ملابس الكهنوت
189. بعد أن تلقى موسى التعليمات عن هذه الأمور وغيرها من خلال
رؤيا الخيمة، وبعد أن تطهرت وسمت عين النفس لديه بهذه المناظر،
ارتفع مرة ثانية إلى سمو مفاهيم أخرى عندما تلقى تعليمات عن
ملابس الكهنوت، ومنها الجبة والأفود والصورة التي تبرق بأشعة
مختلفة من الأحجار الكريمة والعمامة للرأس وعليها صفيحة من ذهب
والسراويل والرمانات والأجراس، وفوق كل هذا الأوريم والتميم،
وهما التعقل والعقيدة (والحق الذي يتميز فيهما) والكتفان
المربوطان من الجانبين والمثبتين بأسماء الآباء.
|
190. إن أسماء الملابس نفسها تجعل معظم الناس لا يدركون
تفاصيلها بدقة. فأي ملابس مادية هذه التي يمكن تسميتها
العقلانية والعقيدة والصدق؟ ولكن الواقع أن بعض هذه الأسماء
تصور بوضوح أن الكتاب المقدس لا يقصد الملابس المادية، ولكن
زينة معينة للنفس منسوجة بالأعمال الفاضلة.
191. لون الجبة أزرق وقد حضر بعض من تأملوا هذا النص من قبل
اللون على أنه يعني الهواء،
وأنا لا أجد شيئًا مشتركًا بين هذا اللون ولون الهواء، ولكن لا
أرفض تفسيرهم وهذه الفكرة تؤدي إلى تفكير في الفضيلة، لأنها
تتطلب ممن يريد أن يكون كاهنًا لله أن يحضر جسده إلى المذبح
كقربان. ليس بأن يموت، بل أن يصبح ذبيحة حية مقدسة مرضية عند
الله بالعبادة العقلية (رو 12: 1-2). ولا يجب أن يثقل على
نفسه بملابس الحياة الجسدية الثقيلة، ولكن بحياته الطاهرة يجعل
كل أعمال حياته ومساعيه خفيفة كخيوط العنكبوت، وعلينا أن نعيد
نسج طبيعتنا البشرية الجسدية بحيث نكون خفيفي الوزن مثل
الهواء، لكي عندما نسمع صوت البوق الأخير، نكون بلا وزن
ونستجيب بسرعة لصوت الله الذي يدعونا، فنرتفع إلى أعلى في
الهواء لنكون مع الرب (1 تس 4: 17) ولا يجذبنا أي شيء ثقيل نحو
الأرض. والإنسان الذي يتمثل بداود النبي "ويفنى مثل العث
مشتهى نفسه" (مز 39: 11)، يكون قد ارتدى تلك الجبة الهوائية
التي تمتد من رأسه حتى قدميه، لأن الناموس لا يريد أن يكون ثوب
الفضيلة قصيرًا (بل تكون الفضائل كاملة).
192. تمثل الأجراس الذهبية (الجلاجل) التي كانت توضع
بالتبادل مع الرمانات بريق الأعمال الصالحة، وهي
تمثل الطريقين اللذين من خلالهما تُكتسب الفضيلة: الإيمان
بالإلهيات والضمير الصالح في الحياة. يضيف بولس الرسول هذه
الرمانات والجلاجل إلى رداء تيموثاوس حين يقول إنه يجب أن يكون
لديه إيمان وضمير صالح (1 تي
1:
19). إذًا لندع الإيمان يرن بصوت نقي ومرتفع كالجلاجل في تعليم
الثالوث القدوس، ولتكن الحياة في طبيعتها مثل ثمر الرمان.
193. لأن الرمانة مغطاة بقشرة جامدة ومرّة، فإن هذه
القشرة الخارجية غير صالحة للأكل، ولكن الداخل جميل المنظر،
وبه بذور منسقة بعناية، وطعمه حلو. وهكذا حياة الفلسفة
(الحكمة الروحية)، تبدو من الخارج جافة وغير مبهجة، ولكن عندما
تنضج تكون مليئة بالآمال الطيبة. وعندما يفتح البستاني
(الله) رمانة الحياة في الوقت المناسب ويظهر جمالها المخفي،
فإن الذين يذوقونها يستمتعون بحلاوتها. ويقول بولس الرسول:
"وأي تأديب في الحاضر لا يُرى أنه للفرح بل للحزن (أي أول
انطباع عن الرمان بالنسبة لقشرته)، أما أخيرًا فيعطي الذين
يتدربون به ثمر برّ السلام" (عب 12: 11) (حلاوة الثمرة من
الداخل).
194. يأمر الكتاب المقدس بعمل حواشي (شرابات) للجبة. وحواشي
الجبة هي دلايات مستديرة ليس هناك هدف منها سوى الزينة فقط.
نتعلم من هذا أن الفضيلة يجب ألا تقاس بما هو مطلوب فقط، وإنما
يجب أن نكتشف شيئًا إضافيًا نزيده بمجهودنا الخاص لكي نضيف
زينة إضافية للملابس. وهكذا فعل بولس الذي أضاف هذه الحواشي
الجميلة إلى الوصايا. ففي حين يأمر الناموس بأن الذين يعملون
في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون، والذين ينادون بالإنجيل
من الإنجيل يعيشون (1 كو 9: 13، 14)، فإن بولس يقدم الإنجيل
مجانًا (كو 9: 18؛ 2 كو 11: 7)، وكان هو نفسه "يجوع
ويعطش ويُعرى" (1 كو 4: 11). هذه هي الحواشي (الدلايات)
الجميلة التي تزين رداء (جبة) الوصايا عندما تضاف إليها.
|
|
195. كانت تلبس فوق الجبة قطعتان من القماش تصلان من
الكتفين إلى الصدر وفي الظهر إلى أسفل وتوصلان ببعضهما
بمشبك على كل كتف. وكانت المشابك عبارة عن حجارة كريمة منقوش
عليها أسماء ستة من الآباء على كل حجر. وكانت الأقمشة منسوجة
من ألوان كثيرة، إسمانجوني مع أرجواني وقرمزي مع كتان، وكانت
خيوط الذهب متداخلة في كل هذه، فينتج عن مزج الألوان المختلفة
جمال فريد أخاذ.
