إن الجهادات التقشفية التي مارسها أبونا القديس ثيوذوسيوس
داخل الكهف, سرعان ما أدت إلى الإنتصار الساحق على الأرواح
الشريرة.
ويوم تجاوزت أمه ذاتها, وتخطّت ألمها, وصارت راهبة, إتقدت
في نفسه نار العشق الإلهي, وإنصبّ على ممارسة رياضات روحية
عظيمة.
ويستطيع المرء أن يرى داخل الكهف ثلاث شمعات ملتهبة, تبدّد
بالصلاة والصوم ظلمات الشياطين الحالكة. وهذه الشمعات هي:
أنطونيوس البار, ثيوذوسيوس المغبوط, ونيكون العظيم, كانوا
داخل الكهف يبتهلون إلى الله, وكان الله معهم طبقاً للقول
الكريم: ((لأنه حيثما اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمي فهناك
أكون في وسطهم )) (متى 20:18).
|
وقد إنتقل نيكون المغبوط بعد فترة من الزمن مع تلامذة له
بلغاريين إلى دير القديس مينا. أمّا أبونا البار ثيوذوسيوس
فقد رسم كاهناًً بمشيئة الله ورغبة البار أنطونيوس. وكان
أنطونيوس ككاهن بخدمة القداس الإلهي يومياً بما اتصف به من
تواضع.
وإنك لتميزّ فيه وداعته الطبيعية, وصفاء ذهنه وعدم تشتته
أو اضطرابه, وبساطة قلبه. وقد كانت نفسه عامرة بحكمة
روحية. وكان يكنُّ لجميع الإخوة بلا إستثناء حباً عميقاً,
وقد جمعهم حوله البار أنطونيوس.
ثم أسند البار أنطونيوس الإيغومانوسية (رئاسة الدير) إلى
البار برلام وإنسحب هو إلى تلٍّ هادئ حيث فتح كهفاً أقام
فيه مستأنفاً حياته التقشفية.
وقام الكاهن البار ثيوذوسيوس والإيغومانوس برلام, اللذان
بقيا في الكهف الأول, بتشييد كنيسة صغيرة فوق الكهف على
إسم نياح السيدة والدة الإله الفائقة القداسة, لكي يجتمع
فيها الإخوة لأداء خدم العبادة.
وكان ضيق المكان داخل الكهف, فضلاً عن جهود الرياضة
النسكية تسبّب للرهبان الإخوة مضايقات ومشقات كبيرة, لا
يعلم مداها إلا الله, ولا يمكن أن يصفها لسان بشر. وكانوا
يعيشون على القليل من الماء والخبز المصنوع من القصفة أو
الأبريزة وهو جنس نبات من النجيليت. أمّا الطعام المطهي
فما كانوا يذوقونه إلا في يومي السبت والأحد, وهذا ليس
دائماً. لأنهم في بعض الأوقات كانوا لا يملكون ما يطبخونه.
فكانوا يكتفون بالخضروات المسلوقة.
وكان الرهبان إلى جانب أعمالهم يصنعون بعض السلال
ويبيعونها ويشترون بثمنها قمحاً. فإذا جن الليل عمد كل
راهب إلى حصته من القمح فطحنه. ثم يجمعون الطحين ليعجنوه
ويخبزوه. وبعدها ينتقلون الى الكنيسة ليصلّوا معاً صلاة
السحر.
وبعد الصلاة كانوا ينطلقون إلى متابعة أعمالهم اليدوية
المخصّصة للبيع. أمّا ما كان يبقى لهم من فراغ يسير فكانوا
يقضونه في العمل في الحديقة. |
|
بعد ذلك كانوا يتلون في الكنيسة صلوات الساعات. ويقومون
بخدمة القداس الإلهي. ثم يأكلون قليلاً من الخبز ويستأنفون
عملهم من جديد طوال النهار حتى موعد صلاة المساء وصلاة
النوم.
وعلى هذا المنوال كانوا يتابعون كدَّهم وجهادهم مكرّسين
ذاتهم لمحبة الله.
أما البار ثيوذوسيوس, وقد أمسى كاهناً. فإنه كان يذهل
الجميع بصومه وشجاعته وعمله اليدوي بالإضافة إلى ما كان
يتحلّى به من تواضع وطاعة. وكان شديد الرغبة في أن يخدم
الجميع. ومن مآثره أنه كان ينقل الماء أو الحطب من الحرج.
