|
ورد هذا العمل جنباً إلى جنب مع الرسالة
الأصيلة التي للقدّيس إكليمنضس الروماني في المخطوطات الثلاث
الأولى السابق ذكرها: المخطوط الإسكندري (A)
والقسطنطيني (C)
والسرياني (S).
هذا العمل ليس هو رسالة بل عظة يشهد بذلك
تكوينها الأدبي وطابعها ونغمتها الوعظية (فصل ١٧، ١٩، ٢٠)، قرأت
بواسطة واضعها أثناء العبادة العامة بعد تلاوة فصل من الكتاب
المقدّس (فصل ١٩).
|
وبالرغم من أن واضعها ليس إكليمنضس الروماني،
وهي أقل بكثير من الرسالة الأصيلة في محتوياتها وطابعها، وتاريخها
متأخّر بالنسبة لها، مع ذلك فلها أهميّتةا الكبرى بالنسبة لنا، إذ
تكشف لنا عن الكرازة في الكنيسة الأولى، بكونها أول عظة مسيحيّة
وصلت إلينا حتى اليوم.
يقول الأسقف
Lightfoot: "إن
كانت الرسالة الأولى لإكليمنضس هي إول عمل يكشف لنا عن الليتورچيّا
المسيحيّة، فإن المسمّاة بالرسالة الثانية هي أول مثل للعظة
المسيحيّة.
واضعها
يعتبر يوسابيوس المؤرخ الكنسي هو أول من تكلّم
عن هذه الرسالة، غير أنّه لم يعتبرها لإكليمنضس أسقف روما.
وجاء في كتاب "مشاهير الآباء" للقدّيس
إيرونيموس في الفصل الخاص بإكليمنضس: "توجد رسالة أخرى تحت اسمه
رفضها الكتّاب الأوّلون".
ولم يعرف الآباء مثل إيريناؤس وإكليمنضس
الإسكندري وأوريجين لإكليمنضس ألاّ رسالة واحدة.
على أي الأحوال لا نستطيع أن نخرج برأي قاطع عن
واضع هذا العمل، من واقع كتابات الآباء الأوّلين، أمّا الدارسون
المحدثون فقد انقسموا إلى عدة نظريّات ومجموعة من الآراء، كل يدافع
عن نظريّته أو رأيه أهم هذه النظريّات:
1.
انها من أصل
كورنثي
نادى بها الأسقف
Lightfoot و
Funk و Kruger،
فقال الأوّل أنها عظة ألقاها أحد رجال الإكليرس – غالباً ما يكون
الأسقف – بكورنثوس في الفترة ما بين ١٢٠ و ١٤٠م.
ويدلّل أصحاب هذه النظريّة على ذلك بالبراهين
التالية:
أ.
في الفصل السابع من
العظة يقارن الكارز أو الواعظ بين الحياة المسيحيّة والألعاب
اليونانيّة، مشيراً إلى المصارعين وهم "يجوبون البحر" للاشتراك في
المصارعات ونوال المكافأة. وكأن الكارز قد انشغل ذهنه بتلك الجموع
الغفيرة التي تصل إلى كورنثوس من بقاعٍ كثيرة، خصيصاً للاشتراك في
الألعاب الكورنثية Isthmian Games. |
|
ب.
ان نسب هذه الرسالة
إلى القدّيس إكليمنضس الروماني وارتباطها بالرسالة الأصليّة لا
يمكن أن يكون ألاّ في كورنثوس.
فقد كان موضوع الرسالة نستبها لإكليمنضس لغزاً
يرجع إلى أيّام يوسابيوس للمؤرخ، الذي أشار إلى ذلك معلناً أنها
ليست عملاً أصيلاً له، ولا قبلها الكتاب الأوّلون.
وجاء القدّيس چيروم يقول نفس الشيء، ومع هذا فقد احتلّت هذه العظة
مع الرسالة الأصيلة مركزاً هاماً في الكنيسة الأولى، فجاءنا كملحق
للعهد الجديد في المخطوط الإسكندري للكتاب المقدّس (القرن الخامس)،
كما وردتا في المخطوط السرياني ما بين رسائل بولس والكاثوليكون. بل
وجاءنا في القوانين الرسوليّة
كجزء من أسفار العهد الجديد.
