلي" (مز
76: 1).
30. عندما اُستعلن لنا الابن من حضن الآب،
تغير ليصبح مثلنا. وبعد أن محا نقائصنا. أعاد
إلى صدره اليد التي كانت بيننا، وأخذت لوننا
(الأب هو الصدر لليد اليمنى). وما لا يتغير أو
يتأثر بشيء بطبيعته لا يمكن أن يتحول إلى ما
يتغير أو يتأثر، ولكن ما هو قابل للتغيير
وخاضع للعواطف والأهواء قد تحول إلى عدم
التغير أو التأثر باشتراكه في غير المتغير.
31. وبالنسبة لتحول العصا إلى ثعبان، فإن
هذا لا يجب أن يضايق محبي المسيح على أننا
نطبق مبدأ التجسد على حيوان غير مناسب. فإن
الحق (الله) نفسه من خلال صوت الإنجيل لا يرفض
مثل هذه المقارنة عندما يقول: "وكما رفع موسى
الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن
الإنسان" (يو
3: 14).
32. والتعليم هنا واضح فإذا كان والد الخطية
يسمى حية في الكتاب المقدس وما يولد من الحية
هو بالتأكيد حية (يو
8: 44؛ تك 3: 1)
فلا بد أن الخطية تترادف مع من أنجبها. ولكن
قول الرسول يشهد بأن الرب قد جُعل خطية لأجلنا
وهو الذي لم يعرف خطية (2
كو 5: 21)،
وذلك عندما أخذ طبيعتنا الخاطئة.
33. ينطبق هذا التشبيه حقًا على الرب. فإذا
كانت الخطية هي حية، والرب قد أصبح خطية، فإن
الاستنتاج المنطقي واضح للجميع. عندما أصبح
الرب خطية أصبح أيضًا حية. وهي لا شيء إلا
الخطية. ولأجلنا صار حية حتى يلتهم الثعابين
التي أخرجها السحرة المصريون.
34. وبعد أن فعلت الحية هذا تحولت مرة أخرى
إلى عصا تعيد الخطاة إلى رشدهم وتعطي راحة
للمتباطئين في الطريق الشاق الصاعد إلى
الفضيلة، حيث تسندهم عصا الإيمان من خلال
آمالهم العالية، لأن الإيمان فقط هو الذي
يضمن لنا نوال البركات التي نرجوها (عب
11: 1).
35. إن من يتعمق في هذه الأمور يصبح مباشرة
إلهًا للذين يقاومون الحق الذين ضلوا وانشغلوا
بالخداع المادي الوهمي (في سفر خروج 7: 1 قال
الرب لموسى "أنا جعلتك إلهًا لفرعون"). إن
هؤلاء يحتقرون الكلام عن "الكائن" ويعتبرونه
كلامًا فارغًا، مثلما قال فرعون "من هو الرب
حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل. لا أعرف الرب"
(خر
5: 2).
كان فرعون يعتبر الأشياء المادية والجسدية فقط
ذات قيمة، وهذا هو ما يميز الحياة التي يتحكم
فيها الفكر غير العقلاني.
عصا الإيمان
36. إذا كان موسى من ناحية أخرى قد تقوى
بالنور الذي ظهر له مما أعطاه قوة لمواجهة
أعدائه، فإنه كان مثل رياضي تقوى بالتدريب
الشاق تحت إشراف مدربه وأصبح مستعدًا لدخول
صراع المنافسة ضد خصومه. وبتلك العصا في يده -
التي هي كلمة الإيمان - يسيطر على الثعابين
المصرية.
اللقاء مع هارون
42. يجب أن نرجع إلى تسلسل الأحداث في
الكتاب المقدس، وذلك حتى تأتي
المساعدة الأخوية للقائنا عندما نقترب
من الصراع مع المصريين، فنتذكر أحداث
القتال والمشاجرات التي اشترك فيها
موسى في بداية حياة الفضيلة، وظلم
المصريين للعبرانيين، وشجار العبراني
مع عبراني مثله.
43. بالنسبة لمن رفع إلى أعلى درجات
الفضيلة الروحية بالتدريب الطويل
وظهور النور الذي يفوق الطبيعة له على
الجبل، فإن لقاءه مع أخيه - الذي
أحضره ليقابله - هو لقاء ودٍ وسلامٍ.
وإذا أخذنا هذا الحدث بمعنى أكثر
رمزية وروحانية فسنجده نافعًا للغرض
الذي نناقشه.
44. إن المساعدة التي يعطيها الله
لطبيعتنا (مثل مساعدة الله لموسى في
الكلام عن طريق هرون) تعطى للذين
يعيشوا حياة الفضيلة الصحيحة.