196. نتعلم من هذا أن الجزء العلوي من الرداء الخارجي، الذي هو
رمز لزينة القلب، يتكون من فضائل كثيرة متنوعة. فاللون
البنفسجي منسوج مع الأرجواني، لأن الملوكية ترتبط بطهارة
القلب. ويمتزج القرمزي مع الكتان، لأن سمة الحياة المضيئة
النقية تمتزج باحمرار التواضع (الحياء). ويرمز الذهب الذي يعطي
البريق لهذه الألوان إلى الكنز المختزن لهذه الحياة النقية،
كما أن أسماء الآباء المنقوشة على الكتفين تسهم إسهامًا
عظيمًا في الزينة التي نتزين بها، فإن حياة الناس تتحلى
بالقدوة الصالحة لمن سبقوا من الرجال الصالحين.
197. بالإضافة إلى ذلك، هناك زينة أخرى تلبس فوق هذه الملابس
الجميلة، فكانت توجد حليات صغيرة تشبه الدروع مدلاة من كلا
الكتفين وتمسك بشيءٍ ذي أربعة أركان من الذهب (صدرة)،
يزيد من بريقه اثنا عشر حجرًا مرصعة في صفوف. توجد أربعة صفوف،
بكل منها ثلاثة أحجار، لم يكن هناك اثنان متشابهان، ولكن كل
منها يحمل بريقه الخاص به.
198. هذا هو المظهر الخارجي للحلية، وهذا هو معناها: ترمز
الحليات المدلاة من الكتفين التي على شكل دروع إلى الطبيعة
المزدوجة لتسلحنا ضد العدو. وكما أسلفت، يوجد شقان لحياة
الفضيلة: الإيمان والضمير الصالح في الحياة، ولذلك فإننا
نؤَّمن أنفسنا من هاتين الناحيتين في حماية الدروع، وننقي
أنفسنا من جروح سهام العدو "بسلاح البرّ لليمين ولليسار" (2 كو
6: 7).
199. الحلية ذات الأربعة أركان (الصدرة) المدلاة من حليتي
الكتفين والتي كان عليها حجارة كريمة منقوش عليها أسماء آباء
الأسباط تحمي القلب. ويعلمنا الكتاب المقدس في هذه الصورة
الرمزية أن من يصد سهام الشرير باستخدام هذين الدرعين يحلي
نفسه بجميع فضائل الآباء، لأن كل حجر يسطع ببريقه الخاص على
قماش الفضيلة، ولنأخذ الصورة المربعة على أنها رمز للثبات في
الخير، لأن مثل هذا الشكل من الصعب تحريكه، حيث أنه مثبت من
الأربعة أركان بالتساوي.
200.
تُعلمنا الأربطة التي تُشد بها هذه الحليات للذراعين عن الحياة
الأسمى، وبالتحديد أن الفلسفة العملية يجب أن ترتبط بالفلسفة
التأمُلية، فيصبح القلب رمزًا للتأمل والذراعين للأعمال.
201. ترمز الرأس المزينة بالإكليل للتاج المُعد للذين
عاشوا حياة صالحة. ويُجمل هذا التاج بنقش لحروف غير منظورة على
صفيحة من الذهب. ومن يرتدي هذه الحلي لا يلبس نعالاً،
حتى لا يتعطل في السباق وتعوقه الأغطية القديمة المصنوعة من
الجلود الميتة (كما ذكرنا في التأمل عن الجبل). فلا يمكن أن
يكون النعل زينة للقدم وهو يُخلع عند بداية التكريس، إذ يعوق
الصعود.
|
اللوحان الحجريان (لوحا الشهادة)
202. مَنْ تقدم في الصعود حتى هذا الحد الذي وصلنا إليه في
تأملنا، يحمل في يديه اللوحين المكتوبين بواسطة الله،
والمحتويين على ناموس الله. ولكنهما ينكسران، إذ تحطمهما
المقاومة القاسية من الخطاة. كانت خطية هؤلاء الخطاة هي
أنهم صنعوا وثنًا في صورة عجل ليعبدوه. سحق موسى العجل،
وذراه في الماء، وشرب الذين أخطأوا، وهكذا قضى
تمامًا على المادة التي استخدمها الناس في إنكار الله.
