رسائل القديس إكليمنضس الروماني

الباب الأول – رسالة إكليمنضس الأولى
أو رسالة كنيسة روما إلى كنيسة كورنثوس

نص الرسالة الأولى
رابعاً: علاج الحسد والغيرة

أ. بالتوبة والإيمان العملي

1.      نكتب إليكم عن هذه الأمور أيّها الأحبّاء لا لكي ننصحكم أنتم فحسب، وإنّما لأجل تذكيرنا نحن أيضاً، فإنّنا نجابه معكم ذات الصراع ونخوض نفس الغمار.

2.      إذن فلنكف عن كل الاهتمامات الباطلة العقيمة، ولنهتم بأحكام تقليدنا المجيد المقدّس.

3.      لنراعي ما هو الصالح والمُرْضي والمقبول في عينيّ خالقنا.

4.      لنركز أنظارنا على دم المسيح، متحقّقين كم هو ثمين لدى أبيه! إذ أراقه لأجل خلاصنا حمل للعالم كلّه نعمة التوبة!

5.      لنتطلّع إلى الأجيال الغابرة، ولنعلم أن الرب – من جيل إلى جيل – يقدّم فرصة التوبة للراغبين في العودة إليه.

6.      فقد بشّر نوح بالتوبة والذين سمعوا له خلصوا.

7.      أعلن يونان هلاك أهل نينوى، وإذ تابوا عن خطاياهم استرضوا الله بالصلاة واقتنوا خلاصاً بالرغم من كونهم غرباء عن (عهد) الله.

1.      بالروح القدس تكلّم خدّام نعمة الله عن التوبة.

2.      وتكلّم رب الكل بنفسه بقسم قائلاً[1]: كما أنا حيّ يقول الرب لا أريد موت الخاطي بل توبته. ثم يضيف هذه المشورة الصالحة:

3.      توبوا يا بيت إسرائيل عن شروركم، قل لأبناء شعبي، لو صارت خطاياكم من الأرض إلى السماء، ولو أصبحت احمر من القرمز، وأحلك من ثوب الحداد، والتفتّم إليّ بكل قلبكم قائلين: "أيّها الآب!"، فإني استجيب لكم كما لشعب مقدّس[2].

4.      وفي موضع آخر يقول هكذا[3]: "اغتسلوا وتنقّوا؛ اعزلوا الشر عن نفوسكم من أمام عينيّ. كفّوا عن طرق الشرّ، تعلّموا فعل الخير. اطلبوا العدل، انصفوا المظلوم. اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة، وتعالوا نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير بيضاء كالصوف. إن شئتم وسمعتم لي تأكلون خير الأرض؛ وإن أبيتم وتمرّدتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلّم.

5.      إنه يود أن يقدّم فرصة للتوبة لكل محبوبيه، ويثبّتها بإرادته القادرة.

 

ب. بالطاعة والإيمان

1.      لذلك فلنطع إرادته العظيمة الممجّدة وإذ نضرع طالبين رحمته وحنو ترفّقه، تاركين كل عملٍ بطّال وخصام وحسد يقود إلى الموت، نعود إليه ونلقي بأنفسنا في مراحمه.

2.      ولنحدق في أولئك الذين يخدمون مجده العظيم بكمال.

3.      لنأخذ أخنوخ (كمثال) الذي وُجد باراً في طاعته فانتقل دون أن يجده موت.

4.      صار نوح – الذي وُجد مؤمناً مبشّرا للعالم بالميلاد الجديد (التجديد) خلال خدمته، وقدت اعتق الرب بواسطته الكائنات الحيّة التي دخلت باتفاقٍ واحدٍ إلى الفلك

١٠

1.      وُجد إبراهيم الملقب ب "الصدّيق[4]" مؤمناً لأنه أطاع كلمات الله.

2.      فخرج من بلده وترك أقاربه وبيت أبيه، فإذ ترك أرضاً صغيرة وأقارب ضعفاء وبيناً لا يُعتد به ورث مواعيد الله.

3.      قال الله[5]: "اخرج من بلدك وأقاربك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمّة عظيمة وأباركك وأعظّم اسمك، وتكون مباركاً وأبارك مباركيك وألعن لاعنيك، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض".

4.      مرّة أخرى بعد اعتزاله لوطاً قال له الله[6]: "ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد".

5.      "وسأجعل نسلك كتراب الأرض حتى إذا استطاع أحد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضاً يُعد".

6.      ومرّة أخرى يقول (الكتاب)[7]: "أخرج الله ابرام إلى الخارج، وقال له: انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها، هكذا يكون نسلك فآمن ابرام بالله وحُسب له براً".

7.      بسبب إيمانه وكرمه وُهب ابنا في شيخوخته، وفي ممارسته الطاعة قدّمه كذبيحة لله على أحد الجبال التي أراه (الله) إيّاه[8]".

١١

1.      لوط بمحبّته لإضافة الغرباء وتقواه، خلص من سدوم حيث عوقبت كل الأماكن المجاورة بالنار والكبريت. فأوضح الرب بذلك عدم تخليه عن الذين يترجّونه، أمّا الذين يميلون عنه فيسلمهم الرب للعقاب والعذاب.

2.      زوجة لوط التي خرجت معه من المدينة، إذ اختلفت عنه في الفكر ولم تستمر في الوفاق معه صارت مثلاً، صارت عموداً من الملح إلى هذا اليوم. هذا قد صار حتى يعرف الكل أن الذين يتردّدون ولا يثقون في قوّة الله يجلبون لأنفسهم دينونة[9] ويصيرون علامة لكل الأجيال المتعاقبة.

١٢

1.      بالإيمان وحب الضيافة خلُصت راحاب الزانية.

2.      عندما أرسل يشوع بن نون جاسوسين إلى أريحا[10]، عرف ملك البلاد أنهما جاءا يتجسّسان الأرض، فأرسل رجالاً ليقبضوا عليهما ليقتلا.

3.      إلاَّ أن راحاب المحبّة للضيافة استقبلتهما عندها، وخبّأتهما على سطح بيتها تحت عيدان الكتّان.

