كان
الأمراء والزعماء يكنون للبار ثيوذوسيوس عميق الإحترام
ويعاملونه بمزيد من الإكرام. إلاّ أن هذا ما كان ليدفعه
إلى الغرور. فكان يحاول دائماً الإختفاء أكثر فأكثر بعيداً
عن الظهور, مع أنه كان يشّع نوراً, وكان يعلّم تلاميذه
جميعاً بتواضع. وقد زاد الآن من إذلال ذاته. وكان يعمل
أعمالاً يدوية طوال النهار. مما جعله يعلّم لا بالأقوال
وحسب بل بالأفعال أيضاً.
|
ومع أنه كان الإيغومانوس, كان يذهب مراراً عديدة إلى غرفة
العجين ليشاطر الإخوة في عملهم. فكان يعجن ويخبز بنجاح
كبير بفضل ما كان يتحلّى به من قوة البدن. وكان هذا العمل
يفرحه. كما أنه كان في الوقت عينه يشدد من عزائم العجّانين
ويفهمهم لكي لا يخوروا أمام عملهم المضني.
وذات يوم عند إقتراب عيد نياح السيدة والدة الإله الفائقة
القداسة, لم يكن في المطبخ ماء فاتصل ثيوذوروس مدبّر
الخزين بالبار وأخبره قائلاً: ليس لديَّ أحد ينقل إليَّ
قليلاً من الماء.
فهبَّ البار فوراً وأخذ ينقل بنفسه الماء من الينبوع. فما
أن رآه أحد الإخوة يتعب ويكد على هذا المنوال حتى أخبر
الإخوة بما شاهده. فأسرعوا جميعاً وأخذوا ينقلون الماء
برغبة ونشاط حتى فاض على أواني المطبخ.
وحدث مرة أن نقص الحطب المعد لنار الطبخ, فقال ثيوذوروس
المشار إليه آنفاً للبار:
- (( قل أيها الأب لأخ غير منهمك بأي عمل أن ينقل إليَّ ما
أنا بحاجة إليه من الحطب )).
فأجاب البار:
- ها إني بلا عمل. وسأذهب. وكان ذلك الوقت موعد تناول
الطعام, فأمر الأب المغبوط الإخوة بالإنتقال إلى مائدة
الطعام. أمّا هو فحمل الفرّاعة وأخذ يقطع الحطب. ولما
إنتهى الإخوة من تناول الطعام رأوا رئيسهم يُعِدُ الحطب.
فانتشق كل منهم فرّاعة وأخذوا يقطعون الحطب. وقد أعدّوا
منه ما يكفي لأيام كثيرة.
وذات يوم عاد المغبوط نيكون إلى دير بتسير سكايا (وهو الذي
سبق أن سام البار قبل مغادرته الكهف). ومع أن ثيوذوسيوس
كان إيغومانوس (رئيساً للدير) قدم لنيكون الإكرام اللائق
معتبراً إياه أباً له.
وكان نيكون المغبوط يحترف حرفة تجليد الكتب. وكثيراً ما
كان أبونا البار ثيوذوسيوس يساعده في عمله فيصنع له الخيوط
التي يحتاج إليها في التجليد.
لقد بلغ هذا الإنسان حامل الروح, من التواضع والبساطة, أنه
– بما كان يبذل من جهود الطاعة – كان يقتدي بالمسيح الإله
الحقيقي الذي (( وضع نفسه إذ صار طائعاً حتى الموت موت
الصليب )) (فيليبي8:2). |
|
وحتى ثيابه التي كان يرتديها كرئيس للدير كانت رخيصة
وحقيرة. وكان يلبس على جسده من الداخل قميصاً نسج من صوف
خشن كان يقرصه ويشوكه. كذلك قبعته (قلنسوته) كانت ضيّقة
وطويلة تغطي رأسه بكامله بحيث لا يظهر منه شعرة واحدة.
وكان بسبب ملابسه الحقيرة يتعرض للسخرية والهزء المثير.
فكان يقابل ذلك بالإرتياح متأملاً قول الرب (( طوبى لكم
إذا عيَّروكم... )) (متى11:5).وحدث مرة أن أمراً استدعى
ذهاب البار إلى الأمير ايزيا سلاف محب المسيح. وكان آنئذ
مقيماً في مكان بعيد عن المدينة, وقد تأخر عنده حتى
المساء.
وفي عودته وضع الأمير تحت تصرفه عربة تقله إلى ديره وتجعل
سفره في الليل مريحاً
وبينما كان في الطريق نظر الفتى الذي رافق العربة إلى
الراكب فوجده ذا ملابس فقيرة. ولم يدر في خلده أنه
ايغومانوس. فقال له:
((يا لابس الثوب الأسود. إنك تجلس طوال النهار كسولاً.