203. في هذه الواقعة يتنبأ الكتاب المقدس بما حدث في
أيامنا هذه، فإن خطية عبادة الأوثان قد اختفت تمامًا من
الحياة وابتلعتها الأفواه التقية التي تقضي على إنكار الله
بالاعتراف الحسن (1 تي 6: 13)، وبالنسبة للأسرار
والعبادات التي أسسها الوثنيون قديمًا، فقد ذابت وتحولت
إلى ماءٍ جارٍ تشربه نفس الأفواه التي كانت في وقتٍ ما
مجنونة بالوثنية. وعندما نرى هؤلاء الناس الذين كانوا
ينحنون من قبل لهذه الأوثان يدمرون ما كانوا يؤمنون به،
ألا نرى التاريخ يصيح قائلاً إن كل وثنٍ ستبتلعه أفواه
الذين يتوبون عن خطيتهم ويعودون إلى الدين الحقيقي؟
204. سلّح موسى اللاويين ليقتلوا مواطنيهم، وعبروا
المحلة من أولها إلى آخرها يقتلون بدون أسئلة، كانت سيوفهم
تجد ضحاياها، وقتل كل مَنْ قابلوه، دون تمييز بين عدو
وصديق، بين غريب وقريب، أو بين غريبٍ وذي قرابة (كان القتل
بضربة واحدة للجميع)، وكانت الضربة تقع بنفس الهمة على كل
مَنْ يقابلونه (خر 32: 27).
205. من هذا الوصف نتعلم الدرس النافع التالي: حيث اتفق
الإسرائيليون جميعًا على الشر، وشاركوا جميعًا فيه، لذلك
حلت عليهم الضربات بلا تفرقة. ويشبه هذا شخصًا يعاقب شخصًا
آخر ضُبط متلبسًا بعملٍ شريرٍ، وذلك بجلده، ويمزق أي جزء
من جسمه يقع عليه السوط، عالمًا أن الألم الذي يحل بجزء
يمتد خلال الجسم كله. ويحدث نفس الشيءٍ عندما يُعاقب الجسم
كله لاتحاده في الشر، فإن الضربة التي تقع على الجزء تؤدب
الكل.
206. لذلك فإذا رأى أحد في أي وقت الشر في أشخاص كثيرين،
ولكن غضب الله لا يحل على الجميع،
وإنما على البعض فقط، يجب أن يُدرك أن التأديب يُطبق بحبٍ
على الجنس
البشري. فإن الضربات لا تحل على الجميع، ولكن الضربات التي
تحل على البعض تؤدب الجميع ليرجعوا عن الشر.
207. يخص هذا الفهم القصة حرفيًا، ولكن المعنى الحرفي
يفيدنا من الناحية التالية: يقول مُعطي الناموس في نداء
عام للجميع: "من للرب فإليّ" (خر 32: 26). كأن موسى يأمر
الجميع: "إذا أراد أحد أن يكون صديقًا لله، فليكن صديقًا
لي؛ أنا الناموس". (ذلك لأن صديق الناموس هو بالتأكيد صديق
لله). وأمر موسى الذين تجمعوا على النداء، أن يستخدموا
السيف ضد إخوتهم وأصدقائهم وأقربائهم.
208. عندما نتأمل في هذه النقطة ندرك أن كل شخصٍ يتطلع
إلى الله وإلى الناموس، يتطهر بموت عاداته السيئة. فليس كل
مَنْ يسميه الكتاب المقدس أخًا أو صديقًا أو قريبًا يقصد
به المعنى الطيب للكلمة. ويمكن أن يكون لنفس الشخص أخ
وغريب، وصديق وعدو، وقريب وخصم. ويرمز هؤلاء لأفكارنا
الداخلية التي تشبه أشخاصًا تسبب حياتهم الموت لنا، ويسبب
موتهم حياتنا. |
|
هارون كأخٍ لموسى يقتل الطغاة المصريين، ويصنع الوثن
للإسرائيليين
209. يتفق هذا المفهوم مع دراستنا السابقة لهارون، فعندما
قابل موسى رأينا الملاك كنصيرٍ ومُساعدٍ تعاون في الضربات
ضد المصريين. ويُنظر لهرون على أنه أكبر من موسى حيث أن
الطبيعة الملائكية وغير المنظورة قد خُلقت قبل طبيعتنا،
ولكن من الواضح أنه أخ بحكم صلة طبيعته الفكرية بطبيعتنا.
210. مع وجود تناقضٍ في هذا الشأن (إذ كيف يمكن النظر
بنظرة طيبة لمقابلة موسى لهرون الذي أصبح خادمًا
للإسرائيليين في عمل الوثن؟) إلا أن الكتاب المقدس يشير
هنا - بشكلٍ محدودٍ - إلى المعنى المزدوج للأخوة، فإن كلمة
"أخ" لا تعني نفس المعنى، وإنما يمكن أن تعني معنى
معينًا وعكسه. فهنا نرى هرون مرة كأخ لموسى يقتل الطغاة
المصريين، ومرة أخرى يصنع الوثن للإسرائيليين، وفي
الحالتين هو نفسه هرون الأخ.
211. عندما أمر موسى بشهر السيوف على الإخوة، كان يقصد هذا
النوع من الإخوة: ويفرض موسى على نفسه بوضوح ما يطلبه من
الآخرين. وبالنسبة للإنسان فإن بقتله الخطية يقتل أخاه
الشرير، وكل مَنْ يقضي على الشر الذي يضعه فيه عدو
الخير بقتل الأخ أو الملاك الشرير الذي يعيش داخله عن طريق
الخطية.
212. سنورد مزيدًا من التفاصيل حول تأملنا لزيادة التأكيد.
يورد الكتاب أنه بُناء على أمر هرون خلع الشعب أقراطهم
التي صنع منها الوثن. ماذا يمكن أن نقول عن هذا؟ لقد
زيّن موسى آذان الإسرائيليين بحلي هي الناموس، ولكن الأخ
الزائف ارتكب خطية المعصية وخلع الأقراط التي في آذانهم
وصنع بها تمثالاً.