4.      ولما جاء رجال الملك ووقفوا ببابها، قالوا: "جاءك جاسوسان قدّما إلى بلدنا، اخرجيهما كأمر الملك". أجابتهم: "إن الرجلين اللذين تطلبانهما قد دخلا بيتي ولكنّهما خرجا فوراً ورحلا"، وهكذا لم تكشف لهم الجاسوسين.

5.      ثم قالت للجاسوسين إنّي واثقة أن الرب إلهكما يعطيكما هذه المدينة، فإن خوفكما ورعبكما سقطا على سكانها. إنّي أرجوكما أن تحافظا عليّ وعلى بيت أبي عند استيلاءكما عليها.

6.      فقالا لها: سيكون لك كقولك، فعندما تعلمين بقرب مجيئنا، اجمعي كل عائلتك تحت سقفك فيخلُصون؛ وأمّا من كان خارج البيت فيسهلك.

7.      ثم أعطياها علامة أن تدلي من بيتها حبلاً قرمزياً. وبهذا أوضحا أن الخلاص ينبع خلال دم الرب لكل الذين يؤمنون بالله ويرجونه.

8.      أرأيتم أيّها الأحبّاء كيف لم يظهر في هذه المرأة الإيمان فحسب بل والنبوّة أيضاً.

١٣

ج. بالاتّضاع

1.      لذلك فلنتواضع أيّها الاخوة، طارحين جانباً كل عجرفة وكبرياء وحماقة وغضب، ولنعمل بما كُتب (إذ يقول الروح القدس[11]: لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبّار بجبروته، ولا يفتخر الغني بغناه، وأمّا من يفتخر بالرب، يطلبه باجتهاد صانعاً حكماً وبراً).

2.      لنذكر على وجه الخصوص كلمات الرب يسوع التي نطق بها معلّماً إيّانا الوداعة وطول الأناة، قائلاً هكذا[12]: "ارحمو تُرحموا، اغفروا يُغفر لكم، كما تفعلون بالناس يُصنع بكم، وكما تدينون تدانون، وما تظهرونه من حنو تنالونه حنواً، بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم".

3.      لنثبّت في هذه الوصيّة وتلك الأحكام، حتى نسلك بكل تواضع في طاعة كلماته المقدّسة، إذ تقول الكلمة المقدّسة[13]: "إلى من انظر ألاّ إلى الرجل الوديع الهادئ الذي يترجف أمام كلماتي؟!".

١٤

1.      عدل وبرّ أيّها الرجال والاخوة أن نخضع بالأولى لله عن أن نتبع أناساً يثيرون بكبرائهم وعصيانهم حسداً تمجّه النفس.

2.      فإنه لخطر عظيم وضرر ليس بالعارض أن نندفع وراء نزوات أناس يثيرون خصومات وانقسامات تقصينا عما هو صالح.

3.      ليترفّق كل منّا بالآخر على مثال حنو خالقنا وعذوبته.

4.      فقد كُتب[14]: "لأن رفيقي الفؤاد يسكنون الأرض، والذين بلا لوم يبقون فيها، أمّا العصاة فينقرضون من على وجّهها".

5.      مرّة أخرى يقول (الكتاب)[15]: "أرأيت الشرّير يتشامخ ويرتفع مثل أرز لبنان، ومررت ونظرت فإذا هو ليس بموجود. التمست مكانه باجتهاد فلم يوجد، لاحظوا البراءة وارعوا الكمال فإن الذكرى[16] لإنسان السلام".

١٥

1.      فلنلتصق إذن بالذين يطلبون السلام بتقوى لا الذين يتظاهرون بطلبه في رياء.

2.      إذ يقول (الكتاب) في موضع[17]: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأمّا قلبه فمبتعدعنّي”.

3.      وأيضاً[18]: "باركوا بأفواههم أمّا قلوبهم فتلعن".

4.      وقال أيضاً[19]: "أحبّوا بفمهم وكذبوا عليه بلسانهم، وأمّا قلبهم فلم يكن مستقيماً معه ولا ثبّتوا في عهده"، "لتبكم شفاه الكذب".

5.      (يستأصل الرب جميع الشفاه الغاشة)[20]، واللسان الناطق بالعظائم، الذين قالوا: نعظّم لساننا، شفاهنا منا، فمن هو رب علينا؟!

6.      من أجل شفاه المساكين وتنهّد المحتاجين، الآن أقوم يقول الرب وأجعله آمناً وأتعامل معه في ثقة[21]".

١٦

1.      المسيح هو مسيح المتواضعين لا المتعجرفين على قطيعه.

2.      فإن صولجان عظمة الله، ربّنا يسوع المسيح، لم يأت في موكب الكبرياء والزهو، مع أنّه كان يمكنه أن يفعل هذا، لكنّه جاء في اتّضاعٍ كما أعلن عنه الروح القدس.

3.      إذ يقول: "يا رب، من صدّق خبرنا؟! ولمن استُعلنت ذراع الرب؟! لقد أعلن عنه في حضرته، أنّه كطفلٍ صغير[22]، كجذع في أرض ظمآنة، ليس فيه صورة ولا مجد. إذ نظرناه ليس فيه صورة ولا جمال، صورته محتقرة أرذل من الناس، رجل أوجاع ومملوء حزناً، يعرف كيف يحمل الضعفات، لأن وجهه يُعتد عنّا، مُحتقر فلم يُعتمد به.

4.      خطايانا حملها، تألّم من أجلنا، ونحن حسبناه مضروباً مصاباً ومذلولاً.

5.      وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا.

6.      كلّنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه.

7.      والرب أسلمه لأجل آثامنا، وفي وسط آلامه لم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازّيها، فلم يفتح فاه. بتواضعه ارتفع قضاؤه.

8.      أما جيله فمن يخبر عنه؟ لأن حياته قد ارتفعت عن الأرض.

9.      من أجل ذنب شعبي ذاق الموت.

10.  أجعل قبره مع الأشرار، ومع غني عند موته، على أنّه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش، أمّا الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن.

