حياة موسى أو "عن الكمال في الفضيلة"

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

الكتاب الثاني: "تأملات في حياة موسى"
الفصل الثاني *

       ثورة العدو

56. بعد أن نطق موسى بهذه الكلمات الممتازة ومنح سامعيه الحرية وقوّى رغبتهم في الحصول عليها، ثار العدو وغضب، وزاد من معاناة من استمعوا لكلام موسى. ولا يختلف ذلك عما يحدث الآن، فإن كثيرين ممن قبلوا الكلمة كمحرر لهم من الطغيان وساروا على نهج الإنجيل مازالوا مهددين من العدو (الشيطان) بهجمات الإغراءات والتجارب[1].

57. يزيد بعض هؤلاء ثباتًا في الإيمان بالقوة التي يكتسبونها من هذه الهجمات الشرسة، ولكن بعض الضعفاء ينهزمون من هذه المصائب، ويعلنون أنه كان من الأفضل لهم ألا يستمعوا لرسالة الحرية من أن يتحملوا هذه المشكلات في سبيل الحصول على الحرية.

58. حدث نفس هذا الشيء مع الإسرائيليين ذوي الأرواح الوضيعة الذين لاموا من بشَّرهم بالخلاص من العبودية (خر 5: 21). ولكن الكلمة لن يكف عن أن يقودنا نحو الصلاح، حتى ولو خاف الصغار وغير الناضجين في الفهم – كالأطفال - من الإغراءات.

       العمل في اللبن [2]

59. فإن الشيطان الذي يؤذي الناس ويفسدهم يهتم بشدة بألا يتطلع رعاياه إلى السماء، بل أن ينحنوا إلى الأرض ويصنعوا الطوب اللبن – داخل أنفسهم - من الطين. ومن الواضح للجميع أن ما ينتمي إلى المتعة المادية يتكون بالتأكيد من التراب والماء، وينطبق هذا على من يهتم بشهوة الطعام أو شهوة المال والثروة.

60. يتحول مزيج هذين العنصرين – التراب والماء - إلى طين. ومن يشتاقون إلى الملذات يكونون كمن يشتاقون إلى الطين، ويظلون يملأون أنفسهم منه، ومع ذلك لا يمتلئون أبدًا، ويصبح المكان الذي يستقبل الطين فارغًا قبل أن تصب فيه المرة التالية. وبنفس الطريقة يظل صانع الطوب يصب مزيدًا من الطين في القالب والقالب يفرغ باستمرار. ويمكن للجميع بسهولة أن يفهموا معنى هذه الصورة البلاغية بالنظر إلى الجانب الشهواني للنفس.

61. الذي يتبع رغباته وما يشتهيه إذا حقق رغبة له ثم تحول برغبته إلى شيء آخر يجد نفسه فارغًا مرة أخرى من ناحية هذا الشيء، وإذا امتلأ منه يعود فارغًا كإناء فارغ في طلب شيء آخر وهكذا. ونحن لا نتوقف عن هذا إلى أن نرحل من هذه الحياة المادية.

62. وبالنسبة للقش والتبن الذي كان يجب على الخاضعين لأوامر الطاغية أن يخلطوه بالطوب اللبن، فإن كلا من الإنجيل المقدس والصوت السامي للرسول يفسرانهما بأنهما مواد للحرق (حز 5: 4؛ مت 3: 12).

        ماء التعليم الإلهي عذب للبعض ودم لغيرهم

63. كلما أراد شخص متفوق في الفضيلة أن يجذب أولئك المستعبدين في الخداع إلى حياة فلسفية وحرة، فإن إبليس الذي يتآمر ضد أرواحنا بمكائد مختلفة (كما يقول بولس الرسول في أف 6: 11) يعرف كيف يستخدم وسائل الخداع ضد الشريعة الإلهية. وأنا أتحدث هنا عن الحيات المصرية في القصة، أي عن الخدع الشريرة المختلفة التي هزمتها عصا موسى. وقد فسرنا العصا من قبل بصورة كافية.

64. من يملك عصا الفضيلة التي لا تُهزم، التي تبتلع عصا السحرة، يتقدم على التدريب على عجائب أعظم. ولا تحدث العجائب لكي ترهب الحاضرين، لكنها لفائدة من يتم إنقاذهم. فعن طريق عجائب الفضيلة ينهزم العدو ويتقوى الشعب.