213. عند بدء دخول الخطية للعالم (تك 3: 1 الخ) وُجدت
نصيحة الحية بعدم إطاعة وصية الله، ونتج عن ذلك وضع مماثل
لخلع الأقراط. كان أول البشر (آدم وحواء) يعتبران الحية
صديقًا وجارًا، ونصحتهما بتعدي الوصية الإلهيّة، حيث يكون
ذلك نافعًا لهما. كأن الحية كانت تنصحهما بنزع قرط
الوصية من آذانهما. ولذلك فإن مَنْ يقتل مثل هؤلاء الأخوة
والأصدقاء والأقرباء الأشرار سيسمع من الناموس العبارة
التي قالها موسى للذين قتلوا هؤلاء الأشرار: "املأوا
أيديكم اليوم للرب حتى كل واحد بابنه وبأخيه فيعطيكم اليوم
بركة" (خر 32: 29).
كيف استعاد موسى اللوحين الذين كتب عليهما الله الناموس
الإلهي؟
214. حان الوقت لنلفت الانتباه إلى أولئك الذين أسلموا
أنفسهم للخطية، لنعرف كيف استعاد موسى اللوحين الذين كتب
عليهما الله الناموس الإلهي، واللذين سقطا من يد موسى إلى
الأرض، وانكسرا بفعل السقوط. لم يكن اللوحان الجديدان
مطابقين تمامًا للذين انكسرا، ولكن كانت الكتابة هي نفسها.
فبعد أن صنع موسى اللوحين من مواد أرضية، أسلمهما لقوة
الإله لينقش ناموسه عليهما، وهكذا فإنه كان يحمل في يده
حجارة، ولكنه استعاد النعمة حيث أن الله نفسه نقش الكلمات
على الحجارة.
215. يمكن من هذه الأحداث إدراك الاهتمام الإلهي بنا. فإذا
كان بولس الرسول يدعو اللوحين "قلوبًا" (2 كو 3: 3)، أي
أهم جزء في النفس، ويقول "الروح يفحص كل شيء، حتى أعماق
الله" (1 كو 2: 10) يمكننا أن نعلم من هذا أن الطبيعة
البشرية كانت في بدايتها كانت غير مكسورة وتتمتع بالخلود.
وحيث كانت الطبيعة البشرية مشَّكلة بيد الإله ومجَّملة
بحروف الناموس غير المكتوبة، كان قصد الناموس هو أن يبعد
طبيعتنا عن الشر، وتكرم الإله.
اللوحان
والتجسد الإلهي
216. عندما وصل صوت الخطية إلى آذاننا - ذلك الصوت
يسميه سفر التكوين "صوت الحية" (تك 3: 4)، ولكن يسميه
الكتاب في قصة اللوحين "صوت غناء مخمور" (خر 32: 18 الخ)
سقط اللوحان على الأرض وتحطما. لكن معطي الناموس
الحقيقي – الذي كان موسى رمزًا له - صنع لنفسه لوحين
بطبيعة بشرية من أرضنا. لم يأتي جسده الذي استقبل الله من
زواجٍ، بل كان هو قاطع الأحجار لجسده، الذي نقشه إصبع
الله، لأن الروح القدس حلّ على العذراء وظللتها قوة العلي
(لو 1: 35). وعندما حدث هذا استعادت طبيعتنا الخلود
واكتسبته من خلال الحروف التي كتبها إصبع الله. ويسمى
الروح القدس "إصبعًا" في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس.
(لو 11: 20؛ مت 12: 28؛ خر 8: 19؛ تث 9: 10).
217. تحول موسى إلى نوعٍ من المجد لا يمكن لعين مخلوق
النظر إليه (خر 32: 29). وبالتأكيد فإن من تعلموا السرّ
الإلهي لإيماننا يرون كيف يتفق المعنى الروحي لهذا مع
الوصف الحرفي. فعندما رد المخلص لوح طبيعتنا المكسور
إلى جماله الأصلي - بواسطة إصبع الله – فإن عيون غير
المستحقين لم تعد قادرة على النظر إليه، وأصبح هذا المخلص
غير منظور لهم في بهائه الذي لا نظير له.
218. لأنه كما يقول الإنجيل "ومتى جاء ابن الإنسان في
مجده، وجميع الملائكة القديسين معه" (مت 25: 31) حينئذ
بالكاد يستطيع الأتقياء أن يتحملوا النظر إليه، أما غير
الأتقياء ومن يتبعون الهرطقة اليهودية (الأريوسية) فلن
يكون لهم نصيب في رؤيته، لأن الشرير كما يقول إشعياء: "لا
يرى جلال الرب" (إش 26: 10).
التقدم المستمر
219. لنرجع إلى موضوعنا، كيف يطلب شخص أن يظهر له الله (خر
33: 18)، وقد رأى الله بوضوح في مثل هذه الظهورات الإلهية
– وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه (خر 33: 11)، كأن موسى
لم يبلغ بعد إلى ما يقول الكتاب أنه توصل إليه؟
220. استجاب الصوت السماوي لطلب الملتمس (موسى)، ولم يمنع
عنه هذه النعمة الإضافية، لكنه
يدفعه مرة أخرى إلى اليأس عندما يؤكد له أن ما يسعى إليه
(رؤية الله) لا يُمكن استيعابه في حياة البشر. ولكن الله
يقول أنه يوجد عنده مكان حيث توجد صخرة بها نقرة (فتحة)
يأمر الله موسى أن يدخلها (خر 33: 21)، ووضع الله يده على
الفتحة، ونادى على موسى أثناء اجتياز مجد الله، وبعد
اجتياز مجد الله خرج موسى من الفتحة ونظر، فرأى الله من
الخلف (خر 33: 23). بهذا اعتقد أنه رأى ما كان يسعى إليه
ولم يخلف الله وعده.