11.  أن جعل نفسه ذبيحة إثم ترى نسلاً تطول أيّامه.

12.  والرب يُسر أن ينزع عنه أحزان نفسه، ليريه نوراً ويصوّره بالفهم، حتى يبرّر الواحد البار الذي يخدم كثيرين حسناً، وحمل بنفسه خطاياهم.

13.  بهذا يرث كثيرين ويقسّم غنائم القوي، من أجل أنّه أسلم نسفه للموت، وأُحصي مع أثمّة.

14.  وهو حمل خطايا كثيرين، وأُسلم من أجل ذنوبهم[23].

15.  وأيضاً يقول[24]: "أمّا أنا فدودة لا إنسان، سخرية للبشر ومحتقر للشعب"

16.  كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفخرون بشفاههم عليّ، وينغصون برؤوسهم قائلين: اتّكل على الرب فلينجه، لينقذه ، لأنه سُرّ به.

17.  إنكم ترون أيّها الأحبّاء المثال الذي أعطانا، فإن كان الرب قد تواضع هكذا فكم بالحري يليق بنا نحن الذين نحمل نيره نعمته؟!

١٧

1.      فلنتشبّه أيضاً بأولئك الذين "طافوا في جلود غنم وجلود معز[25]". مبشّرين بقدوم المسيح؛ أقصد إيليّا وإليشع وحزقيال بين الأنبياء ومعهم الذين نالوا من الرب شهادة حسنة مثلهم.

2.      فإبراهيم حظي بشهادة عظيمة ودُعي "صديق الله"، ومع ذلك عندما حدق بمجد الله أعلن بكل اتّضاع: "ما أنا ألاّ تراب ورماد[26]".

3.      كما كُتب عن أيوب: "كان أيوب رجلاً باراً بلا عيب يتكلّم الحق ويخاف الله يحفظ نفسه عن كل شرّ[27]".

4.      بيد أنّه يدين نفسه بنفسه قائلاً: "ليس أحد طاهراً من دنس ولو كانت حياته يوماً واحداً[28]".

5.      دُعي موسى الخادم الأمين في كل بيت الله[29]، وخلال خدمته عاقب الله مصر بالضربات والضيقات، ومع هذا لم يتكبّر بالرغم من الكرامة العظيمة التي نالها، وإنّما قال أمام العليقه: "من أكون أنا حتى ترسلني؟ أنا إنسان ضعيف وثقيل اللسان[30]"، كما قال: "ما أنا ألاّ بخار قدر[31]".

١٨

1.      ماذا تقول عن داود الذي نال شهادة عظيمة من الله، إذ قال عنه "وجدْتُ رجلاً حسب قلبي، داود بن يسّى، مسحته برحمتي الدائمة[32]".

2.      هذا الرجل عينه يقول لله[33]: "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك امح إثمي".

3.      اغسلني كثيراً من إثمي، ومن خطيّتي طهرني، لأني أنا عارف بإثمي وخطيّتي أمامي في كل حين.

4.      لك وحدك أخطأت والشرّ قدّامك صنعت، لكي تتبرّر في أقوالك، وتغلب إذا حوكمت.

5.      لأني هأنذا بالإثم حُبل بي وبالخطايا ولدتني أمي.

6.      لأنك هكذا قد أحببت الحق، إذ أوضحت لي غوامض حكمتك ومستوراتها.

7.      تنضح عليّ بزوفاك فأطهر، وتغسلني فأبيض أكثر من الثلج.

8.      تسمعني سروراً وفرحاً، فتبتهج عظامي المتواضعة.

9.      اصرف وجهك عن خطاياي، وامح كل آثامي.

10.   قلباً نقياً اخلق فيّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّده في داخلي.

11.   لا تطرحني من قدّام وجهك، وروحك القدّوس لا تنزعه مني.

12.   امنحني بهجة خلاصك، وبروحك الرئاسي (القيادي) قوّني.

13.   فأعلِّم الأثمّة طرقك، والمنافقون إليك يرجعون،

14.   نجّني من الدماء يا الله إله خلاصي، فيبتهج لساني بعدلك.

15.   يا رب افتح شفتي، فيخبر فمي بتسبيحك.

16.   لأنك لو آثرت الذبيحة لكنتُ الآن أعطي، ولكنّك لا تُسرّ بالمحرقات.

17.   فالذبيحة لله روح منسحق. القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله.

١٩

1.      إن اتّضاعاً كهذا وطاعة كهذه لأناس عظماء لامعيّن لم ينعكس أثرهما علينا نحن فحسب بل وعلى الأجيال السالفة، إذ قبل كثيرون كلام الله بخوف وحق.

2.      إذ نصير شركاء في أعمال عظيمة ومجيدة كهذه (الاتّضاع والطاعة)، فلنعد إلى هدف السلام المُعطى لنا منذ البدء، ولننظر إلى الآب خالق المسكونة، ملتصقين بمواهبه الفائقة العظيمة.

3.      لنتأمّله بعقلنا ولنبصر طول أناة إرادته بعيون نفوسنا، وندرك كيف لا يغضب على خلقيته؟!

٢٠

1.      السماوات (الأجرام السمائيّة) تطيعه، إذ تتحرّك بسلام في خضوع لقوانينه.

2.      تقطع ليلاً ونهاراً الطريق المرسوم لها دون أن تعيق بعضها بعضاً.

3.      الشمس والقمر مع النجوم تجتاز الطريق المرسوم لها، حسب أمره دون أي انحراف.

4.      والأرض المخصبة، بحسب إرادته، تثمر في فصول مناسبة طعاماً وفيراً للإنسان والوحوش، وكل الكائنات الحيّة التي على وجه الخليقة، دون تردّد أو تغيير التي حددها لها.

5.      الأعماق (الهاويّة) التي لا يُسبر غورها، وتنظيمات العالم السفلى غير الموصوفة، تخضع لذات القوانين.

6.      البحر الفائق الاتساع، بعمل (الله) يجتمع فلا يعبر الحدود التي وُضعت له، إنّما يمتثل لأوامر (الله).