وهذه المساعدة موجودة منذ ولادتنا،
ولكنها تستعلن وتعرف كلما ثابرنا على
التدريب الدؤوب على الحياة الأسمى
واستعدادنا للصراع الأقوى.
45. لكي لا أفسر الصور اللغوية
والرموز برموز من عندي، سأوضح مفهومي
لهذه المسألة بشكل أوضح.
يوجد تعليم يستمد قوته من تقليد
الآباء القائل بأن الله لم يهمل
طبيعتنا بعد سقوطها في الخطية بل
سندها بعنايته الإلهية.
فمن ناحية أقام ملاكًا يحمل طبيعة غير
فاسدة يسند حياة الإنسان، ومن الناحية
الأخرى أقام أيضًا المفسد الذي هو
شيطان شرير وقاتل يقاوم طبيعة
الإنسان.
46.
هكذا يجد الإنسان نفسه بين هذين
الاثنين اللذين يحملان غرضين متناقضين
ففي مقدوره أن يغلب أحدهما علي الآخر.
فبينما يستخدم الملاك الصالح العرض
العقلاني لبيان فوائد الفضيلة التي
يتطلع إليها بأمل من يعيشون حياة
الصلاح، فإن خصمه بين المتع والملذات
المادية التي لا يرجى منها فوائد في
المستقبل، ولكنها موجودة ومرئية ويمكن
الانغماس فيها، وهي تستعبد حواس من لا
يستخدمون تفكيرهم.
47.
فإن انسحب إنسان من الذين يغرونه نحو
الشر، مستخدمًا عقله ومرتدًا نحو
الحياة الفضلى معطيًا للشر ظهره،
ومنطلقًا نحو الرجاء في الخيرات كمن
ينظر في مرآة، مثل هذا تنطبع عل نفسه
النقية صور وانطباعات الفضيلة التي
يعلنها الله له. مثل هذا يقدم له أخوه
(هرون) عونًا و يرافقه، لأن الملاك
الذي بطريقه ما هو إلا أخ للنفس
العاقلة المتزنة يظهر له و يقف معه
عندما يقترب من فرعون.
48. إذا اكتشف أحد وهو يحاول عمل
مقارنة بالتوازي تمامًا بين الوصف
التاريخي وتسلسل مثل هذا التأمل
الفكري- أن هناك شيئًا في القصة لا
يتفق مع فهمنا، فإنه لا يجب أن يرفض
المحاولة كلها (التأمل كله). ويجب أن
يتذكر دائمًا الهدف من مناقشتنا والذي
نتطلع إليه ونحن نروي هذه التفاصيل.
فقد ذكرنا في المقدمة أن حياة الرجال
المكرمين تُذكر وتُقص لكي تكون
نموذجًا للفضيلة للذين يأتون من
بعدهم.
49. ومع ذلك لا يستطيع من يحاولون
تقليد حياة هؤلاء المكرمين أن يعيشوا
نفس أحداث حياتهم حرفيًا، فكيف يستطيع
أحد أن يرى مرة أخرى الشعب يتكاثر في
إقامتهم في مصر؟ وكيف سيجد مرة أخرى
الطاغية الذي يستعبد الشعب ويحمل
العداء للذرية من الذكور ويترك الإناث
والضعفاء يزيدون في العدد؟ وكيف سيجد
مرة أخرى جميع الأشياء المذكورة في
الكتاب المقدس؟ وحيث أنه من المستحيل
تقليد حياة جميع هؤلاء الناس
المباركين بالضبط بأحداثها الدقيقة،
فيمكن أن نستبدل بالتسلسل الحرفي لتلك
القصص تعليمًا أخلاقيًا. وبهذه
الطريقة يمكن لمن يسعون نحو الفضيلة
أن يجدوا العون في أن يعيشوا حياة
الفضيلة.
50. إذا اقتضى سرد الأحداث إسقاط أي
شيء من التسلسل الحرفي إذا كان غير
مناسب لتسلسل الفهم السامي، فإننا لا
نذكره على أساس أنه ليس له فائدة أو
نفع لغرضنا حتى لا نقطع تسلسل الإرشاد
نحو الفضيلة في هذه المواضع.
51. أقول هذا بخصوص تفسير القصة من
ناحية هرون، حتى أسبق من سيعترض بسبب
الأحداث التالية في القصة. فربما يقول
البعض أنه لا شك أن الملاك يشترك مع
النفس في النواحي الفكرية وغير
المرئية لها، وأنه كان موجودًا قبل أن
نخلق، وأنه متحد مع من يحاربون العدو
(الشيطان)، ولكن أيضًا لا يصح أن ننظر
لهرون- الذي كان قائدًا للإسرائيليين
في عبادة الأوثان، على أنه يمثل
الملاك.