221. لن تساعد النظرة الحرفية لهذه الأمور من يبحثون عن
الله، بل تجعل فهمهم غير واضحٍ. فإن كلمتي "الأمام"
و"الخلف" تنتميان إلى الأشياء التي لها شكل مرئي
فقط، وكل شكل يحدد جسمًا. ومن الخطأ النظر إلى لله على أن
له شكل، لأنه لا تنطبق عليه الطبيعة الجسدية، ومن الحقائق
الثابتة عن الأجسام أنها مركبة، وكل ما هو مركب يوجد
باتصال عناصره المختلفة. ولا يمكن لأحد أن يقول أن ما هو
مركب لا يمكن تحلله، وما يتحلل يمكن أن يفسد، لأن الفساد
هو تحلل المركب.
222. إذا فكر أحد في ظهر الله بالمعنى الحرفي، فسيصل إلى
استنتاج خاطئ. فإن الظهر والأمام ينتميان إلى شكل، والشكل
ينتمي إلى جسم، والجسم بطبيعته يمكن أن يكون مركبًا، وكل
شيءٍ مركب يمكن أن يتحلل، وما يتحلل لا يمكن أن يكون غير
قابلٍ للفساد، ولذلك فإن التفسير الحرفي يقود إلى فهم أن
الإله قابل للفساد، ولكن في الحقيقة الله غير قابلٍ للفساد
وهو غير منظور.
223. لذلك من الأفضل تأمل كل ما حدث بالمعنى الروحي:
المكان الذي حدده الله لموسى في الصخرة والفتحة الموجودة
بها، ودخول موسى فيها، ووضع الله يده عليها، واجتيازه،
ومناداته لموسى، ثم رؤية موسى لله من الخلف.
224. ما هو المعني المقصود إذًا؟ إن الأجسام إذا دُفعت إلى
أسفل تنحدر بسرعة متزايدة دون أية مساعدة طالما كان السطح
الذي تتحرك عليه منحدرًا بانتظام ولم تواجه مقاومة. وتتحرك
النفس في الاتجاه العكسي. فعندما تنطلق من رباطها الأرضي
تزيد خفتها وسرعتها في الحركة إلى أعلى، منطلقة من أسفل
لتلحق بالأعالي.
225. إذا لم يأتِ شيء من أعلى ليعوق حركة النفس في صعودها
(طبيعة الخير هي أن يجذب إليه من يتطلعون إليه)، فإن النفس
تظل ترتفع باستمرار - بحكم رغبتها في الأشياء السماوية،
وهنا نتذكر "أمتد إلى ما هو قدام" كما يقول الرسول (في 3:
13).
226. كلما توصلت النفس إلى شيءٍ ما، زادت رغبتها إلى
الارتفاع أكثر، وليس إلى ترك الصعود. وهي تواصل طريقها إلى
أعلى بلا توقف، وتساعد الإنجازات التي تحققها في تجديد
طاقتها على الطيران. والنشاط المُوجه نحو الفضيلة يزيد
طاقتها عن طريق الجهد المبذول، وهذا النوع من النشاط هو
وحده الذي لا يقل ببذل الجهد بل يزيد.
227. لهذا نقول أن موسى العظيم، وهو يزداد عظمة، لم
يتوقف أبدًا عن الصعود، ولم يضع لنفسه حدًا في مساره إلى
أعلى. بمجرد أن وضع قدمه على السلم الذي أقامه الله (كما
يقول يعقوب تك 28: 12) استمر في الصعود ولم يتوقف أبدًا عن
الارتفاع إلى أعلى، لأنه كان دائمًا يجد أمامه خطوة أخرى
أعلى من التي بلغ إليها.
228. تخلى موسى عن قرابته الظاهرية للملكة المصرية، وانتقم
للعبراني، واختار الصحراء للحياة حيث لا يزعجه بشر، ورعى
قطيعًا من الحيوانات المستأنسة، وشاهد بريق النور، وبعد أن
خلع نعليه وأصبح بلا عائق اقترب من النور. وأتى بأقربائه
ومواطنيه إلى الحرية، ورأى العدو يغرق في البحر.
229. أقام موسى المحلة تحت عمود السحاب، وأطفأ العطش من
الصخرة، وجاء بالخبز من السماء، وعندما بسط يديه تغلبوا
على الغرباء، وسمع البوق، ودخل الضباب (الظلمة)، ودخل إلى
المقدس الداخلي للمسكن الذي لم تصنعه يد. وتعلم أسرار
الكهنوت الإلهي المقدس، وحطم الوثن، وتضرع وتشفع في شعبه
للإله، واستعاد الناموس الذي دُمَّر بفعل شر اليهود.
الحاجة إلى مزيدٍ من المجد
230. أضاء وجه موسى بالمجد، وبالرغم من ارتفاعه إلى
أعلى بهذه الخبرات السامية، إلا أنه كان مازال غير
قانعٍ، ولديه رغبة في المزيد. كان مازال متعطشًا
لما كان يملأ نفسه به تمامًا باستمرار، ويطلب الحصول
عليه كأنه لم يشرب منه أبدًا. ويطلب من الله أن
يظهر له، ليس تبعًا لقدرة موسى على الاستيعاب، ولكن
تبعًا للكيان الحقيقي لله.
الجمال
المنظور والجمال المختفي
231.
يبدو أن هذه الخبرة تنتمي إلى النفس التي تحب الجمال.