7.      إذ قال[34]: "إلى هنا تأتي، وفي أعماقك تتحطّم أمواجك".

8.      محيط لا يقدر الإنسان أن يجتازه، وعوالم قائمة وراءه[35] توجّهها إرادة الرب.

9.      فصول الربيع والصيف والخريف والشتاء تتتابع هادئة، الواحد وراء الآخر.

10.   تقوم الرياح[36] بدورها في الوقت المعيّن بغير عائق، والينابيع التي لا تنضب تقدّم أثداءها بغير توقف حياة للبشر. أصغر الحيوانات تجتمع في وئام وألفة.

11.   كل هذه الأعمال نظّمها الخالق العظيم رب المسكونة، تتحرّك في ألفة ووئام، صانعاً خيراً للجميع، خاصة لنا نحن، إذ نجد ملجأ في حنوه، بربنا يسوع المسيح.

12.  الذي له المجد والعظمة إلى أبد الآبد، آمين.

٢١

1.      احترزوا أيّها الأحبّاء لئلا يصير لطفه الكثير دينونة لجميعنا، ذلك إن لم نسلك كما يليق به، ونتمّم بفكر واحد الأمور الصالحة المرضيّة في عينيه.

2.      إذ يقول في موضع[37]: "روح الرب سراج يفتّش خبايا البطن".

3.      لتتحقّق كم هو قريب منّا؟! ليس شيء من أفكارنا أو خواطرنا مخفياً عنه!

4.      إنه لحق ألاّ نهجر إرادته المعيّنة لنا.

5.      فحري بنا أن نصطدم بإرادة أناس جهّال متهوّرين، يتكبّرون ويتباهون بحديثهم المملوء رياء ولا نعصى الله.

6.      لنكرم الرب يسوع المسيح الذي قدّم دمه لأجلنا.

ولنكرم رؤساءنا، ونوقّر شيوخنا، ونهذّب شبابنا في مخافة الله.

لنوجّه نساءنا إلى ما هو صالح.

7.      ليتحلّين بالطهارة المحبوبة جداً، ويظهرن الوداعة الصادقّة، وبصمتهنّ يُعلن عن الوصيّة التي أخذن إيّاها بخصوص ضبط اللسان.

لا تكن محبّتهن منحازة بل يظهرن حباً متساوياً لجميع خلق الله.

8.      ليتعلّم أولادكم بتربيتهم في المسيح قوّة التواضع أمام الله، وقدرة روح الحب النقي نحوه، وأن مخافته صالحة وعظيمة تخلص جميع السالكين بها بذهن نقي.

9.      لأنه هو عارف الأفكار والنيّات، وأن نسمته التي فينا يأخذها متى أراد.

٢٢

د. تذكر الدينونة وقيامة الأموات

1.      الإيمان في المسيح يكفل كل هذه الأمور، إذ يدعونا الروح القدس[38]. هلمّ أيّها البنون واستمعوا إليّ فأعلمكم مخافة الرب.

2.      من هو الإنسان الذي يهوى الحياة ويحب كثرة الأيّام ليرى خيراً؟!

3.      صن لسانك عن الشر وشفتيك من الكلمات الغاشة.

4.      حد عن الشرّ واصنع الخير.

5.      اطلب السلام واسع وراءه.

6.      عينا الرب نحو الصدّيقين، وأذناه لصلواتهم، وجه الرب ضدّ فاعلي الشر، ليقطع من الأرض ذكرهم.

7.      الصدّيق صرخ والرب استجاب له، ومن جميع شدائده نجّاه.

8.      "كثيرة هي نكبات الشرّير، والذين يرجون الرب تكتنفهم الرحمة[39]".

٢٣

1.      الآب كلي الرحمة الرؤوف يتحنّن على خائفيه، ينشر رحمته بلطف وحنو على الذين يدنون منه بقلب بسيط.

2.      لذلك ليتنا لا نتردّد، ولا نتشكّك[40] من جهة عطاياه الثمينة المجيدة.

3.      ليّته لا ينطبق علينا ما قد كُتب: "ويل للمتردّدين المتشكّكين، القائلين: سمعنا عن هذه الأمور منذ أيّام آبائنا، ولكن انظر، هذا نحن قد شخنا ولم يحدث معنا شيء من ذلك[41]".

4.      أيّها الجهّال! تشبّهوا بالشجرة فالكرمة (مثلا) أولاً تتساقط أوراقها ثم تنعقد براعمها ثم تورق، ثم تزهر وتعطي حُصرماً وبعد ذلك تأتي بثمرٍ ناضج.

5.      أتنظرون كيف ينضج ثمر الشجرة في وقت قصير؟ حقاً تتمتّع إرادة الله فجأة (وبسرعة)، كما يشهد الكتاب قائلاً[42]: "سيأتي سريعاً ولا يبطئ"، "يأتي الرب بغته إلى هيكله، القدّوس الذي تطلبونه".

٢٤

1.      لنتأمّل أيّها الأحبّاء كيف يُظهر لنا الرب باستمرار براهين القيامة العتيدة، وقد صار الرب يسوع باكورتها، إذ قام من بين الأموات.

2.      لنتأمّل أيّها الأحبّاء القيامة التي تجد لها موضعاً في كل الأوقات، فالنهار والليل يُعلنان عن القيامة. الليل يغطّ في النوم ليقوم النهار، والنهار يرحل ليأتي الليل.

3.      لنأخذ الثمار (مثلاً)، ماذا يحدث للبذار؟

4.      يخرج الزارع ويلقيها في الأرض وإذ تنتثر على أرض جافة وعارية، وتنحل تدريجياً، ألاّ أن قوّة عناية الرب تقيمها ثانية من انحلالها، ومن البذرة الواحدة تقوم بذار كثيرة وتعطي ثمراً.

٢٥

1.      لنتأمّل ذلك (الرمز) العجيب الذي يحدث في البلاد الشرقيّة أي في العربيّة والبلاد المحيطة بها.

2.      هناك طير يسمّى فينكس (العنقاء). إنّه فريد في نوعه، يعيش خمسمائة عاماً، وعندما تدنو نهايته ليموت، يبني لنفسه تابوتاً من البخور والمرّ ومن عطور أخرى، يدخله عند تمام الزمان ويموت.