65. إذا علمنا أولاً القصد الروحي العام من عجائب الفضيلة، نستطيع عندئذ أن نطبق هذا المفهوم على كل معجزة في حد ذاتها. ويتفق الإيمان الحقيقي مع ميول من يسمعون الكلمة، فبالرغم من أن الكلمة تبين للجميع ما هو خير وما هو شر، إلا أن الشخص ذا الميول الحسنة لما يسمعه يستنير فهمه، بينما يظل كلام الجهل مخيمًا على الشخص ذي الميول العنيدة الذي لا يسمح لروحه بأن تبصر شعاع الحق. وإذا لم يكن فهمنا العام لهذه الأمور خاطئًا فإن كل أمر في حد ذاته لن يبدو مختلفًا، حيث أن الجزء يتم إظهاره وبيانه بالكل.

66. لذا ليس عجيبًا على الإطلاق ألا يتأثر العبراني، رغم معيشته في وسط غرباء، بشر المصريين. ويمكن أن نرى نفس الشيء يحدث الآن في المدن المزدحمة بالسكان ولأهلها آراء متناقضة. فبالنسبة للبعض فإن نهر الإيمان الذي يستقون منه بالتعليم الإلهي عذب وصاف، بينما بالنسبة للبعض الآخر الذين يعيشون مثل المصريين ويستقون بأهوائهم الشريرة، فإن الماء يصبح دمًا فاسدًا.

 

67. ومرات كثيرة يحاول سيد الشر والخداع أن يحول ماء العبرانيين أيضًا إلى دم بإفساده بالغش والزور، أي بإظهار عقيدتنا لنا على غير الحقيقة، ولكنه لا يستطيع أن يفسد الماء تمامًا بحيث لا يصلح للاستخدام بالمرة، حتى ولو حوله بسهولة إلى اللون الأحمر بخداعه، فإن العبراني الذي لا يلقي بالاً للخداع البصري يشرب الماء الحقيقي، حتى ولو نجح خصومه في تضليله.

       ضربة الضفادع [3]

68. وينطبق نفس الشيء على الضفادع. وهي كائنات برمائية قبيحة وصاخبة، تقفز حولها باستمرار وهي ليست قبيحة المنظر فقط، ولكن لها أيضًا جلد كريه الرائحة. دخلت هذه المخلوقات البيوت والأسرة والمخازن في بيوت المصريين، ولكنها لم تؤثر على حياة العبرانيين.

69. إن تكاثر الضفادع هو بلا شك رمز للشر المدمر الذي يتولد من القلب الشرير للإنسان كما من مستنقع وحل. وقد اجتاحت هذه الضفادع بيوت أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا عيشة المصريين، وظهرت على موائدهم وحتى على أسرتهم ودخلت مخازنهم.

70. إن حياة الشر والخلاعة حقًا تولد الشر الذي يشبه ما يخرج من الوحل. تتشبه تلك الحياة بالكائنات التي لا عقل لها، ولذلك تظل شكلاً من الحياة لا هو إنسان ولا هو ضفدعة تمامًا. إن هذا النوع من الأشخاص الذي هو إنسان بطبيعته ويتحول إلى حيوان بأهوائه يعيش حياة ثنائية لا تعرف طبيعتها، مثل البرمائيات. وتوجد أدلة هذا الشر ليس فقط في الفراش ولكن أيضًا على المائدة وفي المخزن وفي كل أرجاء البيت.

71. يظهر فساد مثل هذا الشخص في كل شيء، لذلك فمن السهل التعرف على حياة الشخص الفاسد والشخص الطاهر مما يحبونه ويمارسونه في بيوتهم. في بيت أحد هذين النوعين تجد نقوش على الحائط تثير صورها الماكرة الشهوات الحسية. تجلب هذه الأشياء الشر، ومن خلال العين تصب في الروح الأشياء المشينة التي تشاهدها العين. ولكن الإنسان الحكيم يأخذ كل حذر واحتراس ممكن في بيته ليحفظ العين طاهرة من المناظر الشهوانية.

72. بالمثل فإن مائدة الشخص الحكيم تكون طاهرة، ولكن الشخص الذي يتمرغ في الوحل يشبه الضفدعة وينتمي إلى الجسد. وإذا فتشنا مخزنه – أي الأشياء السرية والغير معلنة في حياته - تجد هناك وسط خلاعته كومًا كبيرًا من الضفادع.

       إغلاظ قلب فرعون والإرادة الحرة

73. يجب ألا نندهش إذا ذكرت لنا القصة أن عصا الفضيلة قد فعلت هذه الأشياء للمصريين، لأنها تذكر أيضًا أن الله قد أغلظ قلب فرعون (خر 9: 12 ورو 9: 17-18) كيف يمكن – إذًا - أن يُدان فرعون إذا كان الإلزام الإلهي هو الذي دفعه ليكون عنيدًا ومتصلبًا؟ في موضع آخر في الكتاب المقدس يعبر بولس الرسول عن نفس الفكرة: "وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض"، "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان" (رو 1: 28، 26)...

