رأى الأب البار ثيوذوسيوس, المتجمّل بالعديد من الفضائل أن
الدير بات ضيّقاً بالنسبة إلى الرهبان فأخذ يفكّر فيما يجب
عمله. وكان يضرع إلى الله بإلحاح طالباً أن يرشده إلى مكان
رحب يقيم عليه كنيسة تبنى بالحجارة على اسم السيدة والدة
الإله الفائقة القداسة. وقد استجاب الله لصلواته وكشف له
بطريقة عجيبة المكان والكنيسة التي ستقام عليه.
وكان أحد المسيحيين الأتقياء من خائفي الله يمشي في ليلة
حالكة في المرتفعات المحازية لدير بتسير بتسير سكايا.
فأنعم الله عليه برؤية شاهد فيها بروز نور عجيب فوق الدير,
كالنور الذي رآه الآيغومانوس صفرونيوس ورأى في وسطه البار
ثيوذوسيوس, واقفاً أمام الكنيسة وباسطاً يديه صوب السماء
وهو يصلّي بثبات وإلحاح.
|
وفيما كان مبهوراً من هذه الرؤيا شاهد بعد قليل شعلة ضخمة
طارت من الكنيسة واتخذت شكل قوس وحطّت على حد التلال. وهو
التل الذي بنيت عليه الكنيسة بعد حين. وظلّت هذه الشعلة
قائمة هناك حتى غاب الرجل وراء الجبل, وكان طرفها على قمة
الكنيسة والطرف الآخر على التل. ولم يلبث الرجل أن أفضى
الى البار بما شاهد.
وحدث أعجوبة مماثلة أظهرها الله لسكان المنطقة المجاورة.
فقد فوجئوا ذات ليلة بسماع ترانيم روحية صادرة عن أفواه لا
تُحصى. فهبّوا من نومهم وصعدوا إلى أعلى مكان لعلّهم يرون
مصدر هذه الأصوات. فإذا بهم يشاهدون دير بتسير سكايا وقد
لاح لهم مجلّلاً بنور ساطع, وبدت الكنيسة أمامهم وجمع من
الرهبان يخرجون منها ويذهبون إلى الموقع الجديد. وبعضهم
كان يحمل أيقونة السيّدة والدة الإله ذات القداسة
الفائقة, وآخرون كانوا يمسكون بأيديهم الشموع المضيئة
ويرتلون سائرين, يتقدّمهم زعيمهم الآيغومانوس ثيوذوسيوس.
وما أن وصلوا إلى المكان حتى رفعوا غالى الله صلواتهم
وتراتيلهم. ثم عادوا من جديد إلى الكنيسة وهم ينشدون...
لم يشهد هذه الرؤيا واحد أو إثنان بل عدد كبير. وتبيَّن
فيما بعد ان الذين كانوا يرتَّلون هم ملائكة, ولم يكونوا
رهباناً. ذلك لأن رهبان الدير لم يعرفوا عن هذا الحادث
العجيب شيئاً.
فما كان منهم جميعاً إلاّ توجيه الشكر لله بفم واحد. لأنه
تبارك إسمه, بفضل أدعية البار, بارك ذلك الموقع وأفاض عليه
النِعم...
أما البار ثيوذوسيوس فقد رددَّ قول يعقوب رئيس الآباء: ((
حقاً ان الرب في هذا المكان, وأنا لم أعلم... ما أرهب هذا
المكان. ما هذا إلاّ بيت الله. وهذا باب السماء ))
(تكوين16:28 – 17).
وبينما كان البار يصلي في ديره من أجل تشييد الكنيسة
الجديدة تلَّقى الإجابة على طلبه مباشرة, بعد أن كان أمراً
لا رجاء في ترقّبه: فقد جاء البار أنطونيوس لكي يساعده
وتبعه بناؤون أتوا من القسطنطينية. وقد نقلهم الله إلى
هناك بآيات باهرة لكي يبنوا هيكله الذي أراهم إياه من قبل
في رؤيا.
وظهر أيضاً عند الشروع في العمل تدخّل الله وفيض بركته,
بينما كان جمع من الرجال يفتشون في أرجاء المنطقة المعينة,
على الموقع الملائم. فقد تصادف أن الأمير اسفياتوسلاف كان
ماراً من هناك. فلما علم بما جرى أهداهم بطيبة خاطر قطعة
أرض في أملاكه. وكانت هذه أنسب مكان لإقامة الكنيسة عليها
كما دلّت على ذلك إشارات إلهية في ما بعد: فإنه بفضل صلوات
البار أنطونيوس, وصلوات البار ثيوذوسيوس أيضا, هبط من
السماء على دفعات متوالية, على ذلك الحقل, ندى وجفاف ونار.
وبهذا تجلّى تفضيل الله لهذا المكان. |
|
وتأثّر البار ثيوذوسيوس أمام هذا الفيض من بركات الله التي
لا يمكن وصفها فقام ووضع الحجر الأساسي للبناء. وقُدِّمت
هذه الكنيسة لملكة السماء:
لأنها ستكون أشبه بالسماء في جلالها وروعتها.
ومما يجدر ذكره ان الأمير التَّقيّ اسفياتو سلاف نفسه شرع
بحفر الأساسات وقدَّم أيضاً للمشروع مائة قطعة مالية ذهبية
وضعها في يد البار ثيوذوسيوس.
وكان البار ثيوذوسيوس يكّد يومياً ويعمل بجد ونشاط مع
إخوته في تشييد الكنيسة المقدّسة ولم يكف في الوقت عينه ان
يجعل ذاته يوماّ فيوماً هيكلاً للروح القدس. فكان يزداد
تجملاً بالفضائل, وظل على الدوام أبا اليتامى, وحامي
الأرامل, ومغيث المظلومين. ومن رآه وهو يعمل, ما كان يرى
في مظهره ما يدّل على أنه هو الإيغومانوس. فإن ملابسه
وشكله الخارجي كله يشير الى أنه أحد رؤساء العمال.
كانت أرملة بائسة تطلب مساعدته فرأته بين البنائين. فقالت
له:
- ايه, قل لي يا لابس الثوب الأسود هل رئيسكم موجود في
الدير ؟
فرد عليها البار:
- لماذا تريدين مقابلة هذا الرجل. انه إنسان خاطئ.
فقالت المرأة:
- لا أعرف, إن كان خاطئاً أم لا. لكن ما أعرفه عنه أنه
أنقذ الكثير من المتضايقين والبؤساء والذين عضهم الشقاء.
وأريد أن يساعدني أنا التي ظلمها القاضي.
فاهتم ثيوذوسيوس بالإطلاع على قضيّتها بالتفصيل. وأحسّ
نحوها بشعور المشاركة في الألم فقال لها:
- عودي الآن إلى بيتك. وأنا سأقول كل شيء للإيغومانس وهو
سيفرج كربتك ويحررك من ضيقك.
وقدّ تحدث فعلاً مع القاضي بشأن هذه الأرملة الفقيرة. وطلب
إليه ان يعيدوا إليها ما أخذوه منا ظلماً. وتمّ ذلك وخلصت
من محنتها.
بمثل هذه الأعمال الخيّرية المؤهلّة للسماء كان البار
يجاهد للإسراع في تشييد الكنيسة التي ستكون شبيهة بالسماء.
إلاّ أنه لم ينل الإستحقاق أن يعيش حتى إكمال بنائها. فقد
وافته المنيّة قبل ذلك. ولكنه بعد موته كان وهو عند ربه
يعزّز بصلواته هذا العمل. وقد أكمله استيفانوس المغبوط
خلفه في رئاسة الدير.