موت الأبكار
89.
نتابع النص الآن؛ لقد علمنا ما
رأيناه حتى الآن أن موسى (ومن
يسمو بنفسه بالفضيلة على مثال
موسى) وعندما موت روحه (عن أعمال
الإنسان القديم) بالتدريب الطويل
والحياة السامية، ومن خلال النور
الآتي من فوق، اعتبرها خسارة ألا
يقود مواطنيه إلى حياه الحرة.
90. وعندما أتى إليهم غرس فيهم
رغبة أقوى في الحرية بأن أراهم
المعاناة التي كان يعانيها
المصريون والتي كانت أشد من
معاناتهم. ولكي يخلص أهل بلده من
الشر جلب على المصريين الموت لكل
بكر يولد في مصر. وبهذا أرسى
لنا مبدأ وهو أنه من الضروري
تمامًا أن نقضي على كل أبكار
الشر، ومن المستحيل الهروب من
الحياة في مصر بأية طريقه أخرى.
91. لا استحسن أن أمر سريعًا على
هذا التفسير بدون مزيد من التأمل
فلا يمكن الحفاظ على مفهوم يستحق
أن ينسب إلى الله بمجرد ذكر وصف
الأحداث التاريخية. فعلى سبيل
المثال نجد أن المصريين يتصرفون
تصرفات ظالمة ولكن أبكارهم
يعاقبون، وهم الذين كانوا كأطفال
لا يستطيعون أن يميزوا بين الخير
والشر. لم يجربوا الشر في حياتهم،
لأن الطفولة ليس فيها شهوة
وأهواء، وهم كأطفال لا يستطيعون
التمييز بين اليد اليمنى واليسرى
(قارن
يونان 4: 11).
إن الطفل الرضيع يرفع عينيه فقط
إلى صدر أمه. والدموع هي العلامة
الوحيدة للحزن عنده، وإذا نال أي
شيء ترغبه طبيعته، فإنه يعبر عن
سروره بالابتسامة. إذا كان على
مثل هذا الرضيع أن يدفع عقوبة
الشر الذي ارتكبه والده، فأين
العدل إذًا؟ أين التقوى؟ أين
القداسة؟ أين حرقيال الذي ينادي:
"النفس التي تخطئ هي تموت، الابن
لا يحمل إثم الأب؟ كيف يمكن
للتاريخ أن يناقض العقل والمنطق
بهذا الشكل؟
92. لذلك فعندما ننظر في الأمر
باحثين عن المعنى الروحي الحقيقي
لنقرر إذا كانت الأحداث قد حدثت
بصورة رمزية، يجب أن يكون لدينا
استعداد للاعتقاد بأن معطي
الناموس (موسي) كان من يعلَّم من
خلال ما يقال. والتعليم هو ما
يلي: يجب على الإنسان إذا أدرك
أو تعرَّف على أي شر- عن طريق
الفضيلة – أن يقضي تمامًا على أية
بدايات للشر.
93. لأنه عندما يقضي على البداية،
فإنه في نفس الوقت يقضي على ما
يأتي بعدها. ويُعَلِم الرب نفس
الشيء في الكتاب المقدس،
فيدعونا بطريقه غير مباشرة أن
نقتل أبكار الشرور المصرية عندما
يوصينا بالابتعاد عن الشهوة
والغضب وألا نخاف بعد من عار
الزنا أو ذنب القتل (مت
5: 22، 28)
لا شيء من هذه الخطايا يتولد من
تلقاء نفسه ولكن الغضب يولد
القتل، والشهوة تولد الزنا.
94. وحيث أن فاعل الشر تتولد لديه
الشهوة قبل الزنا والغضب قبل
القتل، فعندما يقتل الأبكار سيقتل
بالتأكيد الذرية التي كانت ستأتي
منها. ولنأخذ الثعبان كمثال،
فإننا عندما نسحق رأسه نقتل باقي
الجسم في نفس الوقت.