74. ولكن إذا كان ما سبق مذكورًا في الكتاب المقدس، وكان الله يسلم تمامًا إلى الذهن المرفوض الشخص الذي يسلم نفسه لهذا الذهن المرفوض، فإننا يجب أن نتذكر أن فرعون لم يتشدد قلبه بواسطة الإرادة الإلهية، كما أن الحياة التي تشبه حياة الضفادع لا تتولد من الفضيلة. لأنه إذا كان هذا هو ما تريده الطبيعة الإلهية، فإن أي اختيار بشري سيتبع نفس هذا المسار في كل حالة ولن يراعي أحد التفرقة بين الخير والشر في الحياة. إن الناس يختلفون في حياتهم، فيعيش بعضهم حياة استقامة في الفضيلة، بينما ينزلق البعض إلى الرذيلة. ولا يمكن بالمنطق أن نعزز هذه الاختلافات إلى إلزامٍ إلهي يخرج عن إرادة الناس، فإن في مقدور كل شخص أن يختار.

75. يعلمنا بولس الرسول بوضوح من هو الشخص الذي يسلم إلى ذهن مرفوض. إنه ذاك الذي لا يحب أن يعرف الله. إن الله يسلم إلى الأهواء والشهوات الشخص الذي لا يحميه الله، لأنه لا يعترف بالله، فعندما لا يعترف الإنسان بالله في حياته يكون ذلك هو السبب في سقوطه في حياة الشهوات والخطية.

76. يشبه ذلك شخصًا لا يرى الشمس ويلومها لأنها تسببت في سقوطه في حفرة، فلا يمكننا أن نقول أن الشمس تغضب ممن لا يريد أن ينظر إليها وتدفعه ليسقط في الحفرة، وإنما نفسر هذه العبارة بطريقة منطقية على أن عدم السير في نور الشمس هو الذي يسبب سقوط هذا الشخص في الحفرة. ويوضح لنا هذا فكرة بولس الرسول، فإن من لا يعترفون بالله في حياتهم يسلمون إلى الأهواء المرفوضة. وكذلك فإن فرعون قد أغلظ قلبه ليس لأن الإرادة الإلهية قد وضعت المقاومة في روح فرعون، ولكن لأن إرادة فرعون الحرة الميالة للشر لم تقبل الكلمة التي تخفف من هذه المقاومة.

77. وبنفس الطريقة أيضًا، فإن عصا الفضيلة عندما ظهرت بين المصريين فقد طهرت العبرانيين من حياة الشر التي تشبه حياة الضفادع، بينما أظهرت أن المصريين ممتلئون من هذا الشر.

78. عندما مد موسى يديه لإنقاذ المصريين، هلكت الضفادع في الحال. ويمكن أن نرى هذا يحدث الآن أيضًا، فإنكم بالتأكيد تدركون معنى اليدين الممتدتين لمعطي الناموس (موسى)، فإن هذا يرمز لمعطي الناموس الحقيقي (يسوع المسيح) ويديه الممدودتين على الصليب. إن المصريين الذين عاشوا فترة قصيرة يعانون من الضفادع قد خلصوا من هذا الشر عندما نظروا إلى يدي موسى الممدودتين، وكذلك فإن أولئك الذين يعيشون فترة مع أفكار شريرة تشبه الضفادع إذا نظروا إلى ذلك الذي مد يديه على الصليب من أجلنا فإنهم يتحررون من حياتهم الشريرة حيث تموت أهواهم وتنتن.

79. في الحقيقة، بعد موت الشهوات التي تشبه الضفادع فإنه بالنسبة لمن خلصوا من هذا الوباء تصبح حياتهم السابقة ذكرى شريرة وكريهة تثير الاشمئزاز والخجل في النفس. وفي ذلك يقول بولس الرسول لمن تغيرت حياتهم من الشر إلى الفضيلة: "فأي ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن؟" (رو 6: 21).

       محنة الظلام

80. ويتفق مع تأملي هذا أن نتأمل الجو الذي أظلم في عيون المصريين بفعل العصا، بينما كانت عيون العبرانيين ترى الشمس مضيئه. وهذا الحدث يؤكد المعنى الذي أسلفناه، فلم تكن هناك قوة إجبارية من أعلى هي التي سببت أن يوجد المصريون في ظلام والعبرانيون في النور، ولكن يوجد فينا نحن البشر، في طبيعتنا واختيارنا ذاتهما أسباب النور والظلام، حيث أننا نضع أنفسنا حيث نريد أن نكون، في النور أو في الظلام.