3.      لكن إذ ينحلّ الجسد تخرج دودة من نوع معيّن تتغذّى على ناتج جسد الطير الميّت، وينبت لها ريش، وعندما يشتد (الطائر الجديد) ويقوى يحمل التابوت إلى حيث ترتاح عظام الميّت، مجتازاً البلاد العربيّة، قاصداً مصر إلى مدينة تسمى هليوبوليس.

4.      وفي يومٍ كامل وعلى مرأى من الجميع يطير ويضع التابوت فوق مذبح الشمس ثم يسرع عائداً إلى حيث كان.

5.      أما الكهنة فيفحصون مخطوطاتهم ويراجعون التواريخ ليجدوا أن وصوله تمّ بعد انقضاء خمسمائة سنة تماماً.

٢٦

1.      أنحسبه عجباً عظيماً ومذهلاً أن يقيم خالق الكل أبراره الذين يخدمونه بورع في إيمان وطيد، وهو الذي يظهر لنا عظمة قدرته في تحقيق مواعيده؟!

2.      يقول (الكتاب) "أنك تقيمني فاعترف"، "إنّما نمت ثم قمت لأنك أنت معي[43]".

3.      أيضاً يقول أيوب[44]: "تقيم جسدي هذا الذي حمل كل هذه الأمور".

٢٧

1.      على هذا الرجاء تلتصق نفوسنا بالأمين في مواعيده، العادل في أحكامه.

2.      لن يكذب ذاك الذي أمرنا بعدم الكذب، فإنه ليس شيء غير مستطاع لديه خارج الكذب.

3.      ليتّقد إيمإنّنا في داخلنا لندرك أن كل شيء قريب منه.

4.      فبكلمة قدرته أقام الكل، وبكلمته يقدر أن يدمّر كل شيء.

5.      "من يسأله: ماذا فعلت؟ من يقاوم قوّة سلطانه؟" (حكمة سليمان ١٢: ١٢؛ ١١: ٢٢) إنّه يفعل ما يريد وكما يريد.

6.      وليس شيء يخالف أمره.

7.      "السموات تحدّث بمجد الله، والجلّد يخبر بعمل يديه، من يوم إلى يوم ويبدي قولاً، وليل إلى ليل يظهر علماً؛ لا قول ولا كلام ولا يسمع أحد صوتهم[45]".

٢٨

1.      ما دام (الله) يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، فلنخشه ونتخلّى عن الأعمال الشرّيرة النابعة عن شهوات دنسة، حتى تحمينا رحمته من الدينونة العتيدة.

2.      إلى أين يهرب أي منّا من يده القويّة؟ أي عالم يستقبل المتمرّد عليه؟ إذ يقول الكتاب:

3.      "أين اذهب، وأين أهرب من وجهك؟ إن صعدت إلى السماء فأنت هناك، وإن رحلت إلى أقاصي الأرض يمينك هناك. وإن فرشت الجحيم فروحك هناك[46]!".

4.      إذن إلى أين يذهب أي (إنسان) من وجه ذاك الذي يحتضن كل الموجودات؟!

٢٩

1.      فلندن منه بقداسة الروح، ولنرفع نحو أيادٍ نقيّة لا دنس فيها، ونحب هذا الآب الرؤوف الرحيم الذي جعلنا من مختاريه.

2.      لقد كُتب هكذا[47]: "عندما قسّم العلي الأمم، ووزّع أبناء آدم، جعل لهم حدوداً وفقاً لعدد ملائكة الله. صار يعقوب شعبه حصّة الرب وإسرائيل نصيب ميراثه[48]".

3.      وفي موضع آخر يقول: "هوذا الرب يأخذ له أمّة وسط الأمم، كما يأخذ الإنسان باكورة من بيدره. من هذه الأمة يخرج العلي القدّوس[49]".

٣٠

ه. بالجهاد كأبناء الله

1.      ما دمنا نصيب الله القدّوس، يلزمنا أن نعمل كل شيء بما يليق بالقداسة، فنهرب من النميمة ومن الخلافات الصبيانيّة والسكر والشهوات الوضيعة والدعارة البغيضة والكبرياء الذي تمجه النفس.

2.      "لأن الله يقاوم المستكبرين ويعطي المتواضعين نعمة[50]"

3.      لنلتصق بأولئك  الذين وهبهم الله نعمة، ولنلتحف بالوئام والاتّضاع. ممارسين على الدوام ضبط النفس (العفّة)، ولنبتعد عن كل ثرثرة وكلام النميمة، فنتبرّر بأعمالنا أكثر من كلامنا.

4.      لأنه قيل: "من يتكلّم كثيراً يسمع أيضاً كثيراً، يمكن لمن يتكلّم كثيراً أن يحسب نفسه باراً؟".

5.      طوبى للمولود من امرأة وحياته قصيرة، ولم يكثر الكلام[51].

6.      ليكن مدحكم من الله لا منكم، لأن الله يبغض من يمدح نفسه.

7.      فليشهد الآخرون عن أعمالنا الصالحة كما شهدوا لآبائنا الصدّيقين.

8.      القحّة والعجرفة والطياشة هي من سمات الملعونين من الله، أمّا الرزانة والتواضع والوداعة فهي من سمات مباركي الله.

٣١

1.      لنلتصق ببركته ولنر ما هو طريق اقتنائها.

لندرس ما حدث منذ البدء.

2.      لماذا بورك إبراهيم؟ أليس بسبب اقتنائه البرّ والحق من خلال الإيمان؟!

3.      أُقتيد إسحق بثقة كاملة كذبيحة بإرادته الحرّة، كأنه كان يعرف المستقبل.

4.      وهرب يعقوب من أخيه وترك أرضه تواضعاً، وذهب إلى لابان خاله وخدمه، وهناك أعطى أسباط بني إسرائيل الإثني عشر.

٣٢

1.      إذا أدرك إنسان كل واحدٍ فواحدٍ بإخلاص يعرف عظمة المواهب التي يعطيها (الله)[52].