فهذه النفس دائمًا تجعل رؤية الجمال المنظور تأمل في
رؤية الجمال المختفي، لذلك من يحب الجمال بحماس يرى
الجمال المنظور دائمًا صورة لما يرغب فيه ويشتاق
للأصل.
232. كان الطلب الجريء الذي ارتفع به صوت موسى إلى
أعلى الجبل يرمز للارتفاع إلى جبال الرغبة بطلب
الاستمتاع بالجمال، ليس في مرايا وانعكاسات، بل وجهًا
لوجه. وجاء الصوت الإلهي ليمنح موسى ما كان
مطلوبًا في شكل حظر، بينما أظهر في كلمات قليلة عمقًا
للفكر لا يمكن قياسه. ووافق سخاء الله وكرمه على تحقيق
رغبة موسى دون أن يَعِدْ بأي إنهاء أو إشباع تام
للرغبة.
233. ما كان الله يظهر نفسه لعبده لو كان ذلك سينهي
رغبة موسى في المشاهدة بعد ذلك، حيث أن المشاهدة
الحقيقية لله تجعل من يتطلع إلى الله لا يتوقف عن
الرغبة في المشاهدة. فهو يقول "لا تقدر أن ترى
وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (خر 33: 20).
كيف يمكن لوجه الحياة أن يكون سبب موت من يقتربون منه؟
234. لا يقصد الكتاب المقدس بهذا أن هذه الرؤية تسبب
الموت لمن يتطلعون لها، إذ كيف يمكن لوجه الحياة أن
يكون سبب موت من يقتربون منه؟ على العكس، فإن الإله
بطبيعته معطي للحياة. ولكن خاصية الطبيعة الإلهية هي
تجاوز كل الخواص، لذلك فمن يظن أن الله هو شيء يمكن
معرفته ليس له حياة، لأنه تحول من الكائن الحقيقي
(الله) إلى ما يعتقد أنه كائن بسبب إدراكه له بالحواس.
235. الكائن الحقيقي هو الحياة الحقيقية، ولا يمكن
الوصول إلى هذا الكائن بالمعرفة. فإذا كانت الطبيعة
المعطية للحياة تتجاوز المعرفة، فإن ما يمكن إدراكه
ليس هو الحياة بالتأكيد. فليس في طبيعة شيء ليس به
حياة أن يكون سببًا للحياة. وهكذا فإن ما أشبع رغبة
موسى كان هو نفس الأشياء التي تركت رغبته دون إشباع.
236. تعلم موسى أن الإله بطبيعته لانهائي، ولا تحيط به
حدود تحده. وإذا فكر الإنسان في الإله ككائنٍ محدودٍ
بشيءٍ ما، فلابد أن ينظر إلى ما وراء هذا الحد. فالشيء
المحدود يقف عند نقطة معينة، فالهواء وهو الحد لكل ما
يطير، والماء هو الحد لكل ما يعيش فيه. الهواء هو الحد
لما يطير والماء لما يسبح. وبنفس الطريقة، إذا نظر
الإنسان إلى لله على أنه محدود بحدودٍ، فلابد أنه
سيكون محاطًا بشيء يختلف عنه في طبيعته. ومن المنطقي
أن يكون الشيء المحيط أكبر بكثير من المُحاط.
237. من المتفق عليه أن الإله خير بطبيعته، وحيث أن ما
يحيط به مختلف عنه في طبيعته، إذًا فإن ما يحيط بالإله
مختلف في طبيعته عن الخير، ولذلك يُنظر إليه على أنه
شر وهو أكبر من الخير الذي يحيط به.
238. حيث أن الشيء المُحاط أقل من الشيء المحيط به،
فإن الأكبر سيكون أقوى ويسود. لذلك فإن من يعتقد أن
الله مُحاط بحدود يعتقد أن الخير محاط بعكسه (الشر)،
ولكن هذا غير وارد. لذلك فمن الخطأ الاعتقاد بأنه
يوجد شيء يمكن أن يحد بالطبيعة اللانهائية ويحيط بها.
وليس من طبيعة غير المحدود أن يمكن لمسه أو إدراكه.
ولكن كل رغبة في الخير تنجذب نحو ذلك الصعود تزيد
باستمرار كلما تقدم الإنسان في التمسك بالخير.
239. هذه هي حقًا رؤية الله، ألا يشبع الإنسان
أبدًا من الرغبة في رؤيته، بل بالنظر إلى ما يستطيع أن
يراه تشتعل رغبته في أن يرى أكثر. وهكذا لن يكون هناك
حد يوقف التقدم في الصعود نحو الله، حيث أنه ليس هناك
حد للخير، كما أن الرغبة في الخير لا تنتهي عند إشباع
هذه الرغبة بل تزيد.