وفي بعض المرّات كان يجمع القمح الذي كان على إخوته
الرهبان أن يطحنوه, فيطحنه هو بنفسه, بينما يكون الجميع
نيام. وهو يعمل ذلك وفي الوقت عينه يصلّي طوال الليل.
حدث مرة أن هبطت على المنطقة جحافل من البرغش فكان يخرج
ليلاً من الكهف ليروّض نفسه, فيترك نصف بدنه عارياً لكي
يتعرّض للسع البرغش. وفي الوقت عينه كانت يداه تجدلان
السلال وشفتاه ترنمان مزامير داوود. وكان جسده يلطخ بالدم.
ومع ذلك فإنه كان يبقى ثابتاً بلا حراك حتى بزوغ الفجر.
وفي الصلاة السحرية كان أسبق الحاضرين وآخر من يغادر
الكنيسة, وما كان ينتقل من مكان أثناء الصلاة أو يشت فكره.
وقد أحبه الإخوة واتخذوه لهم أباً. وكانوا شديدي الإعجاب
به, لما كان يظهر في سلوكه من تواضع وطاعة.
في ذلك الحين دعا الحاكم إيزيا سلافو المغبوط برلام
ايغومانوس الأخوية الرهبانية ليتولى رئاسة دير القديس
العظيم في الشهداء ديميتريوس. فقام الإخوة وذهبوا إلى
البار أنطونيوس وطلبوا إليه بالإجتماع أن يعيّن البار
ثيوذوسيوس بدلاً منه رئيساً للدير فتتحسن بهذا الحياة
الرهبانية وتمسي وصايا الله أكثر وضوحاً.
فوافقهم البار أنطونيوس. وهكذا تم إختيار القديس ثيوذوسيوس
إيغومانوس (رئيساً للدير) يرئس الإخوة العشرين.
إن أبانا البار ثيوذوسيوس العجيب وقد أصبح رئيساً للدير لم
يتخلّ عن خلقه المتواضع. وكان يذكر دائما قول الرب (( من
أراد أن يكون فيكم أوَّلاً فليكن لكم عبداً )) (متى28:20).
وكان يُذلُّ نفسه وقد صار أصغر الجميع وخادمهم. فبدا في
كلِّ أمر نموذجاً في الأعمال الصالحة, وأول من يُقبل إلى
العمل, والى الكنيسة وآخر من يغادرهما.
جلبت طلبات ثيوذوسيوس الصديق فيضاً من بركات الله فإزدهرت
حياة الأخوية وتقدمت. وتحقّق بذلك قول صاحب المزامير أن ((
الصديق كالنخلة يزهر ومثل الأرز في لبنان ينمو ))
(مز12:92). وكالبذار الذي سقط في أرض خصبة, فأثمر مئة ضعف.
هكذا كبرت أخوية الرهبان في وقت قصير حتى ضمَّت مئة أخ,
كانوا جميعاً يتقدمون في حياتهم الفاضلة وفي الصلاة.
وكان الأب ثيوذوسيوس البار بالنسبة إلى هؤلاء الأخوية
ملاكاً أرضياً ورجلاً سماوياً.
وبعد هذا النمو المطرد للأخوية لم يعد الكهف مكاناً
مناسباً لحياة الصمت. والكنيسة الصغيرة المقامة فوقه لم
تعد تتسع لإقامة عبادتهم الجماعية.
أمّا هو فلم يبدُ عليه أ،ه متضايق من هذا الجوّ الخانق.
وكان يعزّي الإخوة يومياً ويعلّمهم أن لا يشغلوا أنفسهم
بالأمور الأرضية مذكراً إياهم بأقوال الرب: (( في بيت أبي
منازل كثيرة )) (يو2:14) و ((اطلبوا أولاً ملكوت الله
وبرّه وهذه كلها تزاد لكم )) (متى33:6) .
وبينما كان يجابه تلك الحالة بهذه الأفكار أفاض الله عليه
بسخاء ما كان في حاجة إليه. فقد أجال نظره إلى مكان غير
بعيد عن الكهف فوجده موقعاً رائعاً وصالحاً لتشييد دير
عليه. وإعتقد بصوابيّة هذه الفكرة وأمل أن يحقّقها وأظهر
اهتماماً كبيراً للحصول عليه.