95. كان إهلاك الأبكار لو لم يرش
الدم على الأبواب (خر
12: 23)،
لأنه يمنع الهلاك. وإذا أردنا أن
نعرف المعنى المقصود هنا بتفصيل
أكثر، فإن التاريخ يقدم لنا هذه
الفكرة عن طريق كلٍ من الأبكار
وتأمين الأبواب بالدم. في حالة
قتل الأبكار يتم القضاء علي أول
دافعٍ للشرٍ. وفي حالة رش الدم
يتم صد أول هجوم للشر للدخول
فينا، وذلك بواسطة الحمل الحقيقي.
فإنه في حالة دخول العدو المدمر
لا نصده بوسائلنا الخاصة، ولكننا
نقيم دفاعنا بواسطة الناموس
لنمنعه من أن يحتل مكانًا بيننا.
96. نقرأ في الكتاب المقدس أن
السلامة والأمان هي في رش العتبة
العليا والقائمتين للباب بدم
الحمل.
وبينما يهيئ لنا الكتاب بالصور
الرمزية فهمًا علميًا لطبيعة
النفس،
فإن التعليم العلماني أيضًا
يفعل نفس الشيء، ويقسم النفس إلى
ثلاث أجزاء: عقلاني وعاطفي وروحي.
ويوجد الجزءان العاطفي والروحي
أسفل الجزء العقلاني يساندانه.
ويتصل الجزء العقلاني بهما بحيث
يمسكهما معًا في نفس الوقت الذي
يزعجانه فيه، وبحيث يتدرب الجزء
العقلاني على الشجاعة بواسطة
الجزء الروحي ويرفعه الجزء
العاطفي للمشاركة في الخير.
97. طالما ظلت النفس في أمان بهذه
الطريقة تحافظ على تماسكها
بالأفكار الفاضلة كما لو كانت
ممسكة بمسامير تثبت، فإن جميع
الأجزاء ستتعاون معًا للخير.
سيقوم الجزء العقلاني بتوفير
الأمان للعناصر المساندة له وفي
نفس الوقت يفيد منها بنفس الدرجة.
98. ولكن إذا اختل هذا الترتيب
وانقلب الأعلى أسفل، والأسفل
أعلى، ونزل العقلاني من أعلى إلى
أسفل،
وداسه الطبع العاطفي والروحي،
وعندئذ سيتسلل العدو المدمر إلى
الداخل، ولن تكون هناك مقارنة من
الدم لدخوله، أي أن الإيمان
بالمسيح لن يثبت مع من لهم هذا
الطبع (المختل).
99. يقول الكتاب أنه يجب رش
العتبة العليا أولاً بالدم ثم
القائمتين. كيف يستطيع الإنسان أن
يمسح العتبة العليا أولاً إلا إذا
كانت موجودة أعلى الباب؟
100. ولا ينبغي أن تدهش على
الإطلاق إذا كان موت الأبكار وسفك
الدم لم يحدثا للإسرائيليين،
وبناء على ذلك ترفض التأمل الذي
أوردناه بخصوص القضاء على الشر –
كأن هذا شيء مختلق لا أساس له من
الصحة. فإن الاختلاف بين
الإسرائيليين والمصريين هو اختلاف
بين الخير والشر، وحيث أن المعنى
الروحي يوضح لنا أن الإسرائيليين
كانوا يمثلون الفضيلة، لذلك يجب
ألا نتطلب إهلاك أبكار الفضيلة،
بل أبكار أولئك الذين يفيد هلاكهم
أكثر من تكاثرهم.
101. لذلك يعلمنا الله أنه يجب أن
نقضي على أبكار الشر (المقابلين
لأبكار المصريين) بحيث نضع نهاية
للشر بالقضاء على بداياته. ويتفق
هذا الفكر مع التاريخ. فعن طريق
رش الدم تمّت حماية أولاد
الإسرائيليين حتى يبقى الخير ويصل
للنضوج ويكثر. ولكن تم القضاء على
أطفال المصريين قبل أن يصلوا
للنضوج ويكثر الشر.
الرحيل من مصر
102. يتفق ما يلي مع فهمنا
الروحي للنص، فإن الكتاب
المقدس يتطلب أن يصبح جسم
الحمل – الذي رُش دمه علي
الأبواب، وحمى الشعب من هلاك
الأبكار – هو طعامنا.