على أي الأحوال لابد أن تكون هذه العظة قد نسخت
مع الرسالة الأصليه لإكليمنضس مع الأسفار القانونيّة في منتصف
القرن الثاني قبل عام ١٨٠م حيث استقرّت الكنيسة شرقاً وغرباً على
تحديد الأسفار القانونيّة منها من نسخ أي كتاب دخيل مع الأسفار
الخمسة. هذا – في رأي أصحاب هذه النظريّة – لا يمكن أن يكون قد حدث
ألاّ في كورنثوس، وذلك حيث كانت الرسالة الأصيلة تقرأ في الكنيسة
أثناء العبادة العامة أيّام الآحاد من وقتٍ لآخر، فنسخت هذه العظة
دون ذكر واضعها مع الرسالة الأصيلة في كتاب "القراءات الكنسيّة"،
الأمر الذي أدى إلى حدوث لبس في واضعها، ونسبة ا لإثنين كرسالتين
لإكليمنضس.
2.
إسكندرانيّة
الأصل
بعدما نسبها Hilgenfeld
إلى سوتيروس أسقف روما (١٦٦– ٧٥م) عاد عام ١٨٧٦م ينسبها إلى
إكليمنضس في صباه أثناء تغرّبه في كورنثوس.
وقد وجد هذا الرأي هجوماً عنيفاً من الدارسين
نلخصه في الآتي:
أ.
يقول
M.B. Riddle أن
مستوى الآباء الإسكندريّين يفوق بمراحل هذا المستوى الهزيل.
ب.
استخدّام العظة بعض
مقتطفات من "إنجيل المصريّين" يؤكد أن الواضع ليس إكليمنضس
الإسكندري، لأنه رفض هذا السفر المزور.
ج.
تحمل هذه العظة شهادة
داخليّة أنها من وضع النصف الأول من القرن الثاني، فلا يكون
إكليمنضس الإسكندري (أواخر القرن الثاني) واضعها.
على أي الأحوال إن كان نسبتها لإكليمنضس
الإسكندري وجد معارضة قويّة، لكن هذا لا يضعف من النظريّة القائلة
بانها إسكندرانيّة الأهل، فقد يكون واضعها أسقف آخر أو أحد رجال
الإكليروس من الإسكندريّة.
يقول
Cyril C. Richardson
"بينما اختلف الدارسون اختلافاً بيّناً عن
موضع أصلها، فإن هناك عدد من الدلائل تشير إلى أن مصر هي أصلها...
فالإسكندريّة هي المكان الوحيد الذي يتناسب حقاً مع سجة العظة
ونغمتها. هذا ما أدركه
Vernon Barlet
وتوصّل إليه
مبكّرا منذ عام ١٩٠٦م. نفس النتيجة توصل إليها
Strecter
بعده بعشرين عاماً في عمله المستقل عنه تماماً".
أما أهم الدلائل التي اعتمد عليها هؤلاء
الدارسون وغيروهم لتأكيد نظريّتهم فهي:
ا. أن ما نادى به أصحاب النظريّة الأولى بأن ما
حدث من ارتباك بخصوص نسبة العظة لإكليمنضس الروماني لا يمكن أن
يكون قد حدث ألاّ في كورنثوس، هذا الأمر غير صحيح، وإنّما – حسب
رأي أصحاب النظريّة الثانية – يمكن أن يكون هذا قد حدث في
الإسكندريّة. لأن كورنثوس لم تكن المكان الوحيد الذي فيه تُقرأ
الرسالة الأصيلة لإكليمنضس أثناء العبادة، فكما سبق أن رأينا أن
إكليمنضس الإسكندري قد أشار إلى قراءتها في كنيسة الإسكندريّة.
أكثر من هذه نجده يقتطف بعض عبارات منها بكونها عملاً رسولياً.
فيمكن القول أيضاً أن هذه العظة أُلقيت في مدينة الإسكندريّة من
أحد رجال إكليروسها، ونسخت في كتاب القراءات الكنسيّة مع الرسالة
الأصيلة لإكليمنضس لتُقرأ الإثنتان معاً. فحدث لبس مع الأولى
وحُسبت رسالة ثانية لإكليمنضس الروماني.