52. زد على هذا بما سبق أن قلناه، بأن
ما يخرج في القصة عن هدفنا لا يغير ما
يتفق مع هذا الهدف، والموجود في باقي
القصة. وبالإضافة إلى ذلك فإن
الكلمتين (ملاك، وأخ) ينطبقان في
المعنى على أشياء متضادة.
53. إن كلمة "ملاك" لا تعني فقط ملاك
الله ولكن أيضًا ملاك الشيطان(2 كو 12: 7). والأخ
ليس فقط الأخ الطيب ولكنه أيضًا الأخ
الشرير. ولذا يحدثنا الكتاب المقدس عن
الأخ الطيب "أما الأخ فللشدة يولد"
(أم 17: 17)،
وعن الشرير (العكس) يقول: "وعلى كل أخ
لا تتكلوا، لأن كل أخٍ يَعْقِب عقبًا"
(إر 9: 4).
الزوجة الغريبة والتعليم الدنيوي
37.
المرأة الغريبة تتبعه، إذ هناك بعض الأمور
في التعليم الزمني لا نحتقرها، إذ تهدف
إلى إنجاب الفضيلة. حقًا قد تصير الفلسفة
الأخلاقية والطبيعية في وقت ما رفيقًا
وصديقًا وملازمًا للحياة العلوية بشرط ألا
يدخل ثمرة الاتحاد معها شيء دنس غريب.
38.
إذ كان ابنه لم يختتن بعد، أي لم ينزع عنه
بالكامل كل ما هو ضار ودنس أرعبهما بالموت
الملاك الذي التقى بهما، لكن زوجته هدأت
الملاك بتقديم ابنها طاهرًا، إذ نزعت عنه
العلامة الخاصة بالغرباء (الغرلة) تمامًا.
39. أعتقد أن تسلسل النمو في الفضيلة في
قصة موسى سيكون واضحًا لمن يتتبع التسلسل
التاريخي من البداية وكذلك المغزى
الإرشادي لنا. فإن هناك أشياء جسدية وغير
مختونة فيما تعلمه الفلسفة، وبعد التخلص
من هذه الأشياء يكون المتبقي هو الجنس
الإسرائيلي النقي.
40. على سبيل المثال ترى الفلسفة الوثنية
أن الروح خالدة، وهذا تعليم صالح يشبه
النسل النقي، ولكنها تقول أيضًا أن
الأرواح تنتقل من أجساد إلى أجساد أخرى،
وأنها تتغير من طبيعة عقلانية إلى طبيعة
غير عقلانية. وهذه تعاليم فاسدة تشبه
الغرلة الجسدية الغريبة. وتوجد أمثلة أخرى
كثيرة من هذا النوع. فإن هذه الفلسفة تقول
أن هناك إلهًا، ولكنها تراه على أنه إله
مادي. وهي تعترف به كخالقٍ، ولكنها تقول
إنه احتاج إلى مادة ليخلق بها. وهي تؤكد
أنه صالح وقوي، ولكنه في كل شيء يخضع
بالضرورة للقدر (فلسفة رواقية).
41. ويمكننا أن نصف بالتفصيل كيف أن
العقائد الصالحة تفسدها إضافات سخيفة من
الفلسفة الدنيوية. وعندما نتخلص من هذه
الشوائب تمامًا، يأتي ملاك الله إلينا
بالرحمة، كأنه مبتهج بالنسل الحقيقي لهذه
العقائد.
إعلان الخلاص
54. سنترك هذه المسائل إلى مرحلة
تالية في مناقشتنا لنفسرها بمزيد
من التفصيل في مكانها المناسب.
ولنركز الآن على الموضوع الذي
أمامنا. بعد أن اكتسب موسى قوة من
الضوء الذي تجلى له، وجاء أخوه
كحليفٍ ونصيرٍ له، أعلن للشعب
بجراءة بشرى الحرية، وذكَّرهم
بعظمة آبائهم. وعبَّر عن رأيه
بالنسبة للطريقة التي يمكن أن
يخلصوا بها من العمل الشاق في صنع
الطوب اللبن (خر 6).
55. ماذا نتعلم من هذا؟ يجب أن
نتعلم أن مَنْ لم يعد نفسه بهذا
النوع من التدريب الروحي ليُعَلِم
الجموع لا يجب أن يتحدث إلى
الناس. فإننا نرى أن موسى
عندما كان مازال صغيرًا ولم ينضج
بعد ويصل إلى درجة رفيعة في
الفضيلة، لم يبالِ الرجلان اللذان
كانا يتشاجران بنصيحته السليمة
ولم يقبلاها. ومع ذلك فبعد نزوله
من الجبل خاطب عشرات الآلاف بنفس
الطريقة. إن تاريخ موسى يوضح
لنا بجلاء أنه يجب ألا نتجرأ على
إعطاء النصائح لسامعينا في
تعليمنا لهم إلا إذا اكتملت فينا
القدرة على ذلك بالتدريب الطويل
والشاق مثلما كان لموسى.
يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: "ما
هذا الصعود إلى الكمال الذي تُظهِره هذه الكلمات؟
يلزم أن يكون اشتياقنا للأحسن دليلنا. فهو يقول:
"تعالى بنفسك" ليس لأنك حزينة أو لأنك محتاجة،
ولكن تلقائيا بنفسك، مؤكدة بتفكيرك الشخصى رغبتك
في الخير غير منقادة بالحاجة إليه. فالفضيلة يجب
أن تكون غير مفروضة وإرادية ومنزهة عن كل حاجة
مادية. كان هذا الحال مع داود الذي أدرك أن الله
يفرح فقط بما عمله بتلقائية ووعد أنه سوف يقدم
ذبائحه بتلقائية. وهكذا مع جميع القديسين الذين
قدموا أنفسهم بتلقائية إلى الله ولم يكونوا أبدا
منساقين بحاجة في أنفسهم. يجب الآن أن تُظهِروا
استعدادًا كاملاً أنكم ترغبون أن ترتفعوا إلى ما
هو أحسن."
عظة 5 على
نشيد الأناشيد ترجمة الدكتور جورج نوّار.
يبدو أن القديس غريغوريوس هو أول من جعل
العليقة رمزًا لعذراوية مريم التي لم
تتأثر بولادتها ليسوع. رأى اليهود في هذه
العليقة رمزًا لإسرائيل وقد أحاطت به
الأشواك والأتعاب التي تلحق به. وقد أخذ
بعض الآباء الأولين بذات الفكر، فرأى
العلامة ترتليان في العليقة إشارة إلى
الكنيسة التي تشتعل فيها نار الاضطهاد ولا
تبيدها، ونادى بذات الرأي القديس هيلاري
أسقف بواتييه. كما يقول القديس هيبوليتس
الروماني: [يتحدث اللَّه مع قديسيه في
الكنيسة كما في العليقة]. وكأن موسى النبي
رأى في العليقة كنيسة السيد المسيح
المتألمة تحوط بها الأشواك، لكنها ملتهبة
بنار الروح الإلهي فلا يصيبها الموت...
هذه هي الخدمة التي دعي إليها! يرى
المغبوط
أغسطينوس أنها تشير إلى مجد اللَّه الذي
حلّ في الشعب اليهودي لكنه لم يبد قسوة
قلبهم المملوءة أشواكًا. يرى القديس
إكليمنضس السكندري في العليقة إعلانًا عن
الميلاد البتولي، فقد وُلد السيد المسيح
من البتول، وبميلاده لم تُحل بتولية
العذراء.
فسرت الآية تك 3: 21 بطرقٍ مختلفة،
فذكر أوريجينوس ثلاثة تفسيرات اعترض
عليها جميعًا. 1.التفسير الحرفي الذي
لا يليق بالله. 2. تفسير الملابس على
أنها أجساد غير مضمون صحته بالنظر إلى
الآية 2: 32 في سفر التكوين. 3. إذا
كانت هذه الأقمصة أو الملابس هي الموت
فكيف يصنعها الله ولا تصنعها الخطية؟
ألا يتطلب هذا التفسير اعتبار أنه قبل
أن تدخل الخطية العالم كان اللحم
والدم غير فاسدين؟ ويفهم الربيون
الآية حرفيًا، أما القديس إكليمنضس
السكندري فيأخذ القمصان على أنها رمز
للقابلية للموت.
يقول المغبوط أغسطينوس: [إلى أي شيء
أغرت الحية الإنسان؟ إلى الموت (تك
1:3). لذلك فإن الموت جاء عن الحية...
إذن فالعصا التي صارت حية هي المسيح
الذي دخل إلى الموت...] وتحدث أيضًا
القديس إيرينئوس والقديس كيرلس
السكندري عن هذه العصا المتحولة إلى
حية كرمز للتجسد الإلهي، والقديس
يوستين والقديس أمبروسيوس كرمز
للصليب. أما العلامة ترتليان والقديس
أمبروسيوس أيضًا فرأيا فيها رمزًا
للقيامة، إذ يقول الأخير هل الذي جعل
من العصا حية ألا يقدر بإرادته
الإلهية أن يعيد العظام، وتعود الحياة
للموتى مرة أخرى؟!
|