103. كان على من يأكلون
هذا الطعام (الحمل) أن يكون
سلوكهم عمليًا وجديًا، ليس
مثل سلوك الذين يستمتعون
بالطعام في الولائم، الذين
يجلسون في استرخاء وملابس
مرخاة وأقدامهم غير مستعدة
للسفر، بل على العكس كانت
أحذيتهم في أرجلهم وأحقاؤهم
مشدودة بأحزمة وعصيهم في
أيديهم لطرد الكلاب.
104. كان اللحم يقدم لمثل
هؤلاء الناس المستعدين للسفر
بدون توابل وصلصات معدة
بإتقانٍ ولكن مشويًا على أي
نار متاحة. وكان الضيوف
يأكلون بسرعة حتى يستهلكوا
جسم الحيوان بأكمله. كانوا
يأكلون كل ما يمكن أكله حول
العظام ولكنهم لم يمسوا
الأحشاء وكان ممنوعًا أن
يكسروا أي عظام، بل ما يتخلف
يحرق بالنار.
105. يتضح من هذا كله أن النص
الحرفي يهدف إلى أن يوضح
أشياء أسمى ومفهومًا أعلى،
حيث أن الناموس الإلهي لا
يعلمنا كيف نأكل (الطبيعة
التي تغرس فينا الرغبة في
الطعام هي شرع كاف لمثل هذه
الأمور). وتعني القصة شيئًا
مختلفًا. فما أهمية أن تأكل
طعامك بهذه الطريقة أو تلك
بالنسبة للفضيلة أو أن تكون
الأحقاء مشدودة أو مرخاة، أو
تكون القدمان عاريتين أو بهما
أحذية، أن تكون عصاك في يدك
أو موضوعة جانبًا؟
106. المعنى الرمزي لاستعداد
المسافر واضح. إنه أمر صريح
لنا بأن ندرك ونعترف بأن
حياتنا الحاضرة هي حياة
عابرة. وعند مولدنا تدفعنا
طبيعة الأمور نحو الرحيل،
فيجب أن نعد أنفسنا بعناية
له، وأيدينا وأقدامنا وباقي
الأشياء.
أحذيتهم في أرجلهم
107. لكي لا تؤذي أشواك هذه
الحياة أقدامنا العارية
(الأشواك هي الخطايا)، يجب أن
نغطيها بأحذية. والأحذية هي
الحياة الصارمة التي يتحكم
فيها الإنسان في نفسه وهذه
الأحذية تكسر أطراف الأشواك،
وتمنع الخطية من التسلل سرًا
داخل حياتنا.
أحقاؤهم
مشدودة بأحزمة
108. إن إرخاء العباءة إلى
أسفل فوق القدمين ووصولها إلى
النعلين يمنع أي شخص من أن
ينهي المسار الإلهي بمثابرة،
والعباءة هنا هي الاستمتاع
الكامل بمباهج الحياة
الأرضية، والمنطقة (الحزام)
هنا هو العقل الحكيم الذي يشد
العباءة إلى أقصى حد ممكن.
والمكان الذي تلتف حوله
المنطقة (الحزام) يبين أن
المقصود بها الحكمة. والعصا
التي تستخدم لطرد الحيوانات
هي رسالة الرجاء التي تساند
بها تعب الروح (ونطرد) ونبعد
ما يهددنا (قارن
1 بط 1: 13).
شيِّ الطعام على النار
109. يرمز الطعام الذي يوضع
أمامنا بعد شيِّه على النار
إلى الإيمان الحار القوي
الذي نتسلمه بدون أن نفكر
فيه. ونحن نلتهم منه ما يؤكل
بسهولة، ولكن نترك جانبًا
المعتقدات المخفية داخل
الأفكار التي تعتبر صعبة دون
بحثها بدقة أو السعي لمعرفة
المزيد عنها، وبدلاً من أكلها
نتركها للنار.