فأخذ الرهبان بركة البار أنطونيوس واتجهوا بطلبهم الى
الحاكم إيزيا سلافوا, من أجل السماح لهم بقطعة الأرض هذه.
فوافق على منحهم إياها. ولم يمض وقت طويل حتى شيّد عليها
بمعونة الله كنيسة أخرى مبنيّة بالخشب. وقد كرّسوها لنياح
السيدة والدة الإله الفائقة القداسة. كما شيّد هناك على
الأرض عينها العديد من قلالي (( القلاية ج. قلالي: كلمة
يونانية تعني الغرفة التي يسكنها الراهب في الدير
(المترجم) )) الرهبان وانتقل الدير إلى هناك حول
الكنيسة, وهكذا إستقرَّ الإخوة فيه.
إن هذا المكان بالذات قد باركه الله بنوع أخص. فما عتَّم
أن صار ديراً مجيداً, هو المعروف بإسم دير بتسيرسكايا. هذا
الإسم هو ما أطلق على الكهف حيث عاشت الأخوية في البدء.
وقد ظل قائماً إلى اليوم.
وبعد أ، اتخذت حيات الإخوة هذا الشكل الجديد, شرع أبونا
البر ثيوذوسيوس يفكر في النظام الداخلي, الذي يجب أن يفرض
على الدير التقيّد به. لقد شغله هذا الموضوع كثيراً, فلجأ
إلى الصلاة والى التزوّد ببركات البار أنطونيوس. ولم يتأخر
الله عن الإجابة. فقد دبّر الأمور ليعرف تيبيكون ( النظام
الداخلي ) لدير استوذيو.
فإن الراهب الورع ميخائيل, أحد رهبان دير استوذيو الذي قدم
من بلاد اليونان مع المطران جاورجيوس, وكان في ذلك الوقت
موجوداً عندهم, أخبره عن حياة الرهبان الأستوذيين المرضيّة
لله. وهي الحياة التي مُنح نعمة الإستحقاق أن يعيشها هو
أيضاً. فراقت هذه الأخبار الأب البار, وأعجبته كثيراً.
فأرسل على الفور إلى إرسال أحد الإخوة إلى القسطنطينية.
وقد أوصاه أن يقابل أفرام المغبوط الخصيّ الذي لا بد أنه
عاد من الأماكن المقدسة,
ليكلفه بمهمة ذات شأن.
كان على أفرام هذا أن يزور دير أستوذيو في القسطنطينية
ليطلع بنفسه _ على أكمل وجه _ على كل ترتيب الدير
وتيبيكونه, وأن ينقله له بدقة وبكل التفاصيل. فقد كان عليه
أن يعرف كيف يرتلون, وكيف يقرأون, وكيف يعملون المطانيات (المطانية:
كلمة يونانية تعني التوبة وقد أطلقت اصطلاحاً على إحناء
الركبتين والركوع أمام أيقونة القديسين, للدلالة على
انسحاق الشخص ورغبته الحقيقية في التوبة ) وكيف يقفون في
الكنيسة, وكيف يجلسون حول المائدة, وما يأكلون في مختلف
الأيام.
وقد نفّذ المغبوط أفرام أمر الأب البار. فقام بالإطلاع على
النظام الداخلي للدير ونقله بنداً وعاد إلى الدير.
فما كان أبونا البار ثيوذوسيوس يتسلّم نص هذا التيبيكون
حتى أمر بتلاوته فوراً على جميع الإخوة. ومن ذلك الحين أخذ
دير بتسير سكايا يطبق نظام دير الرهبان الأستوذيين. ثم
نقلته عنه الأديرة الأخرى في روسيا, كما كان ينفذه البار
ثيوذوسيوس بدقة. وبعد أن كانت الأديرة الروسية حتى ذلك
الحين لا تعرف النظام الديري في حد ذاته, اتجهت أنظارها
الآن الى دير بتسير سكايا واعتبرته نموذجاً لها يُقتدى به
في كل أمر.
((الإيغومانوس = رئيس الدير. هو الأب الروحي المتقدم بين
الرهبان ويرئسهم ويتولى إدارة الدير من الوجهتين الروحية
والمادية. وقد ظهرت هذه الوظيفة من عهد القديس باخوميوس
مؤسس الرهبنة الديرية (المترجم) )) .