لم يكفّ أبونا البار ثيوذوسيوس خلال رئاسته للدير عن
التلألؤ بالنور بحياته الفاضلة.
وكان يستقبل المرشحين للرهبنة, سواء كانوا فقراء أم
أغنياء, ببشاشة وودٍ عميق. فقد كان يعرف الضيق الذي يعانيه
من يتوق إلى الحياة الرهبانية, إذا ما رفض قبوله فيها. فقد
ذاق هو نفسه مثل هذا الضيق يوم إنطلق ليصير راهباً وأقفلت
أديرة كياف أبوابها في وجهه.
|
إلاّ أنه لم يكن ليستعجل إذا ما أراد أن يسيم راهباً. فلا
يتسرع في إلباسه جبة الراهب مباشرة. وكان يتركه لابساً
ملابسه العادية فترة من الزمن, إلى أن يتعرّف جيداً على
الحياة في الدير. وبعد أن يمتحنه في مختلف الخدمات
والمهمات التي يكلفه بها, كان يلبسه الإسكيم الصغير. وإذا
تجلّت في ما بعد نقاوة حياته رقَّاه عن جدارة بإلباسه
الإسكيم الملائكي الكبير. وما كان ليكفّ عن إسداء النصح
لتلاميذه, ليسلكوا حياة التوبة.
وكان من عادات هذا القديس رئيس الدير أن يمر في الليل على
قلالي الرهبان, ليرى بنفسه كيف يعيش كل راهب وكيف يعبد
الله, فإذا رآه يصلّي مجَّد الله وتركه وهو مفعم بالسرور.
أمّا إذا لاحظ أن إثنين أو ثلاثة اجتمعوا في إحدى القلالي,
بعد صلاة النوم, وقد أخذوا يتجاذبون الحديث, طرق الباب
وابتعد حزيناً. فكان بهذه الطريقة يشعرهم بحضوره. وفي
الصباح كان يستدعيهم ليظهر لهم ما إرتكبوه من خطأ. وكان
يربيّهم ويرشدهم بأمثال ونماذج صالحة, لكي يعززوا إخلاصهم
لله وتعلّقهم به. وهذا ما كان يرغب فيه كثيراً. وبهذا
النهج كان الأخ الراهب ذو القلب المتواضع الشديد الحب لله
يدرك خطأه فيقوم بالمطانية (السجود) ويطلب الصفح. أمّا من
كان قلبه مظلماً بتأثير الشيطان ولا يميّز خطأه, معتبراً
نفسه بريئاً, ويرى أن أقوال البار لا علاقة لها بحاله,
فكان يبقيه لديه فترة أطول ينصحه فيها. ثم يطلقه بعد أن
يعيّن له قصاصاً تأديبياً. على هذا المنوال كان يعلّم
الإخوة أن يجتهدوا في صلاتهم وأن لا يتحادثوا بعد صلاة
النوم, وأن لا يتنقلوا من قلاية إلى أخرى. وأن يبقى كلٌّ
منهم في قلايته ويصلّي. وكان يطلب منهم أيضاً أن يتلوا
مزامير داوود إن إستطاعوا أثناء عملهم في النهار.
وكان ينصحهم قائلاً:
(( أتوسّل إليكم أيها الإخوة. فلنتقدمنَّ في الصوم
والصلاة, ولنهتمنَّ بخلاص نفوسنا. ولنرجعنَّ عن شرورنا,
وعن السلوك في طريق الشرير: أعني هجر حياة الضلال,
والسرقات, والنميمة, والكلام القبيح, وحب الخصام, والسكر,
والنَّهم, والعداوة. أجل, لنبتعدنَّ يا إخوتي عن هذه
جميعها, ولنعتبرنَّها رذائل رجسة. فلا نتركن نفوسنا
تلطّخها هذه بالسَّواد. وعلينا أن نتبع طريق الرب, المؤدي
بنا إلى وطننا السماوي.
ولنقتربن من الله بتنهدات ودموع, وبالتوبة والسهر (السهر
بالصلاة طوال الليل ) والطاعة, لكي ننتزع منه الرحمة.
ولنكره هذه الدنيا الحاضرة, ذاكرين على الدوام قول الرب ((
إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده
وإخوته حتى نفسه أيضاً, فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً ))
(لو26:14) وقوله (( من وجد نفسه يضيعها ومن أضاع نفسه من
أجلي يجدها ))(متى39:10)0 |
|
هكذا نحن أيضاً يا إخوتي. فلننكر أشياء هذه الدنيا نحن
الذين رفضنا العالم. ولنكره الكذب الذي يجذبنا إلى أمور
دنيئة. ولا نعودنّ إلى خطايانا الأولى ((كالكلب الذي عاد
إلى قيئه )) (2بط22:2) لأنه كما يقول الرب (( ليس أحد يضَع
يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله ))
(لوقا62:9).
كيف نهرب من العذاب الأبدي إن قضينا عمرنا بالتواني والكسل
وبدون توبة ؟
لقد قطعنا عهداً, يا إخوتي, يوم صرنا رهباناً أن نتوب كل
يوم عن خطايانا. وأن التوبة لهي مفتاح ملكوت السماوات.
وبدونها لا يخطى به أحد. إنها الطريق المؤدية إلى الوطن.
فلنسلكن هذه الطريق بخوف ولنرسّخن فيها خطواتنا. إن
الأفعوان الشرير لا يقترب من هذه الطريق. وهي وإن بدت الآن
(( ضيّقة )), إلاّ أنها في ما بعد تسبب الفرح.
فلنسكن هذه الطريق قبل إقتراب الأيام الأخيرة لكي نجني
الخيرات الآتية.