81. طبقًا للقصة، فإن عيون المصريين لم تكن في الظلام بسبب وجود حائط أو جبل يحجب الرؤية ويظلم أشعة النور، ولكن الشمس كانت تلقي بأشعتها على الجميع على السواء، المصريين والعبرانيين. وبينما كان العبرانيون يستمتعون بنورها، كان المصريون لا يشعرون به. وبالمثل فإن الحياة المستنيرة متاحة للجميع بالتساوي، ولكن حسب قدراتهم، فإن البعض يستمرون في الظلام مدفوعين بأعمالهم الشريرة إلى ظلمة الشر، بينما يشع البعض الآخر بنور الفضيلة...

       ضربة البثور

83. بنفس الطريقة يمكننا أن ندرك المعنى الحقيقي لـ"رماد الأتون" الذي يخبرنا الكتاب بأنه سبب دمامل وبثورًا للمصريين. ويرمز الأتون لعقاب النار في جهنم التي تؤثر فقط على من يقلدون المصريين في حياتهم.

84. وإذا كان الشخص إسرائيليًا حقًا، وابنًا لإبراهيم، يتطلع إليه كمثال في حياة بحيث يظهر بإرادته الحرة انتمائه لشعب الله المختار، فلن تؤذيه النار المؤلمة...

85.  والمتتبع لتأملاتنا السابقة لن يجد صعوبة في تفسير مفهوم كل ضربه من الضربات التي نزلت بالمصريين: البعوض الذي عذب المصريين بلدغاته غير المرئية والذباب الذي التصق بأجسامهم وسبب لهم آلامًا والمحاصيل التي أكلها الجراد والعواصف من السماء التي سببت نزول البرد.

86. طبقًا للمبدأ الذي أسلفناه، فقد كانت إرادة المصريين الحرة هي سبب كل تلك الضربات، وتبعًا لاختيارهم الحر فإن عدالة الله غير المتحيزة قد أحلت عليهم ما كانوا يستحقونه. وفي قراءتنا للنص يجب ألا نستنتج أن هذه الضربات التي حلت بمن يستحقونها جاءت مباشرة من الله، بل يجب أن نلاحظ أن كل إنسان يجلب على نفسه الضربات بإرادته الحرة بسبب ميوله. ويخاطب بولس الرسول مثل هذا الشخص، قائلاً: "ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة، الذي يجازي كل واحد حسب أعماله" (رو 2 : 5 الخ).

 

87. يشبه ما نتحدث عنه مرض الصفراء[4] المدمر في بطن الإنسان بسبب حياة الانحلال. وعندما يعطي الطبيب أدوية تسبب القيء، فإن ليس سبب المرض في الجسم، بل على العكس، فإن عادات الأكل الفوضوية وغير الملتزمة هي التي تسبب المرض، وكل ما فعله الطب هو أنه أظهره. وبنفس الطريقة، حتى عندما نقول أن الانتقام المباشر يحل من الله على من يسيئون استخدام إرادتهم الحرة، فمن المنطقي أن نلاحظ أن أصل وسبب هذه المعاناة هو في أنفسنا.

88. وبالنسبة لمن يعيش بلا خطية فليس هناك ظلام ولا دود ولا جهنم ولا أي شيء من هذه الأشياء المخيفة، فإن الكتاب يخبرنا أن الضربات التي حلت بمصر لم تكن موجهة للعبرانيين. وحيث أنه في نفس المكان يأتي الشر لشخص وليس للآخر حيث يختلفان عن بعضهما باختلاف اختياراتهما الحرة فمن الواضح أنه لا يمكن أن يحل بنا شر ألا باختيارنا الحر.

       موت الأبكار

 89. نتابع النص الآن؛ لقد علمنا ما رأيناه حتى الآن أن موسى (ومن يسمو بنفسه بالفضيلة على مثال موسى) وعندما موت روحه (عن أعمال الإنسان القديم) بالتدريب الطويل والحياة السامية، ومن خلال النور الآتي من فوق، اعتبرها خسارة ألا يقود مواطنيه إلى حياه الحرة.

90. وعندما أتى إليهم غرس فيهم رغبة أقوى في الحرية بأن أراهم المعاناة التي كان يعانيها المصريون والتي كانت أشد من معاناتهم. ولكي يخلص أهل بلده من الشر جلب على المصريين الموت لكل بكر يولد في مصر. وبهذا أرسى لنا مبدأ وهو أنه من الضروري تمامًا أن نقضي على كل أبكار الشر، ومن المستحيل الهروب من الحياة في مصر بأية طريقه أخرى.