ما هو ذلك المكان الذي عند الله؟
240. ولكن، ما هو ذلك المكان الذي عند الله؟ وما هي
الصخرة؟ وما هي الفتحة التي في الصخرة؟ وما هي يد الله
التي تغطي مدخل هذه الفتحة؟ وما هو اجتياز الله مارًا
بالصخرة؟ وما هو ظهر الله الذي وعد الله موسى برؤيته
عندما طلب موسى أن يرى الله وجهًا لوجه؟
241. لابد أن لكل من هذه الأشياء أهمية كبيرة، تستحق
سخاء الإله العاطي. يُعتبر وعد الله هذا أعظم وأسمى من
كل تجلٍ سبق أن أظهره الله لعبده موسى. كيف يمكن أن
نفهم مما قيل لموسى إن الارتفاع الذي أراد موسى أن يصل
إليه بعد ما وصل إليه في صعوده السابق، والذي يمكن أن
يصعد إليه كل من يحبون الله بسهولة تحت قيادة الله،
حيث: "إن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون
الله" (رو 8: 28): يقول الله "لك مكان عندي"
(خر 33: 21)
242. تتفق هذه الفكرة مع ما سبق أن تأملناه، فعندما
تحدث الله عن "مكان" لم يحدد المكان تحديدًا
كميًا، وليس هناك قياس لغير الكمي. بل على العكس،
باستخدام كلمة "مكان" التي تعني سطحًا يمكن
قياسه، فإن الحديث هنا يقود السامعين إلى غير المحدود
واللانهائي. ويمكن فهم النص الكتابي بهذا الشكل: "يا
موسى، حيث أن رغبتك في أن تمتد إلى ما هو قدام (في 3:
13)، قد زادت ولم تصل إلى الشبع بعد في تقدمك، وحيث
أنك لا ترى حدًا للخير، بل إن اشتياقك دائمًا يريد
المزيد، فإن المكان الذي عندي كبير لدرجة أن الذي يعدو
فيه لن يستطيع التوقف أبدًا".
صعود مع سكون
243. في موضع آخر في الكتاب المقدس نجد التقدم يتم في
سكون، بلا حركة. وهذا هو أعجب ما في الموضوع، فنجد
الكتاب يقول "فتقف على الصخرة" (خر 33: 21).
وهذا هو أعجب ما في الموضوع، إذ كيف يكون نفس الشيء
سكونًا وحركة؟ فإن من يصعد لا يمكن بالتأكيد أن يقف
ساكنًا، ومن يقف ساكنًا لا يمكن أن يتحرك إلى أعلى.
ولكننا نجد أن الصعود يتم هنا بالوقوف في سكون،
وأعني بذلك أنه كلما كان الإنسان أكثر ثباتًا في
الخير، كلما تقدم في مسار الفضيلة. وبالنسبة للشخص
الغير واثق من أفكاره ومجادلاته، والمعرض للخطأ حيث
أنه غير ثابت في الخير، بل "مضطرب ومحمول بكل ريح
تعليم" (أف 4: 14) كما يقول بولس الرسول، وهو كثير
الشك ومتردد في آرائه بخصوص الحقيقة، مثل هذا الشخص لا
يصل إلى السمو في الفضيلة.
244. يشبه هذا الشخص من يبذل جهدًا للتسلق إلى أعلى في
الرمال، فإنه يخطو خطوات طويلة ولكن قدمه تنزلق دائمًا
إلى أسفل، فهو يقوم بكثير من الحركة ولكنه لا يحرز
تقدمًا. ولكن إذا انتزع شخص رجله من طين الحمأة -
كما يقول المزمور - وأقامها على الصخرة (مز 2: 40)
(الصخرة هي المسيح- كما في (1 كو 10: 4)- الذي هو
الفضيلة المطلقة)، فكلما كان راسخًا غير متزعزع في
الخير (1 كو 15: 58)، استطاع أن يكمل المسار أسرع. إن
عدم التزعزع هنا كأنه جناح يستخدمه القلب في
الطيران إلى أعلى من خلال ثباته في الخير.
245. أظهر الله لموسى المكان وحثه على مواصلة المسار،
وعندما وعده بأنه سيوقفه على الصخرة أظهر له طبيعة ذلك
السباق الإلهي. وبالنسبة للفتحة التي في الصخرة
فإن بولس الرسول يفسرها تفسيرًا جيدًا عندما يتحدث عن
المسكن السماوي غير المصنوع بيد الذي يبنيه الأمل
والرجاء لمن نقضوا بيت خيمتهم الأرضية (2 كو 5: 1).
246. بالنسبة لمن أكمل السعي (أي السباق) كما يقول
بولس الرسول (2 تي 4: 7) في ذلك الاستاد الواسع
والعريض الذي يسميه الصوت الإلهي "مكانًا"، وحفظ
الإيمان وثبت أقدامه على الصخرة، فإن مثل هذا الشخص
سيُوضع له إكليل البرّ بيد حكم المسابقة. ويصف الكتاب
المقدس هذه الجائزة بطرقٍ مختلفةٍ.
247. تسمى الفتحة (النقرة) التي في الصخرة في مواضيع
أخرى من الكتاب المقدس "جنة" (تك 2: 15، 3: 23)
و"الخيمة الأبدية" (2 كو 5: 1) و"منزلاً مع الآب" (يو
14: 2، 23)، و"حضن الآب (إبراهيم)" (لو 16: 22)، و"أرض
الأحياء" (مز 27: 13)، و"مياه الراحة" (مز 23: 2)،
و"ملكوت السماوات" (مت 13: 44) و"جعالة (مكافأة) دعوة
الله" (في 3: 14) و"إكليل نعمة" (أم 1: 9؛ 4: 9) و"تاج
جمال" (أم 4: 9)، و"برج قوة" (مز 61: 3) و"مائدة للسعد
الأكبر" (إش 65: 11) وكراسي للحكم (لإدانة أسباط بنى
إسرائيل) (مت 19: 28، لو 22: 30) ومكان الاسم (اسم
الرب) (تث 12: 5)، و"الخيمة المخفية" (مز 27: 5).
248. لدخول موسى في الصخرة نفس الأهمية مثل هذه
الأوصاف. الصخرة في مفهوم بولس الرسول هي المسيح، لذلك
نؤمن أن كل الرجاء في الأشياء الخيرة هو في المسيح،
الذي تعلمنا أن كل كنوز الصلاح موجودة فيه (كو 2: 3؛
أف 1: 3)، ومن يجد الخير يجده في المسيح الذي يحتوي
الخير كل الخير.