110. لكي نوضح هذه الصور،
دعنا نشرح أن أي أوامر إلهية
ندركها ونفهمها بسهولة يجب أن
نتبعها بحماسٍ وليس بكسلٍ
وتراخٍ أو بالإكراهٍ، بل نكون
مثل الجائعين الذين يملأون
بطونهم بشغفٍ بالأشياء التي
توضع أمامهم، فيكون الطعام
زادًا لصحتهم. ولكن يجب ألا
نفكر في أشياء تتجاوز فهمنا –
مثل الأسئلة التالية: ما هو
جوهر الله؟ ماذا كان يوجد قبل
الخليقة؟ ماذا يوجد خارج
العالم المرئي؟ ماذا يجعل
الأشياء تحدث؟ وأشياء أخرى
مماثله تسعى إليها العقول
المحبة للاستطلاع يجب أن نترك
هذه الأشياء ليعرفها لنا
الروح القدس فقط "لأنه الروح
يفحص كل شيء حتى أعماق الله"،
كما يقول الرسول (1 كو 2 :
10)
111. إن أي شخص تعلم الكتاب
المقدس لابد أنه يعرف
بالتأكيد أن الكتاب يفكر في
الروح ويصفه على أنه "نار"،
ويقودنا إلى هذا الفهم ما
تعلنه لنا الحكمة: "لا تحاول
أن تفهم الأشياء البالغة
الصعوبة بالنسبة لك" – أي لا
تكسر عظام الكتاب المقدس،
لأنه لا داعي لأن ترى بعينيك
الأشياء المخفية.
ثروة مصر والتعليم العلماني
112. قاد موسى الشعب إلى
خارج مصر، وبالمثل فإن كل
من يتبع خطوات موسى
يخَّلص كل من يستمعون إلى
كلماته من الطاغية
المصري. وكل من يتبع
القائد إلى الفضيلة – يجب
- في رأيي- ألا تنقصه
ثروة مصر أو يكون محرومًا
من كنوز الغرباء، ولكن
يجب عليه أن يحصل عليها
ويستخدمها لمنفعته. وهذا
هو بالضبط ما أمر موسى
الشعب أن يفعله.
113. كان لا يمكن لأي شخص
يسمع هذا الكلام بدون
تعمق أن يقبل نصيحة موسى
عندما طلب من الشعب أن
يسرقوا، وبذلك أصبح
قائدًا لهم في عمل
الخطية. وعند
النظر إلى الشرائع التي
تلت ذلك نجد أنها من
البداية إلى لنهاية تمنع
عمل الخطية، فكان لا يمكن
لمن يدرك ذلك أن يقول أن
موسى قد أمر بأخذ الأشياء
من المصريين بهذه الطريقة.
114. ... فالشخص الذي
يستعير شيئًا ولا يرده هو
مخادع. وإذا اقترض شيئًا
لا يخصه ولم يرده فهو
مخطئ، لأنه يمارس الخداع،
وحتى لو اقترض شيئًا
مفروض أنه يستحقه فإنه
يدعى مخادعًا أيضًا لأنه
ضلل من اقترضه منه وأعطاه
أملاً أنه سيرده.
115. لذلك فإن المعنى
الأسمى مناسب أكثر من
المعنى الظاهر. وهذا
المعنى هو أمر لمن
يشاركون في حياة الحرية
عن طريق الفضيلة بأن
يتزودوا بأنه أيضًا بثروة
التعليم الوثني من
الأجانب، والذي يتحلى به
غير المؤمنين. ويأمرنا
مرشدنا في الفضيلة بأن
"نستعير"
من المصريين الأثرياء
(الغرباء الوثنيين) أشياء
مثل الفلسفة الأخلاقية
والطبيعية، والهندسة،
والفلك والمنطق وأي شيء
آخر يسعى من هم خارج
الكنيسة لتعلمه، حيث أن
هذه الأشياء تنفع عندما
يحل الوقت المناسب لتجميل
المقدس الإلهي بثروات
العقل.
116. بعد أن أخذ
الإسرائيليون هذه الثروات
سلموها إلى موسى وهو يعمل
في إنشاء خيمة الاجتماع،
مساهمين كل واحدٍ بنصيبه
الشخصي في بناء الأماكن
المقدسة. ويمكن أن نرى
هذا يحدث الآن، فإن كثير
من الناس يهبون كنيسة
الله عطايا من التعليم
العلماني، مثلما فعل
باسيليوس العظيم الذي
اكتسب الثروات المصرية من
جميع النواحي في شبابه
وخصص هذه الثروة لله
لتزيين الكنيسة، التي هي
خيمة الاجتماع الحقيقية.