2.      منه[53] خرج الكهنة وكل اللاويّين خدّام مذبح الله. منه (جاء) ربّنا يسوع المسيح بالجسد. منه أيضاً خرج ملوك ورؤساء وحكام يهوذا. أمّا أسباطه الأخرى فلم تكن ذات مجدٍ قليل، كوعد الله القائل[54]: "يكون نسلك كنجوم السماء".

3.      هؤلاء جميعهم نالوا مجداً وعظمة لا بأنفسهم ولا بأعمالهم الذاتيّة ولا ببرّهم الذاتي بل بإرادته.

4.      ونحن أيضاً الذين دُعينا بإرادته في المسيح يسوع لن نتبرّر بذواتنا ولا بحكمتنا ولا بفطنتنا ولا بتقوانا ولا بالأعمال التي نصنعها في قداسة القلب، بل بالإيمان الذي منذ البدء برّر به الرب القدير كل الناس، له المجد إلى أبد الأبد. آمين.

٣٣

1.      إذن ماذا ينبغي علينا أن نفعل يا اخوة؟ أنهمل عمل الخير، ونكف عن الحب؟ الله لن يقبل ذلك! بل بالحري نسرع في عمل الخير باجتهاد وفي غيرة:

2.      إن خالق الكل وربّهم هو نفسه يفرح بأعماله.

3.      فبعظيم قدرته تثبّت السموات وبحكمته غير المدركة زيّنها. فصل الأرض عن المياة التي تغمرها، وثبّتها بأساس إرادته الذي لا يتزعزع. وبكلمته أمر أن تكون الحيوانات. هكذا أيضاً عندما خلق البحر وما فيه من كائنات حيّة حصر حدوده بقوّته.

4.      بعد هذا كلّه خلق – بيديه الطاهرتين اللتين بلا عيب – الإنسان الفائق لكل خلائقه، والذي بحق هو عظيم بالفهم المعطى له، جبله على صورته.

5.      يقول الله[55]: "لنصنع إنساناً على صورتنا ومثالنا، ذكراً وأنثى خلقهما".

6.      وبعد أن أكمل هذا مدحهما وباركهما قائلاً[56]: "اَنميا واَكثرا".

7.      لقد رأينا الأبرار قد تزينوا بأعمال الخير، بل والله نفسه إذ صنع أعماله فرح بها.

8.      ونحن إذ لنا هذا المثال، لا نتردّد في تسليم نفوسنا لإرادته، وبذل كل طاقتنا في عمل البرّ.

٣٤

1.      العامل الصالح يقتبل خبز عمله بجرأة، أمّا الكسول والمتهاون فلا يجسر أن ينظر بعينيه إلى رب عمله.

2.      لنكن متأهّبين في عمل الخير، فمن (الله) يأتي كل شيء.

3.      لقد سبق فحذّرنا: "انظروا فإن الرب (قادم) ومجازاته قدّام وجهه، ليعطي كل واحدٍ حسب أعماله[57]".

4.      إنه يحضّنا (على الإيمان به) من كل البناء فلا نتراخى أو نهمل في أي عمل صالح.

5.      ليكن فخرنا واطمئنانّنا بالرب، ولنخضع لإرادته، وندرك أن كل جيش ملائكته يقفون حوله متأهّبين لخدمة إرادته.

6.      يقول الكتاب[58]: "ربوات وقوف حوله، وألوف ألوف يخدمونه، يصرخون قائلين، قدوس، قدوس، قدوس رب الصباؤوت، كل الخليقة مملوءة من مجده".

7.      نحن أيضاً إذ نجتمع مع بعضنا البعض باتفاق، نصرخ بغيرة كما من فم واحد، لنصير شركاء مواعيده العظيمة الممجّدة.

8.      لقد قيل[59]: "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين ينتظرونه".

٣٥

1.      مباركة ومدهشة هي عطايا الله أيّها الأحبّاء!

2.      حياة في خلود! سمو في برّ! حق في صراحة[60]! إيمان في يقين! عفّة في قداسة! هذه جميعها تدخل تحت إدراكنا.

3.      فماذا إذن تكون الأمور المعدّة للذين ينتظرونه؟! إن الخالق، أب الأجيال، وكلّي القداسة، هو وحده يعرف مقدارها وجمالها!

4.      ليتنا نكافح بحماس لنكون من عداد منتظريه، فيكون لنا شركة مواهبه الموعود بها.

5.      وما هو السبيل إلى ذلك أيّها الأحبّاء؟ إن كان ذهننا ثابتاً في الله بالإيمان، وطلبنا ما يسره بشغف، وفعلنا ما يتّفق مع إرادته غير المعيبة، وملكنا طريق الحق، طارحين عنّا كل إثم وظلم وطمع ومنازعات وأفعال شرّيرة وغش واغتياب وكراهيّة لله وكبرياء ومجد فارغ وبّخل[61].

6.      قال الله: "إن من يعمل مثل هذه الأمور ومن يُسر بفاعليها، مكروهون لدى الله".

7.      إذ يقول الكتاب: "واللشرّير قال الله: مالك تحدِّث بفرائضي وتحمل عهدي على فمك؟!"

8.      وأنت أبغضت التعليم وألقيت كلامي خلفك؟! وإذا رأيت سارقاً وافقته، ومع الزناة نصيبك. أطلقت فمك بالشر، ولسانك يخترع غشاً. تجلس تتكلّم على أخيك، لابن أمِّك تضع معثرة.

9.      هذه صنعت وأنا سكت، ظننت أيّها الشرّير إنّي مثلك.

10.  لكنّني أوبّخك وأظهر ذاتك قدّام عينيك.

11.  تأمّلوا هذا أيّها الناسين الله لئلا يفترسكم كالأسد ولا منقذ.

12.  ذبيحة الحمد تمجّدني والطريق الذي به أريه خلاص الله[62].

٣٦

1.      هذا هو الطريق أيّها الأحبّاء، الذي فيه وحدنا مخلصنا يسوع[63] المسيح رئيس كهنة تقدماتنا، المدافع عن ضعفنا ومعيّننا.