91. لا استحسن أن أمر سريعًا على هذا التفسير بدون مزيد من التأمل فلا يمكن الحفاظ على مفهوم يستحق أن ينسب إلى الله بمجرد ذكر وصف الأحداث التاريخية. فعلى سبيل المثال نجد أن المصريين يتصرفون تصرفات ظالمة ولكن أبكارهم يعاقبون، وهم الذين كانوا كأطفال لا يستطيعون أن يميزوا بين الخير والشر. لم يجربوا الشر في حياتهم، لأن الطفولة ليس فيها شهوة وأهواء، وهم كأطفال لا يستطيعون التمييز بين اليد اليمنى واليسرى (قارن يونان 4: 11). إن الطفل الرضيع يرفع عينيه فقط إلى صدر أمه. والدموع هي العلامة الوحيدة للحزن عنده، وإذا نال أي شيء ترغبه طبيعته، فإنه يعبر عن سروره بالابتسامة. إذا كان على مثل هذا الرضيع أن يدفع عقوبة الشر الذي ارتكبه والده، فأين العدل إذًا؟ أين التقوى؟ أين القداسة؟ أين حرقيال الذي ينادي: "النفس التي تخطئ هي تموت، الابن لا يحمل إثم الأب؟ كيف يمكن للتاريخ أن يناقض العقل والمنطق بهذا الشكل؟

92. لذلك فعندما ننظر في الأمر باحثين عن المعنى الروحي الحقيقي لنقرر إذا كانت الأحداث قد حدثت بصورة رمزية، يجب أن يكون لدينا استعداد للاعتقاد بأن معطي الناموس (موسي) كان من يعلَّم من خلال ما يقال. والتعليم هو ما يلي: يجب على الإنسان إذا أدرك أو تعرَّف على أي شر- عن طريق الفضيلة – أن يقضي تمامًا على أية بدايات للشر.

93. لأنه عندما يقضي على البداية، فإنه في نفس الوقت يقضي على ما يأتي بعدها. ويُعَلِم الرب نفس الشيء في الكتاب المقدس، فيدعونا بطريقه غير مباشرة أن نقتل أبكار الشرور المصرية عندما يوصينا بالابتعاد عن الشهوة والغضب وألا نخاف بعد من عار الزنا أو ذنب القتل (مت 5: 22، 28) لا شيء من هذه الخطايا يتولد من تلقاء نفسه ولكن الغضب يولد القتل، والشهوة تولد الزنا.

94. وحيث أن فاعل الشر تتولد لديه الشهوة قبل الزنا والغضب قبل القتل، فعندما يقتل الأبكار سيقتل بالتأكيد الذرية التي كانت ستأتي منها. ولنأخذ الثعبان كمثال، فإننا عندما نسحق رأسه نقتل باقي الجسم في نفس الوقت.

95. كان إهلاك الأبكار لو لم يرش الدم على الأبواب (خر 12: 23)، لأنه يمنع الهلاك. وإذا أردنا أن نعرف المعنى المقصود هنا بتفصيل أكثر، فإن التاريخ يقدم لنا هذه الفكرة عن طريق كلٍ من الأبكار وتأمين الأبواب بالدم. في حالة قتل الأبكار يتم القضاء علي أول دافعٍ للشرٍ. وفي حالة رش الدم يتم صد أول هجوم للشر للدخول فينا، وذلك بواسطة الحمل الحقيقي. فإنه في حالة دخول العدو المدمر لا نصده بوسائلنا الخاصة، ولكننا نقيم دفاعنا بواسطة الناموس لنمنعه من أن يحتل مكانًا بيننا.

96. نقرأ في الكتاب المقدس أن السلامة والأمان هي في رش العتبة العليا والقائمتين للباب بدم الحمل[5]. وبينما يهيئ لنا الكتاب بالصور الرمزية فهمًا علميًا لطبيعة النفس، فإن التعليم العلماني أيضًا يفعل نفس الشيء، ويقسم النفس إلى ثلاث أجزاء: عقلاني وعاطفي وروحي. ويوجد الجزءان العاطفي والروحي أسفل الجزء العقلاني يساندانه. ويتصل الجزء العقلاني بهما بحيث يمسكهما معًا في نفس الوقت الذي يزعجانه فيه، وبحيث يتدرب الجزء العقلاني على الشجاعة بواسطة الجزء الروحي ويرفعه الجزء العاطفي للمشاركة في الخير.

