البار ثيوذوسيوس
البار نستور

مؤسس دير الكهف في كياف

وجع الأم

كانت أمه تبحث عنه في كل مكان في المدينة وضواحيها. لكنها لم تعثر عليه. فأخذت تلطم نفسها وتنوح عليه كأنه مائت, وأعلنت في كل أرجاء الوطن أنها تدفع مكافأة سخية لمن يراه ويخبرها عنه. وحضر البعض من مدينة كياف وأخبروها قائلين:

- لقد شاهدناه من أربعة أعوام تقريباً في مدينتنا كياف يسأل عن أحد الأديرة لكي ينخرط في سلك الرهبنة.

فما كادت أمه تسمع هذا حتى إنطلقت تحث السير صوب كياف غير عابئة بالجهد لبعد المسافة. فلما حطت رجليها هناك فتشت عنه في كل الأديرة. وأخيراً أخبروها أنه مقيم في الكهوف عند الشيخ [1] أنطونيوس. وما كادت تصل إلى هناك حتى أخذت تسأل عن مكان ذلك الزاهد الشهير ووجهت كلامها إلى الآباء الرهبان قائلة:

- قولوا للبار إني قد حضرت من مكان بعيد جداً لكي أسجد له وأتقبل بركته.

فلما أبلغ الشيخ الروحاني نبأ وصولها خرج من مغارته, فتقدمت وسجدت أمامه سجدة عميقة منحنية حتى الأرض والتمست بركته. فصلى الشيخ الروحاني من أجلها وباركها, ثم إستقبلها لكي تتحدث معه. فحدثته عن أمور كثيرة فكشفت له عن سبب مجيئها وأضافت:

- على هذا أتوسل إليك يا أبتي أن تقول لي الحقيقة, هل إبني هنا لديك ؟ ولدي الذي تألَّمت كثيراً من أجله دون أن أعلم إن كان لا يزال على قيد الحيات.

ولم يدرك ذلك الشيخ البريء ما تخفيه من خبث فكشف لها الحقيقة.

- إن ولدك حيّ فلا تتضايقي ولا تتوجعي من أجله. إنه موجود هنا.

فقالت الأم:

- هل لي أن أراه ؟ بعد أن قطعت هذه المسافة الطويلة حتى أصل الى هنا. ما أوده هو أن أراه فقط ثم أعود.

فأجاب الشيخ:

- من مبادئه أن لا يرى أحداً. فإذا شئت أن تقابليه فاذهبي الآن وعودي غداً عند الفجر. أما أنا فسأخبره

إنحنت المرأة ساجدة أمام الشيخ وابتعدت على أمل أن تقابل ولدها في اليوم التالي بينما دخل الشيخ إلى الكهف وأطلع ثيوذوسيوس المغبوط على ما جرى فتألم كثيراً حين علم أن أمه عثرت عليه.

وما بزغ الفجر حتى جائت أمه. ولكن ثيوذوسيوس أبى أن يقابلها برغم إصرار شيخه الروحاني البار أنطونيوس. فقال للمرأة:

- لقد توسلت إلى بنكِ كثيراً لكي يأتي ويقابلك فرفض... إنتفضت المرأة لدى سماعها هذا الكلام – وهي التي كانت حتى تلك اللحظة ذليلة – فهاجت وخرجت عن رصانتها وطار صوابها وصرخت بصوت مليء بالغضب:

- أوه ! أأسأل أ،ا هذا الشيخ بالذات ؟ وهو الذي أخذ ولدي وأخفاه في الكهف, ولا يرني إياه ؟

هيّا أرني ولدي. فإني أموت, وما عدت لأطيق تحمل شيء آخر ما لم أره. فإمّا أن تحضر لي ولدي أو أ،تحر هنا على مدخل الكهف...

تضايق الشيخ الروحاني البار وأسرع إلى ثيوذوسيوس ليتوسل إليه من جديد.

ولم يشأ ثيوذوسيوس أن يحزن شيخه فأطاعه ، وخرج من الكهف مذعناً.