2.      به نحدق إلى أعلى السموات، وبه نرى كما في مرآة وجهه السامي الطاهر. به تنفتح أعين قلوبنا، وبه يشرق ذهننا الغبي المظلم أمام نوره العجيب. به يديد الرب أن نذوق المعرفه الخالدة "الذي هو بهاء مجده، صار أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أسما أفضل منهم[64]".

3.      فقد كتب: "الصانع ملائكته أرواحاً، وخدّامه لهيب نار[65]".

4.      ويقول الرب عن ابنه "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصي الأرض ملكاً لك[66]".

5.      ويقول له أيضاً: "اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت قدميّك[67]".

6.      من هم أعداؤه؟ كل الأشرار والذين يعصون إرادة الله.

٣٧

د. بالخضوع للنظام والترتيب

1.      فلنتجنّد أيّها الاخوة بكل جدٍ حسب وصاياه المقدّسة.

2.      ولنلاحظ الذين يخدمون قادتهم بأي نظم وطاعاة وخضوع يتمّمون أوامرهم.

3.      فإنه ليس الجميع ولاة ولا قوّاد ألف ولا قوّاد مائة أو خمسون، إنّما كل واحد حسب رتبته يأخذ الأمر من الملك أو القوّاد.

4.      إذ لا وجود للكبار بدون الصغار، ولا للصغار بدون الكبار، وإنّما في كل مكان يوجد دمج (كبار وصغار) لنفع الجميع.

أعظم مثل لهذا هو جسدنا، فالرأس بدون الأقدّام ليس بشيء، ولا الأقدّام بدون الرأس. نعم، فإن أقل الأعضاء في جسدنا ضروري ومفيد للجسد كلّه. أو بالحري كل الأعضاء تعمل معاً في خضوع لأجل الجسد.

٣٨

1.      ليُحفظ جسدنا كلّه في المسيح يسوع، وليخضع كل واحد منّا لقريبه، حسب الموهبة التي أُعطيت له.

2.      فلا يحتقر القوي الضعيف، وليحترم الضعيف القوي، وليسد الغني احتياجات الفقير، وليشكر الفقير الله الذي أوجد له من يسد عوزه. ليظهر الحكيم حكمته[68] لا بالكلام بل بالأعمال الصالحة. ليبتعد المتواضع عن الشهادة لنفسه، تاركاً الآخرين يشهدون له[69]. ولا يتكبّر العفيف جسدياً بهذا منتفخاً، عالماً أن آخر (الله) وهبه عطيّة العفّة.

3.      لنتأمّل يا اخوة من أيّة ماده وُلدنا، وماذا كنّا عندما أتينا إلى العالم، إذ كنّا كخارجين من القبر، من ظلمة حالكة أعدّ لنا ذاك الذي جبلنا وخلقنا نعمته الغنيّة قبل أن نولد في هذا لعالم.

4.      إذن يليق أن نشكره على كل شيء ما دام كل شيء فينا هو منه. له المجد إلى أبد الأبد. آمين.

٣٩

1.      يسخر منّا ويهزأ بنا الجهال المتهوّرون، الذين لا حكمة لهم ولا علم، يشغفون نحو الاعتداد بفهمهم.

2.      تُرى ما هي قوّة الإنسان المائت، أو أي قدرة من جُبل من التراب؟

3.      لقد كُتب[70]: "إن عينيّ لا تنظران شكلاً، إنّما سمعت نفساً وصوتاً(يقول):

4.      ماذا؟ هل يتبرّر إنسان مائت أمام الرب؟ أو لا يلام إنسان من أجل أعماله؟ هوذا (الله) لا يأتمن خدّامه، وإلى ملائكته ينسب حماقة.

5.      السموات غير طاهرة في عينيه، فكم بالحري الذي يسكنون في بيوت من الطين، إذ ندن منها أيضاً قد خلقنا؟! يسحقّهم مثل العث؛ بين الصباح والمساء يحطّمون، وإذ لا يسندون أنفسهم يبيدون.

6.      ينفخهم فيموتون، إذ هم بلا حكمة.

7.      ادع الآن، فهل من مجيب؟ أو لأيّ من الملائكة القدّيسين تلتفت؟ لأن الغيظ يقتل الغبي، والحسد يميت الضال.

8.      رأيت الأغبياء يتأصّلون، وبغتة يضيع مريضهم.

9.      أولادهم بعيدون عن الأمن، وقد تحطّموا أمام أبواب الأدنياء، ولا منفذ. لأن ما قد أعدّوه يأكله الأبرار، لكنّهم لا يخلصون من الشر".

٤٠

1.      ما دامت هذه الأمور واضحة لنا، وما دمنا قد اخترقنا بأبصارنا أعماق المعرفة الإلهيّة، يليق بنا أن نتمّم كل ما أمرنا به الرب بنظام وبحسب الأزمنة المعيّنة.

2.      أمرنا أن نقدّم التقدمات، وأن نعمل خدمات إلهيّة، لا بطياشة وتشويش بل حسب أوقاتٍ وساعاتٍ معيّنة.

3.      لقد عدّد بنفسه، بأمره العلوي، أين نتمّمها ومن الذي يقدّمها، حتى إذ يتم كل شيء بورعٍ حسب مسرّته الصالحة تكون مقبولة لديه.

4.      فيكون الذين يقدّمون تقدماتهم حسب الأزمنة المعيّنة مقبولين ومطوَّبين يتبعون قوانين الرب فلا يخطئون.

5.      أُعطيت لرئيس الكهنة[71] ليتورچيّات خاصة (بهم)، وحدّدت للكهنة أماكن معيّنة، وللاويّين[72] خدمات خاصة وللعلمانيّين القوانين التي تخصهم.

٤١

1.      ليعمل (يشترك) كل واحد منكم يا اخوة في الأفخارستيّا eucharisteito (الشكر) لله، كل حسب ترتيبه[73] (وضعه) سالكاً بكل ضمير صالح في وقار، ولا يتعدّى قانون الخدمة المعطى له.