بينما أنا أتعب وأكد على الدوام, وأريد الآن أن أنام في
العربة. فما دمت مستريحاً هيا إجلس مكاني في قيادة الحصان.
فنهض البار بتواضع كبير وأخذ يقود الحصان ممجداً الله
بفرح. وقد ساعد الفتى في الصعود إلى المركبة للنوم فيها.
لكنه بعد أن قطع شوطاً في القيادة دبَّ إليه النُّعاس. فما
كان منه إلا مقاومته بالنزول من العربة والمشي إلى جانبها
على قدميه. وكان إذا تعب عاد إليها.. وعند بزوغ الفجر كان
أصحاب الرتب يشقون الطريق متجهين إلى مقر الأمير فكانوا
إذا تبيّنوا من بعيد وجه الأب البار ترجَّلوا عن خيلهم
وانحنوا أمامه.
فلما رأى الفتى الجميع ينحنون أمام البار إحتراماً ذعر
عظيم وجلس على مقود العربة وهو يرتجف. وكلما كانا يتقدما
في الطريق كانا يقابلان عدد أكبر من العظماء الذين كانوا
ينحنون أمام البار. فزاد هذا من خوف الفتى. وما كاد يصلان
الى الدير وينزلان من العربة حتى إنحنى جميع الإخوة أمام
البار. فاضطرب الفتى وهلع وأخذ يفكر: ترى من يكون هذا الذي
ينحني الجميع أمامه ؟ حينئذ مسكه البار بيده وأرشده إلى
المائدة وأمر بتقديم الطعام له. ثم نفحه ببعض المال وتركه
يعود من حيث أتى.
لقد علمنا كل هذا من الفتى نفسه وقد كشفه للأخوة. أمَّا
البار فلم يذكر عن هذا الحادث شيئاً.
وكان البار ينصح الإخوة يومياً أن لا يتكبروا لأي شيء.
وكان يقول: (( يجب على المريد أن يكون متواضعاً, وأن يظهر
بصورة الأصغر أمام الجميع. ونموذج الراهب المتواضع هو ذاك
الذي يطوي ساعديه على صدره وينحني عاملاً المطانية
للآخرين, وهو السلوك الذي يليق بالمريد القيام به.
لقد كان يُنمي روح التواضع في نفوس الرهبان بصورة منظَّمة
وينصحهم أن يطلبوا بركة الأكبر فيهم قبل شروعهم أيَّ عمل.
وكان يقول: (( من يزرع بالبركات فالبركات أيضاً يحصد ))
(2كو6:9) ثماراً طيبة. وكان الإخوة يعيشون هذه الحقائق في
عملهم اليومي كما سنرى فيما بعد.
أمّا الزائرون الأتقياء الذين كانوا يتوافدون إبتغاء
للفائدة الروحية فكان يدعوهم إلى المائدة ويقدم لهم إلى
جانب التعليم الإلهي طعاماً, خبزاً و خمرة ومن أطعمة
الدير. وكثيراً ما كان يقدم ذلك للأمير إيزيا سلاف نفسه.
وحدث مرة أن الأمير جلس إلى مائدة الدير فأخذ يتفكَّه
قائلاً:
- في بيتي يا أبتي فيض من خيرات الدنيا. إلاّ أني لم أتذوق
مرة من الأطعمة ما أتذوقه في طعامكم. وخدامي يعدّون لي
مختلف الأطعمة الغالية. لكنها ليست في مستوى أطعمتكم.
فإلى مَ يعود نجاحكم هذا ؟ ألتمس منك أن تشرح لي يا أبتي
ذلك.
- (( أيها السيد الصالح. ما دمت تريد أن تعلم السبب, أكشفه
لك. إن الإخوة هنا في هذا الدير, قبل أن يبدؤوا بالطهي,
ينفذون القانون التالي: يأتي رئيس العاملين في المطبخ
ويأخذ بركتي. ثم يركع ثلاث ركعات أمام المائدة المقدسة
ويشعل شمعة من قنديل الهيكل لكي يشعل بها الفرن أو يضيء
بها المطبخ.
أمّا العامل المساعد المولج بوضع الماء في الخلقيين الكبرى
فإنه يطلب أوَّلاً بركة رئيسه قائلاً: بارك أيها الأب.