97. طالما ظلت النفس في أمان بهذه الطريقة تحافظ على تماسكها بالأفكار الفاضلة كما لو كانت ممسكة بمسامير تثبت، فإن جميع الأجزاء ستتعاون معًا للخير. سيقوم الجزء العقلاني بتوفير الأمان للعناصر المساندة له وفي نفس الوقت يفيد منها بنفس الدرجة.

98. ولكن إذا اختل هذا الترتيب وانقلب الأعلى أسفل، والأسفل أعلى، ونزل العقلاني من أعلى إلى أسفل[6]، وداسه الطبع العاطفي والروحي، وعندئذ سيتسلل العدو المدمر إلى الداخل، ولن تكون هناك مقارنة من الدم لدخوله، أي أن الإيمان بالمسيح لن يثبت مع من لهم هذا الطبع (المختل).

99.  يقول الكتاب أنه يجب رش العتبة العليا أولاً بالدم ثم القائمتين. كيف يستطيع الإنسان أن يمسح العتبة العليا أولاً إلا إذا كانت موجودة أعلى الباب؟

100. ولا ينبغي أن تدهش على الإطلاق إذا كان موت الأبكار وسفك الدم لم يحدثا للإسرائيليين، وبناء على ذلك ترفض التأمل الذي أوردناه بخصوص القضاء على الشر – كأن هذا شيء مختلق لا أساس له من الصحة. فإن الاختلاف بين الإسرائيليين والمصريين هو اختلاف بين الخير والشر، وحيث أن المعنى الروحي يوضح لنا أن الإسرائيليين كانوا يمثلون الفضيلة، لذلك يجب ألا نتطلب إهلاك أبكار الفضيلة، بل أبكار أولئك الذين يفيد هلاكهم أكثر من تكاثرهم.

101. لذلك يعلمنا الله أنه يجب أن نقضي على أبكار الشر (المقابلين لأبكار المصريين) بحيث نضع نهاية للشر بالقضاء على بداياته. ويتفق هذا الفكر مع التاريخ. فعن طريق رش الدم تمّت حماية أولاد الإسرائيليين حتى يبقى الخير ويصل للنضوج ويكثر. ولكن تم القضاء على أطفال المصريين قبل أن يصلوا للنضوج ويكثر الشر.

        الرحيل من مصر

102. يتفق ما يلي مع فهمنا الروحي للنص، فإن الكتاب المقدس يتطلب أن يصبح جسم الحمل – الذي رُش دمه علي الأبواب، وحمى الشعب من هلاك الأبكار – هو طعامنا.

103. كان على من يأكلون هذا الطعام (الحمل) أن يكون سلوكهم عمليًا وجديًا، ليس مثل سلوك الذين يستمتعون بالطعام في الولائم، الذين يجلسون في استرخاء وملابس مرخاة وأقدامهم غير مستعدة للسفر، بل على العكس كانت أحذيتهم في أرجلهم وأحقاؤهم مشدودة بأحزمة وعصيهم في أيديهم لطرد الكلاب.

104. كان اللحم يقدم لمثل هؤلاء الناس المستعدين للسفر بدون توابل وصلصات معدة بإتقانٍ ولكن مشويًا على أي نار متاحة. وكان الضيوف يأكلون بسرعة حتى يستهلكوا جسم الحيوان بأكمله. كانوا يأكلون كل ما يمكن أكله حول العظام ولكنهم لم يمسوا الأحشاء وكان ممنوعًا أن يكسروا أي عظام، بل ما يتخلف يحرق بالنار.

105. يتضح من هذا كله أن النص الحرفي يهدف إلى أن يوضح أشياء أسمى ومفهومًا أعلى، حيث أن الناموس الإلهي لا يعلمنا كيف نأكل (الطبيعة التي تغرس فينا الرغبة في الطعام هي شرع كاف لمثل هذه الأمور). وتعني القصة شيئًا مختلفًا. فما أهمية أن تأكل طعامك بهذه الطريقة أو تلك بالنسبة للفضيلة أو أن تكون الأحقاء مشدودة أو مرخاة، أو تكون القدمان عاريتين أو بهما أحذية، أن تكون عصاك في يدك أو موضوعة جانبًا؟

106. المعنى الرمزي لاستعداد المسافر واضح. إنه أمر صريح لنا بأن ندرك ونعترف بأن حياتنا الحاضرة هي حياة عابرة. وعند مولدنا تدفعنا طبيعة الأمور نحو الرحيل، فيجب أن نعد أنفسنا بعناية له، وأيدينا وأقدامنا وباقي الأشياء.