2.      فلا تقدّم الذبائح اليوميّة، يا اخوة، أو ذبائح السلام أو ذبائح الخطيّة وذبائح المعصيّة في أي مكان في بل أورشليم وحدها، ولا في أي موضع إنّما على المذبح قدّام الهيكل، بعد أن يفحصها رئيس الكهنة والخدّام السابق ذكرهم بكل دقّة.

3.      لذلك الذين يعملون ما يخالف إرادته يكون الموت جزاءهم.

4.      تأمّلوا يا اخوة إنّه بمقدار ما تأهّلنا لمعرفة أعظم، يزداد الخطر (المسئوليّة) علينا.

٤٢

1.      تسلّم الرسل الإنجيل من الرب يسوع المسيح، وأُرسل المسيح من الله.

2.      إذن المسيح من الله، والرسل من المسيح، وفي كليهما تتمّان إرادة الله بترتيب منظم.

3.      وقد تسلّم الرسل طقسهم واقتنوا الأمان الكامل بقيامة ربّنا يسوع المسيح، وتثبّتوا في كلمة الله بكل تأكيدات الروح القدس، فخرجوا يكرزون باقتراب ملكوت الله.

4.      وإذ نادوا في المدن والقرى رسموا بالروح القدس بكور عملهم أساقفة وشمامسة على الذين يؤمنون فيما بعد.

5.      وهذا ليس بجديد، فقد كتب منذ القديم عن الأساقفة والشمامسة "أقيم أساقفتهم[74] في البرّ وشمامستهم[75] في الإيمان[76]".

٤٣

1.      أي عجب في هذا أن الذين ائتمنهم الله بعمل كهذا أن يقيموا السابق ذكرهم، إن كان موسى الطوباوي الخادم الأمين في بيته[77] يدَّون في الكتب المقدّسة كل ما أُمر به، فتبعه الأنبياء الآخرون وشهدوا بما شرعه.

2.      وإذ ثارت المنافسة حول الكهنوت بين الأسباط لمعرفة المُحظي بشرف هذا اللقب أمر (موسى) رؤساء الأسباط الإثني عشر أن يحضر كل منهما عصاه كتب عليها اسم سبطه، وإذ تسلّمها موسى وجمعها إلى بعضها البعض ربطها وختمها باختام الأسباط كلّها ووضعها في تابوت للشهادة فوق مائدة الله.

3.      وإذ أُغلق التابوت ختم مفاتيحه كما ختم العصى[78].

4.      وقال لهم: أيّها الرجال والاخوة، إن السبط الذي تفرُخ عصاه يكون هو مختار من قبل الله ليكمِّل وظيفة الكهنوت ويخدمه.

5.      وعندما أقبل الصباح جمع موسى كل إسرائيل ستمائة ألف رجل وعرض أمام رؤساء الأسباط الاختام، وفتح تابوت الشهادة فوجد عصا هرون لم تفرخ قط بل وأثمرت[79].

6.      ما قولكم أيّها الأحبّاء؟ إلم يكن موسى يعرف ذلك مسبقاً؟ بلا شك كان يعلم، لكنّه لجأ إلى هذا الفعل تحاشياً لحدوث اضطراب في إسرائيل، وتمجيداً لاسم الله الحقيقي الوحيد، الذي له المجد إلى أبد الأبد. آمين.

٤٤

1.      لقد عرف رسلنا أيضاً من ربّنا يسوع المسيح أن موضوع وظيفة الأسقفيّة سيثير خلافات.

2.      لهذا السبب إذ حصلوا على معرفة كاملة للمستقبل في هذا الأمر، رسموا الرجال السابق ذكرهم، ووضعوا بعد ذلك تعليمات إنّه متى رقد هؤلاء يخلفهم في خدمتهم أناساً مزكّين.

3.      على ضوء هذا، فإنه من الظلم أن تُعفى من الخدمة هؤلاء الذين رسمهم (الرسل)، أو رسموا فيما بعد بواسطة أناس ممتازين، بموافقة الكنيسة كلّها، خادمين قطيع المسيح بلا عيب في اتّضاع وهدوء بروح نزيه، وحصلوا على سمعة طيّبة من الجميع لفترة طويلة.

4.      إنها خطيّة ليست هيّنة نُحرم بها إن كنّا نَستبعد من الأسقفيّة الذين يقدّمون التقدمات بلا عيب في قداسة.

5.      طوبى لهؤلاء الكهنة (إبريسفيتيروس) الذين عبروا، وكان عبورهم مثمراً ويحمل نضوجاً، فإنهم لا يخافون أن يطردهم أحد من المكان الذي خصّص لهم.

6.      لكنّنا نراكم أَعفيتم أناساً سالكين حسناً من خدمة أكملوها بلا عيب في وقار.

٤٥

1.      إنكم مولوعون بالمنازعات أيّها الاخوة، ومملؤون غيرة في أمور لا تخص خلاصكم.

2.      انكبّوا على دراسة الكتب المقدّسة التي هي منطوقات الروح القدس.

3.      فإنكم تعرفون أن ما كُتب فيها ليس شيئاً خاطئاً أو محرّفاً، إنكم لا تجدون فيها صدّيقين يطردهم قدّيسون.

4.      حقاً نجد فيها صدّيقين اضطُهدوا لكن بواسطة أشرار ونجد صالحين سجنهم أشقياء، أبراراً رجمهم عصاة وقتلهم أناس مغضوب عليه، حملوا حسداً بغيضاً.

5.      أما هم فتحمّلوا مثل تلك الآلام بمجد.

6.      ماذا أقول يا إخوة؟ هل أُلقي دانيال في جب الأسود بواسطة رجال يخافون الله؟

7.      هل أُلقي حنانيا وعزرا وميصائيل في أتون النار بواسطة أناس عبدو العلي مجيدة وعظيمة؟ حاشا أن يكون لنا هذا الفكر! من هم الذين فعلو هذه الأمور؟ إنّهم رجال مبغوضون ومملؤون بكل شر، التهب فيهم غضب مرّ ودفعهم حقدهم إلى تعذيب من خدموا الله بنيّة صالحة لا غبار عليها.

8.