فما أن شاهدته أمه هزيلاً نحيفاً شاحب الوجه, من شدة التقشف, حتى وقعت على عنقه طويلاً وهي تذرف الدموع السخية.

ثم عادت إلى رشدتها تدريجاً وكفكفت دموعها وتوسلت إليه بحرارة وإلحاح قائلة:

- عد يا ولدي إلى بيتك, فإن ما تفعله هنا لأجل نفسك تقدر على تحقيقه في البيت أيضاً. تعال لكي تكون معي, وتدفن جسدي بيديك يوم يحين الحين وأرحل عن هذه الدنيا. وبعدها تعود إلى هذا الكهف. لأني يا ولدي لا أقوى على العيش بدون رؤية وجهك.

فـأجابها ابنها المغبوط قائلاً: حسناً ، يا أمي إن شئت رؤيتي فابقي هنا في كياف

انخرطي في سلك الرهبنة وصيري راهبة في دير للنساء ، لكي تتمكني من مقابلتي بين الحين والآخر وتضمني خلاصك. فإن لم تعملي بقولي هذا ،أؤكد لك أنك لن تريني مرة أخرى.

وتوالت زياراتها لابنها عدة أيام ، كان خلالها ينصحها ويحاول إقناعها.

أمّا هي فكانت لا تريد أن  تسمع شيئاً عن الدير.

وكان إذا تركته وابتعدت دخل الكهف وإستغرق بكليته في الصلاة والتضرع الحار. وكان يتوسّل إلى الله بخشوع ولجاجة طالباً إليه أن يحوّل قلب أمه ، لكي تقبل نصائحه الخلاصة.

وقد استجاب الله لتوسلات عبده وفقا لقول النبي: ((  الرب قريب لكل الذين يدعونه. الذين يدعونه بالحق (مزمور18:145). فتمّ له ما تمنى. ولم يمض قليل من الوقت حتى بدأت أمه تغيّر موقفها وقد بادرته معلنة له عزمها وقالت له:

- أجل ياولدي. لقد عزمت على تحقيق ما طلبته مني. فلن أعود إلى البيت. وبما أن الله هكذا ارتضى فإني سأقيم في دير للنساء أعيش فيه كراهبة في ما تبقى لي من عمر. ولقد أقنعتني كلماتك فأدركت جيداً أن هذا العالم وقتيّ.

أبهج هذا التصريح روح ابنها المغبوط فأسرع إلى شيخه الروحاني أنطونيوس ليزف إليه بشرى عزم أمه على الإنخراط في الرهبنة.

فمجّد أنطونيوس البار الله على هذا التحوّل وهرول من الكهف ليقابل الأم ويوجّه لها بعض نصائحه المفيدة. وبعد ذلك ذهب إلى الأميرة لتسهل دخولها إلى دير القديس نيقولاوس للنساء. هناك جرت خدمة صلاة قصِّ شعرها وسميت راهبة ، وقد عاشت بالتوبة بقية حياتها. ومدًّ الله في عمرها فعاشت طويلاً إلى أن رقدت في الرب.

إن عناصر سيرة حياة أبينا البار ثيوذوسيوس المغبوط منذ حداثته حتى الآن كان مصدرها أمه بالذات. وقد حكتها للراهب ثيوذوسيوس ، خازن المؤونة في دير القديس ثيوذوسيوس. وقد سمعها نسطور المغبوط في ثيوذوسيوس وسجلها في كتاب – كما يقول هو نفسه- لكي تحفظ ويستفيد منها من يطلع عليها.

أمّا الأخبار التالية التي تذكر بقية سيرة حياة هذا القديس ، فإن الفضل في تسجيلها يعود إلى نسطور الذي دونها ، إذ كان شاهد عيان لحياته.  

 


[1] (جرت العادة أن يطلق على كبار الرهبان المرشدين لقب شيخ (غيرونداس ). والشيخ قي العرف الرهباني هو الأب الروحي المكلف بتوجيه المتقدمين إلى الرهبنة وعليهم أن يطيعوه طاعة تامة ويكشفوا له عن خفايا حياتهم ليعمل بدوره على توجيههم في طريق الخلاص (المترجم )