       أحذيتهم في أرجلهم

107. لكي لا تؤذي أشواك هذه الحياة أقدامنا العارية (الأشواك هي الخطايا)، يجب أن نغطيها بأحذية. والأحذية هي الحياة الصارمة التي يتحكم فيها الإنسان في نفسه وهذه الأحذية تكسر أطراف الأشواك، وتمنع الخطية من التسلل سرًا داخل حياتنا.

       أحقاؤهم مشدودة بأحزمة

108. إن إرخاء العباءة إلى أسفل فوق القدمين ووصولها إلى النعلين يمنع أي شخص من أن ينهي المسار الإلهي بمثابرة، والعباءة هنا هي الاستمتاع الكامل بمباهج الحياة الأرضية، والمنطقة (الحزام) هنا هو العقل الحكيم الذي يشد العباءة إلى أقصى حد ممكن. والمكان الذي تلتف حوله المنطقة (الحزام) يبين أن المقصود بها الحكمة. والعصا التي تستخدم لطرد الحيوانات هي رسالة الرجاء التي تساند بها تعب الروح (ونطرد) ونبعد ما يهددنا (قارن 1 بط 1: 13).

       شيِّ الطعام على النار

109. يرمز الطعام الذي يوضع أمامنا بعد شيِّه على النار إلى الإيمان الحار القوي الذي نتسلمه بدون أن نفكر فيه. ونحن نلتهم منه ما يؤكل بسهولة، ولكن نترك جانبًا المعتقدات المخفية داخل الأفكار التي تعتبر صعبة دون بحثها بدقة أو السعي لمعرفة المزيد عنها، وبدلاً من أكلها نتركها للنار.

110. لكي نوضح هذه الصور، دعنا نشرح أن أي أوامر إلهية ندركها ونفهمها بسهولة يجب أن نتبعها بحماسٍ وليس بكسلٍ وتراخٍ أو بالإكراهٍ، بل نكون مثل الجائعين الذين يملأون بطونهم بشغفٍ بالأشياء التي توضع أمامهم، فيكون الطعام زادًا لصحتهم. ولكن يجب ألا نفكر في أشياء تتجاوز فهمنا – مثل الأسئلة التالية: ما هو جوهر الله؟ ماذا كان يوجد قبل الخليقة؟ ماذا يوجد خارج العالم المرئي؟ ماذا يجعل الأشياء تحدث؟ وأشياء أخرى مماثله تسعى إليها العقول المحبة للاستطلاع يجب أن نترك هذه الأشياء ليعرفها لنا الروح القدس فقط "لأنه الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله"، كما يقول الرسول (1 كو 2 : 10)

 

111. إن أي شخص تعلم الكتاب المقدس لابد أنه يعرف بالتأكيد أن الكتاب يفكر في الروح ويصفه على أنه "نار[7]"، ويقودنا إلى هذا الفهم ما تعلنه لنا الحكمة: "لا تحاول أن تفهم الأشياء البالغة الصعوبة بالنسبة لك" – أي لا تكسر عظام الكتاب المقدس، لأنه لا داعي لأن ترى بعينيك الأشياء المخفية[8].

       ثروة مصر والتعليم العلماني

112. قاد موسى الشعب إلى خارج مصر، وبالمثل فإن كل من يتبع خطوات موسى يخَّلص كل من يستمعون إلى كلماته من الطاغية المصري. وكل من يتبع القائد إلى الفضيلة – يجب - في رأيي- ألا تنقصه ثروة مصر أو يكون محرومًا من كنوز الغرباء، ولكن يجب عليه أن يحصل عليها ويستخدمها لمنفعته. وهذا هو بالضبط ما أمر موسى الشعب أن يفعله.

113. كان لا يمكن لأي شخص يسمع هذا الكلام بدون تعمق أن يقبل نصيحة موسى عندما طلب من الشعب أن يسرقوا، وبذلك أصبح قائدًا لهم في عمل الخطية. وعند النظر إلى الشرائع التي تلت ذلك نجد أنها من البداية إلى لنهاية تمنع عمل الخطية، فكان لا يمكن لمن يدرك ذلك أن يقول أن موسى قد أمر بأخذ الأشياء من المصريين بهذه الطريقة[9].

114. ... فالشخص الذي يستعير شيئًا ولا يرده هو مخادع. وإذا اقترض شيئًا لا يخصه ولم يرده فهو مخطئ، لأنه يمارس الخداع، وحتى لو اقترض شيئًا مفروض أنه يستحقه فإنه يدعى مخادعًا أيضًا لأنه ضلل من اقترضه منه وأعطاه أملاً أنه سيرده.