فيرد عليه قائلاً: فليباركْكَ الله أيها الأخ. وتجري هذه
الأمور كلها على هذا المنوال. ولهذا طعامنا لذيذ. أمّا
خدامك – على ما اعلم – فيقومون بعملهم بينما يتخاصمون
ويضجّون ويشي أحدهم بالآخر. وكثيراً ما يعاملهم مراقبوهم
بالضرب. وكل هذه الأمور تحدث إجمالاً بخطايا. وإنك لهذا
السبب لا تجد في طعامكم لذَّة.
فقال الأمير إيزيا سلاف: (( هذا صحيح يا أبتي كما ذكرت.
وإذ علم البار مرة أن شيئاً ما قد تمَّ بدون بركة وبلا
طاعة وصفه بأنه (( حصة العدو )). فإن كان هذا الشيء طعاماً
منع رعيته المباركة من تناوله. وأمر بإلقائه في أعماق
النهر (يقصد به نهر دنيبر وهو من أكبر أنهار أوروبا وكان
دير بتسر سكايا مقاماً على ضفته اليمنى العالية). أو بحرقه
في الفرن. وإنك لتلمس هذا النهج في الحادث التالي:
كان يوم عيد العظيم في الشهداء ديميتريوس, وقد قام أبونا
البار وبعض الإخوة بزيارة دير هذا القديس. وبينما كانوا
هناك, فدموا له بعض المسيحيين الأتقياء عدداً الأرغفة
الممتازة. حينئذ أمر البار خازن الأطعمة أن يقدم هذا الخبز
على المائدة لمن بقي في الدير من الإخوة. غير أن الخازن لم
يطع أمره. وقد فكر في نفسه قائلاً: (( لأقدمنَّ هذا الخبز
على المائدة غداً في طعام الإفطار حيث يكون جميع الإخوة
موجودين. أما الآن فأقدم خبزاً من عندنا )). وهكذا كان.
وفي صباح اليوم التالي جلس الإخوة على المائدة ورأى البار
تلك الأرغفة الممتازة. فاستدعى خازن الأغذية وقال له: أين
وُجدت هذه الأرغفة ؟ فقال الخازن: لقد أحضرت أمس للدير.
ولكن بما أن الإخوة كانوا قليلين رأيت أن أضعها اليوم
بينما نكون كلنا موجودين.
فقال البار: لقد كان الأفضل أن لا تهتم باليوم التالي وان
تعمل بما أمرتك به. فإن الرب, كما كان دائماً والآن أيضاً,
يدبّر أمرنا ويسُدُّ حاجتنا ويزيد.
وأمر أحد الإخوة فوراً أن يجمع هذه الأرغفة ويضعها في سلال
ويلقها في النهر. ثم حدد للخازن عقاباً تأديبياً لعدم
طاعته. وقد إتخذ إجراءات مماثلة إزاء حالات عدم الطاعة
ولما رأى أبونا البار ثيوذوسيوس أن الإهتمام بالغد والقلق
لا يليقان إلاّ برهبان نكثوا عهودهم اتخذ قراراً بأن يعلّم
الإخوة باجتهاد فضيلة اللآَّتملك لكي يتعلموا أن يغتنوا
بالإيمان والرجاء ولا يتكلموا على مقتنياتهم.
وكان كثيراً ما يتفقد قلا ليهم فإذا عثر على طعام أو أي
شيء لا حاجة للراهب إليه رماه في النار معتبراً إياه ((
حصة العدو )) وفعلاً من أفعال عدم الطاعة. وكان ينصحهم
قائلاً:
ينبغي علينا أيها الإخوة نحن الذين اعتنقتنا الطاعة
الرهبانية ورفضنا أشياء هذا العالم, أن لا نعود ونجمعها في
قلايتنا. فأي صلاة نقيّة نقدم لله, إذا كنا نجمع في
قلايتنا أشياء كثيرة ؟ يقول الرب: (( لأنه حيث يكون كنزك
هناك يكون قلبك أيضاً )) (21:6) و (( يا غبي هذه الليلة
تطلب نفسك منك. فهذه التي أعددتها لمن تكون )) ؟
(لو20:12). فلنكتفيَّن أيها الإخوة بالثوب المفروض
وبالطعام المقدَّم على المائدة ولا ندع شيئاً من هذه في
قلايتنا وبهذا ترتفع صلاتنا إلى الله حارة صادرة عن ذهن
طاهر.
كان يسدي إلى الإخوة هذه النصائح ومثيلاتها متخلّفاً بفيض
من التواضع وعيناه مغرورقتان بالدموع.
ولم يبدُّ تجاه أيَّ حالة ظالماً أو غاضباً أو حادّاً
وإنَّما كان حلو التصرف, دمث الخلق, لطيفاً مع الجميع.