وعلينا أن نتحاشى الشرار ونتجنبهم, ولا نكون مثل أولائك
الذين يصرّون على البقاء في خطاياهم ويعيشون بدون توبة
))...
وإذ تخلّق بكل فضيلة كان يعلّم الإخوة بقدوته الصالحة.
فكانوا يتقبلون بذار تعليمه تقبُّل الأرض الخصبة وكانوا
يثمرون حسب قول الرب (( بعض مئة, وآخر ستين, وآخر ثلاثين
)) (متى8:13).
كنت تستطيع آنئذ أن تشاهد أناساً يحيون على الأرض كأنهم
ملائكة, ودير بتسر سكايا كأنه سماء, كان يسطع في قبته كوكب
عظيم, هو أبونا البار ثيوذوسيوس بأعماله الفاضلة.
وكثيراً ما كان يشع – بما في هذه الكلمة من معنى – نور
حقيقي قد أكرمه الله به. حدث مرة أن إيغومانوس دير رئيس
الملائكة ميخائيل كان عائداً ذات ليلة إلى ديره, وكان
الظلام دامساً, فرأى فوق دير بتسير سكايا نوراً رائعاً على
شكل البار ثيوذوسيوس. فاعترته دهشة لهذه المفاجئة, وأخذ
يمجد الله قائلاً:
ما أعظم نعمتك يا رب. لأنك أبرزت لنا في أيامنا هذه كوكباً
ساطعاً ينير دير بتسير سكايا بكامله.
وشاهد هذا النور كثيرون أيضاً. وأذاعوا خبره في كل مكان.
وعلم الأمير وحاشيته بهذا النور الذي تنشره قداسة الأب
البار.
حينذاك أخذ كثيرون يتوافدون إلى أبينا البار ثيوذوسيوس,
ويعترفون أمامه بخطاياهم, ثم يعودون إلى أماكنهم, متزودون
بفوائد روحية عظيمة. كما أنهم أقبلوا من ذلك الحين على
تقديم مساعداتهم للدير لسد حاجاته ولبنائه. وبعضهم أوقف
على الدير أملاكاً.
أمّا الأمير ايزيا سلاف المحب للمسيح – وهو خليفة أبيه
ياروسلاف على عرش كياف – فقد كان يكن للقديس حباً عظيماً.
فكان يدعوه كثيراً إلى قصره وكثيراً ما كان يقوم هو نفسه
بزيارته في ديره. وكان يبتهج بأقواله المفعمة بالروحانية.
وقد وضع أبونا البار قوانين, كان من بينها عدم السماح
لبواب الدير أن يفتح الباب لأي زائر للدير, وذلك من بعد
طعام الغداء حتى صلاة المساء. وقد حدد هذا القانون ليتسنى
للرهبان أن يستريحوا في الظهيرة بعد الكد السابق (من يقظة
طوال الليل, وصلوات ليلية وسحرية الخ... ).
وذات يوم تحرك الأمير عند الظهيرة قاصداً الدير وكان معه
ولده الصغير. وكان كل مرة يذهب فيها لمقابلة القديس يترك
الحرية لكبار موظفيه للذهاب الى منازلهم. فما كاد يصل إلى
الدير حتى نزل عن جواده لأنه لم يكن مسموحاً لأحد أن يدخل
الدير بجواده. وطرق الباب الخارجي طالباً فتحه. فأجابه
البواب قائلاً:
- لديّ أمر من أبينا الكبير أن لا أفتح الباب لأحد حتى
ساعة صلاة المساء.
فقال له الأمير محب المسيح:
- إني أنا هو. فافتح لي الباب على الأقل. فلم يدرك البواب
من كان الطارق وأجاب:
- قلت لك أن الأيغومانوس أمرني بأن لا أفتح الباب لأحد,
ولو جاء الأمير نفسه. فتذرع بالصبر قليلاً حتى موعد صلاة
المساء وعندها تدخل.
قال الأمير:
- لكني أنا هو الأمير. أفلا تفتح لي الباب ؟
فتقدم البواب إلى الباب وتحقق بنفسه إن كان هو الأمير.
لكنه لم يفتح الباب وأسرع إلى رئيس الدير ليخبره بقدومه.
فقام لإستقباله وإحتفى به بكل إكرام.
أمّا الأمير فقد بادره بالقول: (( يا له من أمر صارم. هذا
الأمر الذي جعل الخادم يقول إنه ولو حضر الأمير نفسه, لما
وجب فتح الباب )).
فشرح له البار الأمر قائلاً: أبها السيد المبارك, لقد
حددنا هذا لكي يستريح الإخوة الرهبان من عناء العبادة
الليلية. وإن إخلاصك للسيّدة والدة الإله الفائقة القداسة
وتعلقك بها لهو بنعمة الله مقبولة قبولاً حسناً.
وأن قدومك إلينا ليكشف عن تقدمك الروحي فيُفعِمنا بهجة
وفرحاً.
وذهبنا معاً إلى الكنيسة, فتلا البار دعاءً قصيراً, ثم
جلسا وأخذا يتحادثان في شؤون روحية.
وابتهج الأمير محب المسيح بأقوال الأب البار التي كانت
تتدفق من شفتيه كالشهد. فكان يتقبلها ويستزيدها وقلبه فرح
بها ويغترف منها بغير شبع...
وعاد إلى قصره بعد أن إستفاد كثيراً من هذه الزيارة وهو
يمجد الله.
وزاد حبه من ذلك اليوم لأبينا القديس وقد إعتبره معادلاً
في الجدارة لآباء الكنيسة القدامى. وكان يستمع لكل مشورة
يدلي بها.