115. لذلك فإن المعنى الأسمى مناسب أكثر من المعنى الظاهر. وهذا المعنى هو أمر لمن يشاركون في حياة الحرية عن طريق الفضيلة بأن يتزودوا بأنه أيضًا بثروة التعليم الوثني من الأجانب، والذي يتحلى به غير المؤمنين. ويأمرنا مرشدنا في الفضيلة بأن "نستعير[10]" من المصريين الأثرياء (الغرباء الوثنيين) أشياء مثل الفلسفة الأخلاقية والطبيعية، والهندسة، والفلك والمنطق وأي شيء آخر يسعى من هم خارج الكنيسة لتعلمه، حيث أن هذه الأشياء تنفع عندما يحل الوقت المناسب لتجميل المقدس الإلهي بثروات العقل.

116. بعد أن أخذ الإسرائيليون هذه الثروات سلموها إلى موسى وهو يعمل في إنشاء خيمة الاجتماع، مساهمين كل واحدٍ بنصيبه الشخصي في بناء الأماكن المقدسة. ويمكن أن نرى هذا يحدث الآن، فإن كثير من الناس يهبون كنيسة الله عطايا من التعليم العلماني، مثلما فعل باسيليوس العظيم الذي اكتسب الثروات المصرية من جميع النواحي في شبابه وخصص هذه الثروة لله لتزيين الكنيسة، التي هي خيمة الاجتماع الحقيقية.


 

 



* الفصول من وضع الموقع.

[1] يقول العلامة أوريجينوس [حقًا قبل أن نعرف الكرازة لا نوجد الضيقات والتجارب. لا تبدأ الحرب قبل أن يبوّق بالبوق. لكن ما أن يبوّق بوق الكرازة حتى تُعطى العلامة للحرب (الروحية) وتحل الضيقة]. [قبل أن تبدأ معارك الفضائل ضد الرذائل... تعيش الرذائل في سلامٍ داخل نفسك. لكن إذ تبدأ محاكمة كل رذيلة تحدث حركة واسعة وتتولد داخلك حرب بلا هوادة، لأنه أية خلطة للبرّ مع الإثم، للزنا مع العفة، للحق مع الضلال؟ إذن لا تضطرب كثيرًا إن كانت رائحتنا قد أنتنت أمام فرعون، لأن رائحة الفضيلة عند الرذيلة هي نتانة.] In Exodus 3:3

[2] يرى أوريجينوس أن صناعة الطوب اللبن تمثل الشهوة، التي تبحث دائمًا عن إشباع في المتعة ولكنها لا تصل إليه أبدًا.

[3] يرى المغبوط أغسطينوس أنها تشير إلى كثيري التكلم بالأمور الباطلة غير النافعة، ويرى العلامة أوريجينوس أنها تشير إلى أغاني الشعراء التي هي كنقيق الضفادع تقدم أمواتًا ملتوية ومزعجة بلا عمل، لذلك يليق بالمؤمن أن يتخلص بصليب السيد المسيح من الكلام الباطل الذي بلا عمل.

[4] يشير هنا إلى مرضٍ ربما كان منتشرًا في أيامه.

[5] يقول لاكتانتيوس: [خلص العبرانيون وحدهم بواسطة علامة الدم، ليس لأن دم الخروف في ذاته له فاعلية لخلاص البشر، وإما كان رمزًا للدهور المقبلة.] ويتحدث القديس هيبوليتس الروماني عن قوة علامة الدم قائلاً: أنها توضع [في البيوت كما في النفوس حيث يجد فيها روح الرب مسكنه المقدس]. كما يقول أن [الدم على العتبة العليا كما على الكنيسة، وعلى القائمتين كما في الشعبين (اليهود والأمم).]

[6] ربما يقصد هنا بالعقلانية الإيمان والعبادة بالذهن المقدس ولي بالعاطفة المجردة دون تفكيرٍ.

[7] النار هنا هي الروح القدس.

[8] في سفر الجامعة 3: 21 و 22 تعليم للإنسان ألا يحاول فهم الأشياء الصعبة ورؤية الأشياء المخفية، وهذا هو ما يرمز إليه أكل الخروف بسرعة وبدون كسر العظام.

[9] تفسير أخذ الإسرائيليين لما طلبوه من المصريين على أنه استرداد لحقوقهم مذكور في فيلون وإكليمنضس السكندري وايرينيئوس وترتليان. وبينما يذكر القديس غريغوريوس في الكتاب الأول بند 29 أن الإسرائيليين أخذوا ثروة المصريين بحجة استعارتها، فإنه هنا يركز على أن المعنى الروحي فقط هو المقبول.

[10] يحرص القديس غريغوريوس على أن يبين أن التعليم الوثني يجب قبوله بحرص وتمييز.