ب. إن كان أصحاب النظريّة الأولى قد اعتمدوا في
حججهم على أن واضع العظة قد انشغل ذهنه بجمهور المصارعين القادمين
بحراً إلى كورنثوس يمارسون الألعاب الكورنثيّة، فإن شهرة هذه
الألعاب لا تقف عند كورنثوس بل عبرت إلى بقاعٍ كثيرة هذا وان
الإسكندريّة أيضاً كانت لها شهرتها في الألعاب والمصارعات التي
قدّم إليها الكثيرون من الخارج.
ا. ظهر في العظة آثار غنوسيّة خفيّة... وكنيسة
الإسكندريّة تُعتبر المصدر الأول للفكر لغنوسي.
ب. ما ورد في الفصل ١٤ عن وجود الكنيسة السابق،
وهي تحمل أثراً أفلاطونياً قوياً يكشف عن أصالتها الإسكندرانيّة.
ج. يعتمد الكارز على بعض فقرات من إنجيل أبو
كريفا، يحمل آثاراً غنوسيّة،
هو "إنجيل المصريّين". هذا الإنجيل المزوّر إن كان قد رفضه
إكليمنضس الإسكندري، لكن الكارز اقتبس بعض مقتطفات عنه.
3.
رومانيّة الأصل
نادى Berynnious
مكتشف المخطوط C،
Sprizel أن كاتب
الرسالة هو إكليمنضس الروماني، لكن هذا العمل يحمل في داخله شهادة
ضدّ هذا الرأي.
ورأينا Hilgenfeld
ينادي بأن واضعها هو سوتيروس أسقف روما (١٦٥–١٧٣)، لكنّه عاد فعدل
عن هذا الرأي.
وقد بذل Harnack
جهده في تأكيد أصلها الروماني.
وقد ذلك أصحاب هذه النظريّة بالآتي:
ا. الاستخدّام الغريب لرؤيا مفقودة، ربّما تكون
رؤية Modat،
Fdad المشار
إليها في هرماس (رؤ٢: ٣-٤) بواسطة كل من إكليمنضس الروماني وهذه
العظة. هذه الرؤيا لابد أن تكون رومانيّة استخدمت في كلي العملين.
ب. تشابه هذا العمل في تركيزه على التوبة
ونهاية العالم، مع كتاب "الراعى" الروماني.
لكن هذه النظريّة وجدت اعتراصات قويّة:
ا. يقول Quaston
وغيره من الدارسين أن هذا العمل لا يحمل أي سمة من سمات الرسالة بل
هو عظة، فلا تكون رسالة سوتير الروماني إلى كنيسة كورنثوس كما
يدَّعي أصحاب هذه النظريّة.
ب. في نغمتها وفكرها وتقليدها لا تحمل طابع
كنيسة روما في ذلك الحين.
ج. تشابهها مع كتاب هرماس ليس مقنعاً.
د. كون هذه العظة تستخدم رؤيا مفقودة استخدمت
في كتاب روماني "الراعي" لهرماس لا يعني أن الرؤيا وجدت في روما
وحدها في ذلك الحين.
ا. هيبوليتس الروماني الذي احتضن التقليد
الروماني المسيحي، والذي عاش في وقت مقارب لسوتيروس أسقف روما أوضع
أن "إنجيل المصريّين" مزور...
فإن كانت العظة لسوتيروس، كيف يقتطف من هذا الإنجيل المرفوض؟!
نخلص من هذا كلّه إنّه وإن كان إلى يومنا هذا
لم يستقر الدارسون على أصل العظة وواضعها، لكن الدلائل تشير
بالأكثر إلى أنها إسكندرانيّة الأصل.
ملامح العظه ومحتوياتها
1.