وكان يحدث أحياناً أن أحد الرهبان الكسالى تخور نفسه فيهجر
الدير. فكان الحزن يستولي على قلب الأب البار ويرفع
تضرعات حارة إلى الله مقرونة بسيل من الدموع طالباً إليه
أن يعيد الخروف الذي ترك الحظيرة ومضى. فإذا عاد إستقبله
متهللاً وجهه بالفرح, ونصحه بألاّ يخور أمام هجمات العدو
الخبيثة ليترك له مجال الانتصار عليه. بل ينبغي أن يقهره
بشجاعة وبأس. وكان يقول: إن أصحاب النفوس التي تسلك طريق
الهرب والنكوص, فقدوا الرجولة وقد قهرتهم أهواؤُهم.
وكان في ديرنا هنا أخ ينقصه الصبر. فكان يهجر الدير بين
وقت وآخر, ثم لا يلبث أن يعود إليه بعد قليل. وكان البار
يستقبله فرحاً . وكان يقول للأخوة إنَّ هذا وإن إبتعد عن
الدير مرات عديدة لكن الله لن يدعه يموت خارجه. وإنه في
النهاية سيأخذه من هناك.
وذات يوم عاد الأخ من جديد بعد هجره الدير مرات, وأخذ
يتوسل الى البار لكي يقبله. فلم يتأخر – وهو الأب الحنون –
عن قبوله في عداد خراف رعيته. وجاء هذا الأخ بعد ذلك إلى
البار ليقدم له المال الذي كسبه في العالم حيث كان يعمل في
حرفة حياكة ملابس رجال الكهنوت. لكن الأب البار قال له:
- إن شئت أن تصير مريداً كاملاً فما عليك إلاّ أن تلقي هذا
المال في النيران لأنه من جني المروق وعدم الطاعة...
فقام الراهب بدافع التوبة الصادقة وجمع الثروة الصغيرة
التي إكتسبها في العالم وأحرقها في النار كما أمره الأب
البار.
ومن ذلك الحين لم يعد يغادر الدير حتى وفاته. وقد قضى
بقيَّة عمره في توبة صادقة. وهكذا تمت فيه نبوءة الأب
البار.
وقد عرف الأب البار, بهذه المناهج, كيف يحفز الإخوة إلى
اللاَّتملُّك وعدم الإقتناء ؛ وأن يعلّمهم في الوقت عينه
الإيمان والرجاء, ويبث فيهم المحبة, بحيث لا ينفصل أحد
الخراف عن القطيع.
وكان الأب البار يخصّ الفقراء بكثير من الحب والعطف. فإذا
رأى متسولاً أو أحد الفقراء في ثياب رثة تبدو عليه علامات
البؤس والشقاء كان يتألم لحاله ويحسن إليه وعيناه مبللتان
بالدمع. وقد دفعه شعوره هذا إلى تشييد مأوى عام وكنيسة على
إسم القديس استيفانوس أول الشهداء على مقربة من الدير ليجد
فيه مأوى الفقراء والعميان والمقعدون والبرص...
وقد أمر أن يقوم الدير بسد حاجاتهم وأن يخصص الدير لهم عشر
ثروته. كما انه كان كل سبت يرسل عربة محملة بالخبز إلى
المعتقلين في السجون. ولم يكتف بالإحسان إلى الفقراء وحسب
بل إمتد إحسانه إلى الذين ظلموا الدير أيضاً. وكان في هذا
الصنيع يقتدي بإحسان الآب السماوي.
نذكر على سبيل المثال أنه قِيد إليه بعض اللصوص مقيّدين
قبضوا عليهم في أحد أملاك الدير بينما كانوا يحاولون
السرقة. فما أن رآهم مقيَّدين وعلامات الحزن والكآبة تبدو
على وجوههم حتى اغرورقت عيناه وأمر بفك قيودهم وبتقديم
الطعام لهم. ثم نصحهم طويلاً بتحاشي ارتكاب الشر والإعتداء
على حقوق الغير. وبعد أن تفضَّل عليهم بسخاء من خيرات
الدير أطلق سراحهم بسلام. فخرجوا من عنده وقلوبهم تلهج
بالشكر لله والثناء على الأب البار على حسن صنيعهم وإحسانه
الذي حظوا به. ومن ذلك الوقت كفُّوا عن الإعتداء على الناس
وقنعوا بما يجنونه من عرق الجبين. بهذه الطيبة التي كان
يعالج بها الأب البار أولئك المخطّطين لسلب ثروة الدير,
كان يرسّخ في الإخوة روح اللاَّتملك, ويجهد كثيراً لكي
يبثَّهُ فيهم.