يلزم أن يكون ظهر المرشد مرئيًا باستمرار
249. من يصل إلى هذه الصخرة وتستره يد الله كما يعد
النص المقدس.
يد الله هي القوة الخلاقة للكائن، الابن الوحيد
المولود الذي به كان كل شيء (يو 1: 18) وهو "المكان"
للذين يعدون نحو الله، وهو "الطريق" (يو 14: 6؛ تي 4:
7) وهو "الصخرة" للراسخة و"البيت" (يو 14: 2) لمن
يستريحون، هذا الشخص هو الذي سيسمع نداء الله، ويرى من
يناديه من الخلف، إذ يقول له الله في الناموس "وراء
الرب إلهكم تسيرون" (تث 13: 4).
250. عندما سمع داود العظيم هذا وفهمه قال: "الساكن في
ستر العلي، في ظل القدير يبيت، بخوافيه يظللك" (مز 91:
1، 4). وتعنى "بخوافيه" "بكتفيه" - وهذا هو نفس الشيء
مثل السير وراء الله، لأن الكتف في ظهر الجسم، ويقول
داود عن نفسه: "التصقت نفسي بك يمينك تعضدنني" (مز 63:
8). وأنت ترى كيف تتفق المزامير مع التاريخ في الكتاب
المقدس. فيقول المزمور أن اليد اليمنى لله تساعد الشخص
الذي التصق بالله وسار وراءه، ويقول التاريخ في الكتاب
أن اليد تلمس الشخص الذي ينتظر في الصخرة عند سماع
الصوت الإلهي، ويصلي لكي يسير وراء الله.
251. عندما جاء الرب - الذي تكلم مع موسى - بنفسه إلى
الأرض لينفذ ناموسه الخاص، قدم لتلاميذه تفسيرًا
واضحًا، وكشف لهم معنى ما قيل سابقًا بالرمز. فقد قال
لهم: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي" (لو 9: 23)، ولم يقل
لهم: "إن أراد أحد أن يسير قدامي". وذكر نفس الشيء لمن
سأل عن الحياة الأبدية فقد قال له: "تعال اتبعني" (لو
18: 22). ومن يتبع شخصًا يراه من الخلف.
252. كان موسى متلهفًا لرؤية الله، وعلمه الله كيف
يراه، فإن رؤية الله هي أن يتبعه الإنسان ويسير أينما
يوجهه. واجتياز الله بجوار الإنسان هو إرشاد لمن
يتبعه، فلا يستطيع إنسان أن يكمل رحلة بسلام وهو لا
يعرف الطريق إلا إذا تبع مرشدًا. والمرشد يبين الطريق
لمن يتبعه، ومن يتبع المرشد لن يضل الطريق إذا حرص على
أن يكون ظهر المرشد مرئيًا له باستمرار.
253. وإذا اتجه الشخص وجهة أخرى أو سار في مواجهة
المرشد وليس خلفه، فإنه سيتخذ طريقًا آخر، ولذلك يقول
له المرشد "أما وجهي فلا يُرى" (خر 33: 23) أي "لا
تواجه مرشدك". وإذا واجه المرشد فإنه قطعًا سيسير في
الطريق المعاكس، فإن الخير لا يواجه الخير بل
يتبعه.
254. ما يواجه الخير وجهًا لوجه هو عكسه، فما يواجه
الفضيلة هو الشر، ولا تقف الفضيلة في وجه الفضيلة،
ولذلك لا ينظر موسى إلى وجه الله، بل يراه من وراء.
فإن من ينظر إلى الله وجهًا لوجه لا يمكن أن يعيش، كما
يقول الصوت الإلهي "لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (خر
33: 20).
255. من هذا ترى أنه لشيء عظيم أن تتعلم كيف تتبع
الله، فإنه حتى ذلك الرجل الذي صعد إلى تلك المرتفعات
العالية (موسى) وظهرت له التجليات المجيدة المثيرة
للرهبة قرب نهاية حياته كان لا يكاد يعتبر مستحقًا
لهذه النعمة.
يقول القديس غريغوريوس: "[قال
العريس: "لا يكفي أن تقوموا من سقطتكم على الأرض،
ولكن يجب أن تتقدموا في عمل الخير وتصلوا إلى آخر
الطريق في الفضيلة." نتعلم هذا من مثال المفلوج في
الإنجيل (مت 6:9)، فلم يقل السيد المسيح للمفلوج
أن يحمل سريره فقط، بل أمره أن يمشي. إنني أعتقد
أن هذا النص يوضح التقدم والسير نحو الكمال. يقول
المسيح: "قم وتعالي". ما هي القوة التي تكمن في
هذا الأمر؟ حقًا إن صوت الله هو صوت القوة (مز
34:68). يقول: "أعطوا عزًّا لله على إسرائيل جلاله
وقوته في الغمام". ثم يقول: "لأنه قال فكان، هو
أَمَرَ فصار" (مز 9:33) انظر أيضًا ما يقوله
العريس لعروسه: "انهضي ثم تعالي"، وفي الحال يتحول
أمره إلى حقيقة، وفي نفس الوقت تستقبل العروس قوة
كلمة الله، فتقف وتتقدم نحوه، وتفترب من النور.
ويشهد كلمة الله عندما يراها ويقول: "أجاب حبيبي
وقال لي: قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي" (نش
10:2).] عظة 5 على نشيد الأناشيد ترجمة الدكتور
جورج نوّار.