يقول
Richadson "تجد
في هذه الوثيقة أقدّم عظة مسيحيّة محفوظة، تبدو من نتاج كنيسة
الإسكندريّة قبل منتصف القرن الثاني. لها أهميّتةا إذ تشير إلى
استخدّام إنجيل مزور، كشهادة لبعض الآثار الغنوسيّة، وفي نفس الوقت
في أساسها تهاجم الأفكار الغنوسيّة؛ كما تقدّم وجهة النظر تجاه
الكنيسة بكونها استمراراً "للتجسّد".
2.
تكشف لنا في بساطة عن الإيمان
العملي، فتركّز على طاعة وصايا السيّد المسيح واحتقار شهوات العالم
من أجل بلوغنا الحياة الأبديّة. تحدّث في وضوح عن فاعليّة الأعمال
الصالحة في الخلاص. فالعطاء هو علامة التوبة الحقة الصادقّة،
وهو أهم من الصوم، والصوم أفضل من الصلاة... إنّه يدعو للحب
العملي.
3.
من جهة السيّد المسيح
Christology
فقد تحدّثت عنه بكونه الديّان للأحياء والأموات، نمجده لا بالكلام،
إنّما عملياً بطاعة وصاياه.
تحدّثت في عبارات واضحة عن لاهوته وناسوته،
وما احتمله من آلام لأجل خلاصنا، من خلاله يُعلن الآب لنا الحق
والحياة الأبديّة.
4.
الإككسيولوچي
Ecclesiology
تحدّث الكاتب عن الكنيسة أنها سابقة الوجود، لكنّها كانت غير
منظورة روحيّة وعاقراً، والآن بتجسّد السيّد المسيح صارت جسده
وعروسه في نفس الوقت، وأُعطينا نحن كأولاد لها.
لأول مرّة يشار عنها كأم، وإن كان لم يستخدم
نفس التعبير "أم" لكنّه قدّم المعنى، معلناً أنها صارت خصبة
الأولاد.
5.
العماد: دعاه واضع هذا العمل
ختماً Sphragis،
يلزم حفظه غير منثلم.
6.
التوبة: جاء في الجزء الأخير
من العظة شهادة حيّة ومباشرة عن التوبة عن الخطايا التي يرتكبها
المؤمن بعد عماده... أنها تدعو إلى التوبة المستمرّة.
7.
أخيراً نقول أنها وعظيّة في
بنيانها ونغمتها، تكشف عن شخصيّة الكارز بها، إنّه ملمّ بالعهد
الجديد إلماماً تاماً، أرثوذكسي المعتقد، يحمل روح الكرازة
المتّقدة غيرةً وشوقاً نحو الدخول بالكل إلى الحياة الفاضلة في
طاعة المسيح، ونصرة الإيمان العملي الغالب، لا يتكلّم في بلاغة أو
فصاحة لغة، إنّما في بساطة ووضوح، في غير غموض ولا تنميق يُعلن
غاية حديثه، وهي:
ا. الحياة المقدّسة في المسيح يسوع.
ب. الثبات في الاضطهاد.
ج. التوبة المستمرّة من أجل الدينونة العتيدة.
النصوص التقليديّة
تعرّف الباحثون على إثني عشر فصلاً من هذه
العظة بتعرّفهم على المخطوط الإسكندري A،
أمّا النص اليوناني الكامل (٢٠ فصلاً) فيرجع إلى المخطوط
القسطنطيني C
الذي اكتشفه Brynnious
عام ١٨٧٥م وقام بنشره.
ظهور هذا المخطوط أدّى إلى مراجعة كثير من
الأعمال الخاصة بالعظة وظهور الكثير من الدراسات الخاصة بها.
وفي عام ١٨٧٦م إذ اكتشف المخطوط السرياني
S والذي يشمل
نصاً كاملاً للرسالة، لم يكن له أثر على هذه الدراسات اللهمّ ألاّ
تقديم مادة خصبة للدراسات النقديّة في هذه العظة.
ويرى
Prof. Riddle في
مقارنته بين المخطوطات الثلاث:
1.
أن المخطوط َA
في الأجزاء التي يحويها أكثر المخطوطات
جدارة الثقة وأن النص S
عادة أكثر دقّة من C.
2.
تظهر أهميّة المخطوط
S الكبرى في تصحيح بعض
التخبطات الواضحة في النص اليوناني.
|